الشفاهية في رواية السيرة النبوية

الكاتب : وائل عزت معوض

لقد أظهر الصحابة اهتمامًا كبيرًا بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم في فترة مبكرة جدًّا من عمر الثقافة الإسلامية؛
حتى إنهم جعلوا من تعلُّمُ السيرة النبوية عبادة، فقد جاء عن زين العابدين علي بن الحسين رضي الله عنهما أنه قال: «كنا نُعلَّم مغازي النبي صلى الله عليه وسلم وسراياه كما نُعلَّم السورة من القرآن»[1].

وعن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص رضي الله عن الجميع يقول: «كان أبي يعلمنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعدها علينا وسراياه ويقول: يا بني هذه مآثر آبائكم فلا تضيعوا ذكرها»[2].

وتعد السيرة النبوية للنبي صلى الله عليه وسلم أعظم سيرة إنسان على وجه الأرض؛ فهي السيرة المكتوبة التي حفظ الله جزءًا غير قليل منها في القرآن الكريم؛ إذن هي خالدة خلود الكتاب العظيم، وزادها عظمة تلك الجهود الجبارة التي تمثلت في جهود علماء المسلمين الأوائل من محدثين ومؤرخين في التبويب والتحقيق والشرح والتوثيق والحفظ.

لقد أورد الدكتور صلاح الدين المنجد في كتابه: معجم ما ألف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (2491) مصنفًا مما صنف باللغة العربية، ويقول: «وما كدت أبدأ عملي حتى أدركت سعته وامتداده وتشعبه وصعوبته؛ فالتصانيف التي خصت برسول الله صلى الله عليه وسلم، أو تتعلق به آلاف مؤلفة»[3].

أما ما كُتِبَ عنه صلى الله عليه وسلم في المصنفات بغير العربية فإننا نشير إلى ذلك بمثال مما صنف باللغة الأوردية؛ التي لم تكن لغة تأليف إلا منذ قرنين على الأكثر، يقول السيد سليمان الندوي عن ذلك: «وفي تقديري أن ما صنف بها وحدها في السيرة النبوية يبلغ ألفًا إن لم يزد عليه»[4].

لقد وجدت من الضروري جدًّا في هذا العصر، أن نعرف كيف تم تدوين السيرة النبوية، ومراحل تطور كتابتها عبر القرون الإسلامية؛ للوقوف على مدى شغف المسلمين بها، ومن هذا المنطلق سنبدأ بعرض السيرة النبوية في القرون الأولى، وسنعرض في هذا المقال للمرحلة الشفاهية في رواية السيرة، وكيف تواترت روايات السيرة النبوية، وتداولها في أوساط الدرس، ومجالس العلم بين الصحابة في العصر الأول وبين التابعين، ثم بين التابعين وطلبة العلم النابغين.

مرحلة الشفاهية في رواية السيرة
الشفاهية والكتابية

مرت مرحلة التدوين للسيرة النبوية بمرحلتين كالتالي:

المرحلة الأولى هي: مرحلة الرواية الشفهية للسيرة النبوية، وقد صاحب تلك المرحلة بداية التدوين المبكر للسيرة، وتبدأ هذه المرحلة بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، «فالصحابة على علم دقيق وواسع بالسيرة؛ لأنهم عاشوا أحداثها، وشاركوا فيها، وكانت محبتهم لرسول الله وتعلقهم به، ورغبتهم في اتباعه، وأخذهم بسنته في الأحكام، سببًا في ذيوع أخبار السيرة، ومذكراتهم فيها، وحفظهم لها... فقد اشتهر عدد من الصحابة باهتمامهم الكبير بموضوع السيرة»[5].

وأظهر الصحابة اهتمامهم بجمع الروايات في مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث انصب اهتمامهم بداية الأمر بمغازي النبي صلى الله عليه وسلم، وتدوينها؛ حيث دوَّنوا «جزءًا غير قليل من وقائع السيرة كان قد كُتب في عصر الصحابة وفي حياة النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولكن ذلك لم يكن بشكل متميز، وإنما كان ضمنيًّا مع جملة أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم»[6].

واشتهر عدد من الصحابة بكتابة المغازي ومنهم:
العلاء بن الحضرمي[7] (ت 14هـ)، ويقال: إنه تأخر إلى سنة 21هـ.

وسهل بن أبي حثمة المدني الأنصاري (3هـ - 41 أو 60هـ = 624 -... م)، روى الواقدي كثيرًا عن حفيده محمد بن يحيى بن سهل، وعده ابن حجر صحابيًّا صغيرًا[8].

وسعيد بن سعد بن عبادة الخزرجي (3 – 123هـ = ... - 740م)، الذي لقب بالكامل، ولد في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويعده أكثر المؤلفين صحابيًّا كأبيه، ويعد من أوائل الذين دونوا أشياء عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو والد شرحبيل بن سعيد.

وعبد الله بن عباس (ت 78هـ) وهو صحابي شهير بالرواية، حبر الأمة، وترجمان القرآن، كان يترجم لأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم لتلاميذه وحواريه في مجلس علمه، قال الواقدي: حدثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الله، قال: «كان ابن عباس.. ولقد كنا نحضر عنده فيحدثنا العشية كلها في المغازي»[9].

المرحلة الثانية: وهي المرحلة التي صاحبت مرحلة الرواية الشفهية للسيرة النبوية، وبها بدأت مرحلة التدوين المبكر للسيرة على يد بعض الصحابة وأشهرهم الصحابي: عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- حيث كان «من أبرز الصحابة اهتمامًا بتدوين أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم حتى إنه كان يكتب كل ما يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم»[10]، في حياة رسول الله، ولم يمنعه النبي صلى الله عليه وسلم.

وأملى البراء بن عازب -رضي الله عنه- في مجلسه العلمي شيئًا كثيرًا من مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخاصة فيما يتعلق بـ الهجرة النبوية، وبعض الغزوات، كغزوة بدر وأحد، والخندق، والحديبية، وفتح مكة، وحنين[11].

وهذه الأخبار تدل على أن الرعيل الأول قد «تجاوز بالسيرة مجال العمل بها والتأسي إلى مجال العلم بها وتدوينها للأجيال اللاحقة»[12].

دور طبقة التابعين في تواتر روايات وأخبار السيرة النبي صلى الله عليه وسلم:
وتبدأ هذه المرحلة بأولاد الصحابة والتابعين، الذين تلقوا روايات السيرة شفاهة من الصحابة؛ وذلك حتى نهاية القرن الأول، وحرص جيل كبار التابعين على تلقي السيرة النبوية بالاهتمام نفسه الذي بَلَغَ به الصحابة هذا العلم، ويقول الزهري رحمه الله -وهو من كبار التابعين-: «في علم المغازي علم الآخرة والدنيا»[13].

1- أبو عمرو عامر بن شراحيل شرحبيل الشعبي (17/19 - 103هـ = 640 -721م)، ولد بالكوفة، وكان محدثًا عالمًا في الفقه والمغازي عارفًا للشعر وراوية له، ومن أشهر كُتَّاب المغازي في صدر الإسلام، وقد روى الشعبي عن جمع غفير من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، بلغ الخمسمائة[14].

قال عبد الملك بن عمير: مرَّ عبد الله بن عمر بالشعبي وهو يقرأ المغازي، فقال: كأن هذا كان شاهدًا معنا، ولهو أحفظ لها مني وأعلم[15].

وقد مر على مجلسه عبد الله بن عمر فقال: «قد شهدت القوم فهو أحفظ لها وأعلم بها»[16].

2- أبان بن عثمان بن عفان ابن الخليفة الثالث رضي الله عنهما (20 - 101/ 105هـ).
ولد بالمدينة، وكان أبَان واليًا على المدينة لـ عبد الملك بن مروان سبع سنوات، وعرف بالحديث والفقه، أتم كتابه في السيرة والمغازي قبل سنة (83هـ)، والظاهر أن سيرته التي جمعت لم تكن إلا صحفًا فيها أحاديث عن حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيامه، ومغازيه، وقد فقدت فيما فقد من كتب المسلمين.

وقد أخذ عنه المغيرة بن عبد الرحمن مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

3- عروة بن الزبير بن العوام (22 - 93هـ = 643 - 712م)، أبوه هو الزبير بن العوام حَوَارِيُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمه السيدة أسماء بنت أبي بكر الصديق التي شهدت الكثير من أحداث السيرة، وكان لها عمل مشهور مذكور في الهجرة رضي الله عنهما.

ولد عروة بالمدينة المنورة، وكان ثقة كثير الحديث، وهو أحد الفقهاء السبعة المشهورين في المدينة، وقد خرَّج له أصحاب الصحاح وغيرهم، وقد روى الحديث عن خالته السيدة عائشة -رضي الله عنها- وعن غيرها من الصحابة، وكان معروفًا بتدوين العلم والحديث (وهو أول من صنف في المغازي)[17].

ولم يصل لنا شيء من كتب عروة؛ ولكن الذي وصل إلينا هو الكثير من روايته في كتب الحديث والسير.

• وقد قام الدكتور محمد الأعظمي سنة 1401هـ - 1980م بجمع رواية عروة بن الزبير من بطون الأسفار وقام بتحقيقها ونشرها تحت اسم: مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم برواية أبي الأسود يتيم عروة، ونشرها مكتب التربية العربي لدول الخليج.

«نزل أبو الأسود مصر، وحدث بها بكتاب المغازي لعروة بن الزبير عنه»[18]. وهو يُعَدُّ بذلك من أقدم ما ألف في السيرة النبوية.

واتخذ لنفسه منهجًا واضحًا، فكان يبدأ عادة بـ «الاستشهاد بالآيات القرآنية، ويستعمل الأشعار لكن بقلة، ويهتم كثيرًا بالأنساب وله عناية بإيراد الوثائق والكتب التي كتبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أنه قليل الاستعمال للأسانيد»[19].

4- سعيد بن المسيب المخزومي (ت 94هـ = 713م) وهو من شيوخ الزهري، وهو أحد العلماء الأثبات والتابعين، كتب شيئًا عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم والفتوح رواه عنه الطبري في تاريخه.

5- وهب بن منبه اليماني الصنعاني (34 - 110هـ =... - 732م) تابعي جليل، يمني من أصل فارسي، وكان من أهل الكتاب الذين أسلموا، وكان ملمًا بمعارف أهل الكتاب، كان يعنى عنايةً خاصة بأحاديث أهلِ الكتاب، وأسهم بجهد طيب في حركة التأليف، وقد عثر المستشرق بيكر على قطعة من كتابه في (المغازي) بين أوراق بردي شتارينهارت المحفوظة الآن بمدينة (هيدلبرج) الألمانية، وقد كتبت سنة 228هـ برواية عبد المنعم ابن بنت وهب، برواية محمد بن بكر عن أبي طلحة عن عبد المنعم عن أبيه عن أبي إلياس عن وهب، وهو عند المحدثين من الكذابين، وغالبًا لا يستعمل وهب الإسناد.

ونلاحظ على رجال هذه الطبقة أنهم جميعًا من كبار التابعين، رووا عن الصحابة وعن كبار التابعين، وأن موطن كل هؤلاء الرجال هو المدينة، التي كانت مهبط الوحي، ومنطلق الغزو وميدان السيرة، ومعرفتهم بأهل المدينة وأسرها كبيرة -وهم منهم- تعطي الدقة والاطلاع.

وهذه الطبقة لم يصل لنا من كتبهم شيء، بل وصل لنا الكثير من مروياتهم في السيرة، واتسم منهجهم بالبساطة -من خلال النصوص التي وصلت إلينا- فهم أحيانًا يذكرون الأسانيد، وأحيانًا يتجاوزونها

.


[1] الخطيب البغدادي: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع- تحقيق: د. محمود الطحان -
ج 2 - ص 195 - نشر مكتبة المعارف بالرياض - 1983م.
[2] نفسه.
[3] صلاح الدين المنجد: معجم ما ألف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - ص 9.
[4] سليمان الندوي: الرسالة المحمدية - ص 96، 97.
[5] أكرم العمري: السيرة النبوية الصحيحة - ج1 - ص50.
[6] سليمان بن حمد العودة: السيرة النبوية في الصحيحين وعند ابن إسحاق – ص25 - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية – إدارة الثقافة والنشر بالجامعة – 1414هـ.
[7] تاريخ التراث العربي (1 " 2 "/20، 22، 65، 66) ومقدمة مغازي عروة بن الزبير (27).
[8] ابن حجر: الإصابة - ج 2 - ص 276.
[9] محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي: سير أعلام النبلاء – ط4 – مؤسسة الرسالة – ج3 - ص 350 – 1406هـ.
[10] محمد بن صامل السلمي: منهج كتابة التاريخ الإسلامي - ص 295.
[11] محمد مصطفى الأعظمي: مغازي رسول الله لعروة بن الزبير - ص 25-26.
[12] سليمان بن حمد العودة: السيرة النبوية في الصحيحين وعند ابن إسحاق – ص25 - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية – إدارة الثقافة والنشر بالجامعة – 1414هـ.
[13] الخطيب البغدادي: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع – تحقيق: د. محمود الطحان - ج 2 - ص 195 - نشر مكتبة المعارف بالرياض - 1983م.
[14] الذهبي: سير أعلام النبلاء - ج 4 – ص298.
[15] المرجع السابق - ج 4 - ص302.
[16] ابن حجر: تهذيب التهذيب، ج5 - ص67.
[17] حلية الأولياء - ج2 - ص176
وابن كثير: البداية والنهاية - ج9 - ص101.
[18] الذهبي: سير أعلام النبلاء.
[19] محمد بن صامل السلمي: منهج كتابة التاريخ - ص298.

المقال السابق المقال التالى