الرد على شبهة محاولة انتحار النبي

الأنبياء هم صفوة البشر، وهم أكرم الخلق على الله تعالى، اصطفاهم الله تعالى لتبليغ الناس دعوة لا إله إلا الله، وجعلهم الله تعالى الواسطة بينه وبين خلقه في تبليغ الشرائع، قال الله تعالى: {

أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ}(الأنعام من الآية:90)، وقد اتفقت الأمة على أن رسل الله ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ معصومون، قال القاضيعياض: " الأنبياء منزهون عن النقائص في الخَلق والخُلق " .

والعصمة في الشرع: هي حفظ الله لأنبيائه ورسُلِه من الوقوع في الذُّنوب والمعاصي، وارتِكاب المنكرات والمحرَّمات .

قالابن حجر: " وعصمة الأنبِياء - على نبيِّنا وعليْهِم الصَّلاة والسَّلام -: حِفْظُهم من النقائص، وتخصيصهم بالكمالات النفيسة، والنصرة والثَّبات في الأمور، وإنْزال السَّكينة " .
وقد أجمعت الأمة على عصمة نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحفظ الله له، وأن حياته ـ قبل البعثة وبعدها ـ كانت أمثل حياة وأشرفها، فلم تُعرف له فيها هفوة، ولم تُحْص عليه فيها زلة، بل إنه امتاز بسمو الخلق، ورجاحة العقل، وعظمة النفس، قال القاضىعياض: " واعلم أن الأمة مجمعة على عصمة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الشيطان وكفايته منه، لا في جسمه بأنواع الأذى - كالجنون والإغماء -، ولا على خاطره بالوساوس " .
وقالابن كثير: " معلوم لكل ذي لُب (عقل سليم) أن محمداً ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ من أعقل خلق الله تعالي، بل أعقلهم وأكملهم على الإطلاق في نفس الأمر " .
ولذلك فإن عصمة نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ فى عقيدتنا أصل من أصول ديننا، وهى عقيدة لا تنفك عن شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، والطعن فى هذه العصمة طعن فى هذه الشهادة .

ومع ذلك فقد كثرت السهام والافتراءات التي توجه للإسلام ونبي الإسلام ـ صلى الله عليه وسلم ـ، من جهل أبنائه ـ الذين هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا ـ، وكيد أعدائه من اليهود والنصارى، الذين يحاولون بين الحين والآخر إثارة الشبهات حول عصمة نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وإثارة الشكوك حول أحاديثه، وجميع ما يستدلون به من أحاديث على عدم عصمته لا حجة لهم فيها، لأن ما استدلوا به أحاديث مكذوبة، أو ضعيفة، أو أخرى صحيحة لكنها لا تدل على ما احتجوا به، قاصدين بذلك الانتقاص من حقه، والإقلال من قدره من ناحية، ومن ناحية أخرى التشكيك في كتب السنة والأحاديث، وخاصة صحيحالبخاري.

ومن هذه الشبهات التي أثاروها: اتهامهم للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمحاولة الانتحار في فترة انقطاع الوحي وفتوره بعد اللقاء الأول بينه وبين جبريل ـ عليه السلام ـ، وقالوا: إنالبخاريفي صحيحه يتهم ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ بمحاولة الانتحار، ومن ثم يطعن في عصمته، أليس في ذلك ما يدل على عدم صحة كل ما فيالبخاريكما تزعمون !! .

واستدلوا على ذلك بحديث جاء في صحيحالبخاري: كتاب التعبير(الرؤيا)، والحديث طويل عنعائشةـ رضي الله عنها ـ، وقد بدأ بذكر كيف نزل الوحي على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أول مرة، وما حدث لهبعد ذلك من رجوعه لزوجته خديجة ـ رضي الله عنها ـ، ثم ذهابه لورقة بن نوفل، وفي آخر الحديث زيادة ـ ضعيفة ـ وفيها: " وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـفيما بلغناحُزنًا غدا منه مراراً كي يتردَّى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوْفى بذِرْوة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدّى له جبريل فقال: يا محمَّد إنك رسول الله حقًا، فيسكن لذلك جأشه وتقرّ نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك " .
وبهذه الرواية وزيادتها، طعن أعداء الإسلام ـ قديماً وحديثاً ـ فى عصمة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونبوته، وشككوا في كتب السنة ورجالها، قائلين: كيف بالنبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يأتي ذروة جبل ليلقى منها نفسه ؟!، وكيفبالبخاريالذي يقول علماء الحديث عن صحيحه أنه أصح الكتب المصنفة بعد كتاب الله ـ عز وجل ـ، يذكر قصة الانتحار هذه ؟!! .

الرد والجواب على هذه الشبهة:
قال الحافظابن حجرفي شرحه للحديث: " القائل: " فيما بلغنا " هوالزهري، وهو من بلاغاته وليس موصولًا " .
فهذا الجزء من الحديث الذي يُذكر فيه أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يتردَّى من رؤوس شواهق الجبال جاء في روايةمعمرعنالزهري، والزهريـ كما هو معلوم ـ تابعي لم يُعاصر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو يراه أو يسمع منه، فالواسطة بينه وبين النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مجهولة، ولم يذكرالزهريمَن أبلغه بهذه القصة، فتكون هذه الزيادة ـ التي فيها محاولة الانتحار ـ مرسلة، والحديث المرسل هو الذي يرويه التابعي مباشرةعن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، والحديث المرسل من أقسام الحديث الضعيف الذي لم يثبت، ولذلك هذه الرواية تسمى من: بلاغاتالزهري، فالزهريقال: " فيما بلغنا "، ومن أبلغه بذلك مجهول، ولا يُعرف هل هو عدل أم لا ؟، وهل هو ضابط للحفظ أم لا ؟، والعدالة والضبط من شروط صحة الحديث عند علماء الحديث، ومن ثم فحكم هذه الزيادة الإرسال، ومرسل الإمامالزهريضعيف عند علماء الحديث .

وقد روى الإمامالبخاريحديث نزول الوحي أكثر من مرة في صحيحه دون أن يشير إلى هذه القصة، ولم يورد معها نصالزهري، والرواية التي ذكرت هذه الحادثة قد وردت مُدرجة في الحديث،فالبخارينقل نصين مختلفين، الأول: حديثا صحيحاً متصل السند عنعائشةـ رضي الله عنها ـ ليس فيه هذه القصة الباطلة، والثاني فيه زيادة ضعيفة للزهري لا سند لها .

لكن هؤلاء المشككين ينقلون الثاني ويخفون الأول ولا يذكرون تضعيف العلماء لزيادة الزهريليوهموا الناس أنهما حديثاً واحداً، وأنالبخارييصحح هذه الزيادة، ومن ثم يطعنون في النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، أو يطعنون فيالبخاريوصحيحه .

قال الدكتورعماد الشربيني: " لعل الإمامالبخاريوغيره ممن أخرج هذه الزيادة أرادوا بذلك التنبيه إلى مخالفتها لما صح من حديث بدء الوحي الذي لم تذكر فيه هذه الزيادة، وخصوصاً أنالبخاريلم يذكر هذه الزيادة في بدء الوحي ولا التفسير، وإنما ذكرها في التعبير " .

وقال الشيخالألبانيرداً على من عزى نصالزهريللبخاري: " هذا العَزْوللبخاريخطأ فاحش، ذلك لأنه يوهم أن قصة التردي هذه صحيحة على شرطالبخاري، وليس كذلك "، ثم قال: " وخلاصة القول أن هذا الحديث ضعيف لا يصح، لا عنابن عباسولا عنعائشة، ولذلك نبهت في تعليقي على كتابي مختصر صحيحالبخاريعلى أن بلاغالزهريهذا ليس على شرطالبخاريكي لا يغترّ أحد من القراء بصحته لكونه في الصحيح " .

وقد وردت قصة محاولة الانتحار هذه من طرق أخرى، كما جاء في الطبقات الكبرىلابن سعد: وسندها فيهمحمد بن عمرـ وهوالواقديـ،والواقديعند علماء الحديث لا تُقبل أحاديثه، قاليحيى بن معينعنه: " ليس بثقة "، وقال عنهالبخاريفي كتاب الضعفاء: " متروك الحديث "، وكذلك حكم عليه الحافظابن حجرفي التهذيب، وقال عنهالذهبي: " واستقر الإجماع على وهن (ضعف)الواقدي" .

وكذلك في تاريخ الطبري رواية مشابهة للسابقة عنعبيد بن عمير بن قتادة الليثي،وعبيد بن عميرليس صحابيًا بل هو منالتابعين، ولم يُدرك النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فعندما يروي حديثاً عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يكون حديثه مرسلاً، والحديث المرسل من أقسام الحديث الضعيف، وهذه الرواية فيها أيضاسلمةوهو ضعيف، وفيهاابن حميد الرازيكذّبه جماعة من العلماءكأبي زرعةوغيره .

وبهذا يتبين أن قصة محاولة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ التردي من فوق الجبل ضعيفةواهية .

هذا مع أنه لا يوجد حرج فى أن يكون النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد اعتراه شيء من الحزن بسبب فتور الوحي وانقطاعه، ولا عجب في أن يغدو إلى قمم الجبال تطلعاً لتجليات أمين الوحي الذى عهد لقاءه فى هذا المكان، فهذا أمر فطرى وطبيعى، فالإنسان إذا حصل له خير أو نعمة فى مكان ما، فإنه يحب هذا المكان، ويلتمس فيه ما افتقده، ولذلك لما فتر الوحي: صار ـ صلى الله عليه وسلم ـ يُكثر من ارتياد قمم الجبال، ولاسيما حراء، رجاء أنه إن لم يجد جبريل فى حراء، فليجده فى غيره، فرآه راوى هذه الزيادة وهو يرتاد قمم الجبال، فظن أنه يريد أن يلقى بنفسه لحزنه، وقد أخطأ الراوى المجهول فى ظنه قطعاً، فإن الله ـ عز وجل ـ عصم رسله لأنهم أمناء وحيه إلى عباده، وجعلهم قدوة لمن آمن بهم واتبعهم من خلقه، والحكمة تقتضي أن يكون الرسل معصومين في قلوبهم وعقولهم وأخلاقهم، لأنهم لو لم يكونوا معصومين لجاز عليهم ما يجوز على غيرهم من الكذب، أو عدم تبليغ ما أمروا بتبليغه، أو فِعل ما نُهوا عنه، أو محاولتهم الانتحار .

فائدة :
الأحاديث الصحيحة فيالبخاريهي الأحاديث المسندة، أما الأحاديث غير المسندة فهذه تكون صحيحة وقد تكون ضعيفة، وبهذا يتبين قول الإمامالسخاوي: "تأيَّد حمل قولالبخاري: ما أدخلت في كتابي إلا ما صح، على مقصوده به وهو الأحاديث الصحيحة المسندة، دون التعاليق والآثار الموقوفة على الصحابة فمن بعدهم، والأحاديث المترجم بها، ونحو ذلك " .

ولذلك وقع البعض في خطأ كبير بسبب طعنهم في الإمامالبخاريلذكره قصة التردي الباطلة في صحيحه، ولا يعرفون ولا أمثالهم من الطاعنين قدر وعلم الإمام البخاري، الذي لا يعرف قدره في هذا العلم إلا أهله .
قالابن كثيرفي البداية والنهاية: " جاءمسلم بن الحجاجإلىالبخاريفقبَّله بين عينيه، ثم سأله عن بعض الأحاديث فذكر له علتها، فلما فرغ قالمسلم: لا يبغضك إلا حاسد، يا أستاذ الأستاذين، ويا سيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله " .

وقالالنووي: " أجمعت الأمة على صحة هذين الكتابين(صحيحيالبخاريّ ومسلم)، ووجوب العمل بِهما "، وقال: " اتفق العلماء على أنَّ أصحَّ الكُتب بعد القرآن الكريم الصحيحان: صحيحالبخاريوصحيحمسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول، وكتابالبخاريأصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف "، وقالابن خزيمة: "ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا أحفظ له منالبخاري"، وقالالذهبي: " وأما جامعالبخاريالصحيح فأجَّل كتب الإسلام وأفضلها بعد كتاب الله تعالى " .

وقال العلامةأحمد شاكر: " الحق الذي لا مرية فيه عند أهل العلم بالحديث من المحققين وممن اهتدى بهديهم وتبعهم على بصيرة من الأمر: أن أحاديث الصحيحين صحيحة كلها، ليس في واحد منها مطعن أو ضعف "، وقال الشيخالألباني: " كيف والصحيحان هما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى باتفاق علماء المسلمين من المحدثين وغيرهم " .

ومن ثم فلا يطعن في صحيحالبخاريإلا مبتدِع ضال، يهدف من وراء تشكيكه فيه إلى هدم مبنى السُنَّة والشريعة، وأنَّى له ذلك، وكلام السلف والخلف رادع له ولأمثاله .

وإذا كان إجماع الأمة ـ قديما وحديثا ـ قد انعقد على أن الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ معصومون من إتيان الكبائر قبل البعثة وبعدها، فنسبة هذا الفعل الى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو أفضل الرسل والأنبياء، نقضٌ لذلك الإجماع، ومن ثم فرواية محاولة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الانتحار ضعيفة سنداً، باطلة متناً، فالرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ أرفع قدراً، وأجل مكانة، وأكثر ثباتاً من أن يُقدم على الانتحار بسبب فتور الوحي وانقطاعه، وقد قال الله تعالى عنه: {وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}(المائدة من الآية: 67)، وقال: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}(القلم الآية: 4 ) .
لمقامِهِ عندَ الإلهِ يُشيرُ قُرآنُنا في واضحِ الآياتِ
فضلُ الإلهِ على النَّبيِّ مُعظَّمٌ ولِذاكَ كانَ مُسدَّدَ الخُطواتِ
أَخلاقُهُ جَمعتْ لكلِّ فَضيلةٍ كانَت (وَإنَّكَ) آيةُ الإثباتِ
فلنحْذر ونُحَذّر ممن يطعنون في نبينا ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ، أو يشككون في سنته وأحاديثه .

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم