عربي English עברית Deutsch Italiano 中文 Español Français Русский Indonesia Português Nederlands हिन्दी 日本の
  
  

   

 

النداء السادس و الاربعون : وجوبُ  الاستجابة لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ

 

قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) } سورة الأنفال

 

يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِالاسْتِجَابَةِ إلَى دَعْوَتِهِ تَعَالَى ، وَإِلَى دَعْوَةِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم التِي أَمَرَهُ اللهُ بِإِبْلاَغِهَا إِلَيْهِمْ ، لأَنَّهَا تُزكِّي نُفُوسَهُمْ وَتُطَهِّرُهَا ، وَتُحْيِيها بِالإِيمَانِ ، وَتَرْفَعُها إلَى مَرَاتِبِ الكَمَالِ فَتَحْظَى بِرِضَا اللهِ ، ثُمَّ يُعْلِمُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِأَنَّهُ قَائِمٌ عَلَى قُلُوبِ العِبَادِ يُوَجِّهُهَا كَيْفَ يَشَاءُ ، فَيَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَبَيْنَ قَلْبِهِ ، فَيُمِيتُ الإِحْسَاسَ وَالوِجْدَانَ وَالإِدْرَاكَ فِيهِ ، فَتُشَلُّ الإِرَادَةِ ، وَيَفْقِدُ الإِنْسَانَ سَيْطَرَتَهُ عَلَى أَعْمَالِهِ ، وَيَتْبَعُ هَوَاهُ ، فَلاَ تَعُودُ تَنْفَعُ فِيهِ المَوَاعِظُ وَالعِبَرُ . وَاللهُ تَعَالَى هُوَ وَحْدَهُ القَادِرُ عَلَى أَنْ يُنْقِذَهُمْ مِمَّا تَرَدَّوْا فِيهِ ، إِذَا اتَّجَهُوا إلَى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ .

 

 

ثُمَّ يَحْشُرُ اللهُ العِبَادَ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ لِيُحَاسِبَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ ، وَيَجْزِيهِمْ عَلَيْهَا بِمَا يَسْتَحِقُّونَ .

 يُحَذِّرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ مِنْ وُقُوعِ البَلاَءِ وَالفِتَنِ بَيْنَهُمْ إِذَا لَمْ يَقُومُوا بِوَاجِبِهِمْ نَحْوَ دِينِهِم وَجَمَاعَتِهِمْ فِي الجِهَادِ ، وَالأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ ، وَفِي الضَّرْبِ عَلَى أَيْدِي المُفْسِدِينَ ، وَفِي النُّصْحِ للهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ ، وَفِي إِطَاعَةِ أُوْلِي الأَمْرِ . وَيُنَبِّهُهُمْ تَعَالَى إِلَى أَنَّ العِقَابَ الذِي يُنْزِلُهُ اللهُ بِالأُمَمِ المُقَصِّرَةِ بِالقِيَامِ بِوَاجِبَاتِهَا لاَ يُصِيبُ السَّيِّىءَ وَحْدَهُ ، وَإِنَّمَا يَعُمُّ بِهِ المُسِيءَ وَغَيْرَهُ ، وَيُعْلِمُهُمْ أَنَّهُ شَدِيدُ العِقَابِ لِلأُمَمِ التِي تُخَالِفُ سُنَنَهُ وَهُدَى دِينِهِ ، وَتُقَصِّرُ فِي دَرْءِ الفِتَنِ ، وَفِي التَّعَاوُنِ عَلَى دَفْعِهَا ، وَالقَضَاءِ عَلَيْهَا .

 ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ : أَمَرَ اللهُ المُؤْمِنِينَ أَنْ لاَ يُقِرُّوا المُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ فَيَعُمَّهُمُ اللهُ بِالعَذَابِ ) .

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يدعوهم إلى ما يحييهم . .

إنها دعوة إلى الحياة بكل صور الحياة , وبكل معاني الحياة . .

 

 

إنه يدعوهم إلى عقيدة تحيي القلوب والعقول , وتطلقها من أوهاق الجهل والخرافة ; ومن ضغط الوهم والأسطورة , ومن الخضوع المذل للأسباب الظاهرة والحتميات القاهرة , ومن العبودية لغير الله والمذلة للعبد أو للشهوات سواء . .

ويدعوهم إلى شريعة من عند الله ; تعلن تحرر "الإنسان" وتكريمه بصدورها عن الله وحده , ووقوف البشر كلهم صفا متساوين في مواجهتها ; لا يتحكم فرد في شعب , ولا طبقة في أمة , ولا جنس في جنس , ولا قوم في قوم . . ولكنهم ينطلقون كلهم أحراراً متساوين في ظل شريعة صاحبها الله رب العباد .

 

 

ويدعوهم إلى منهج للحياة , ومنهج للفكر , ومنهج للتصور ; يطلقهم من كل قيد إلا ضوابط الفطرة , المتمثلة في الضوابط التي وضعها خالق الإنسان , العليم بما خلق ; هذه الضوابط التي تصون الطاقة البانية من التبدد ; ولا تكبت هذه الطاقة ولا تحطمها ولا تكفها عن النشاط الإيجابي البناء .

 

 

ويدعوهم إلى القوة والعزة والاستعلاء بعقيدتهم ومنهجهم , والثقة بدينهم وبربهم , والانطلاق في "الأرض" كلها لتحرير "الإنسان" بجملته ; وإخراجه من عبودية العباد إلى عبودية الله وحده ; وتحقيق إنسانيته العليا التي وهبها له الله , فاستلبها منه الطغاة!

 

 

ويدعوهم إلى الجهاد في سبيل الله , لتقرير ألوهية الله سبحانه - في الأرض وفي حياة الناس ; وتحطيم ألوهية العبيد المدعاة ; ومطاردة هؤلاء المعتدين على ألوهية الله - سبحانه - وحاكميته وسلطانه ; حتى يفيئوا إلى حاكمية الله وحده ; وعندئذ يكون الدين كله لله . حتى إذا أصابهم الموت في هذا الجهاد كان لهم في الشهادة حياة.

 

 

ذلك مجمل ما يدعوهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم وهو دعوة إلى الحياة بكل معاني الحياة .

إن هذا الدين منهج حياة كاملة , لا مجرد عقيدة مستسرة . منهج واقعي تنمو الحياة في ظله وتترقى . ومن ثم هو دعوة إلى الحياة في كل صورها وأشكالها . وفي كل مجالاتها ودلالاتها . والتعبير القرآني يجمل هذا كله في كلمات قليلة موحية: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) . .

استجيبوا له طائعين مختارين ; وإن كان الله - سبحانه - قادراً على قهركم على الهدى لو أراد: (واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه) . .

ويا لها من صورة رهيبة مخيفة للقدرة القاهرة اللطيفة . . (يحول بين المرء وقلبه) فيفصل بينه وبين قلبه ; ويستحوذ على هذا القلب ويحتجزه , ويصرفه كيف شاء , ويقلبه كما يريد . وصاحبه لا يملك منه شيئا وهو قلبه الذي بين جنبيه !

 

 

إنها صورة رهيبة حقاً ; يتمثلها القلب في النص القرآني , ولكن التعبير البشري يعجز عن تصوير إيقاعها في هذا القلب , ووصف هذا الإيقاع في العصب والحس !

إنها صورة تستوجب اليقظة الدائمة , والحذر الدائم , والاحتياط الدائم . اليقظة لخلجات القلب وخفقاته ولفتاته ; والحذر من كل هاجسة فيه وكل ميل مخافة أن يكون انزلاقا ; والاحتياط الدائم للمزالق والهواتف والهواجس . . والتعلق الدائم بالله - سبحانه - مخافة أن يقلب هذا القلب في سهوة من سهواته , أو غفلة من غفلاته , أو دفعة من دفعاته . .

ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو رسول الله المعصوم يكثر من دعاء ربه:" اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " . . فكيف بالناس , وهم غير مرسلين ولا معصومين ?!

 

 

إنها صورة تهز القلب حقا ; ويجد لها المؤمن رجفة في كيانه حين يخلو إليها لحظات , ناظرا إلى قلبه الذي بين جنبيه , وهو في قبضة القاهر الجبار ; وهو لا يملك منه شيئا , وإن كان يحمله بين جنبيه ويسير !

صورة يعرضها على الذين آمنوا وهو يناديهم: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) . .

ليقول لهم:إن الله قادر على أن يقهركم على الهدى - لو كان يريد - وعلى الاستجابة التي يدعوكم إليها هذه الدعوة , ولكنه - سبحانه - يكرمكم ; فيدعوكم لتستجيبوا عن طواعية تنالون عليها الأجر ; وعن إرادة تعلو بها إنسانيتكم وترتفع إلى مستوى الأمانة التي ناطها الله بهذا الخلق المسمى بالإنسان . . أمانة الهداية المختارة ; وأمانة الخلافة الواعية , وأمانة الإرادة المتصرفة عن قصد ومعرفة .

(وأنه إليه تحشرون) . .

فقلوبكم بين يديه . وأنتم بعد ذلك محشورون إليه . فما لكم منه مفر . لا في دنيا ولا في آخرة . وهو مع هذا يدعوكم لتستجيبوا استجابة الحر المأجور , لا استجابة العبد المقهور .

ثم يحذرهم القعود عن الجهاد , وعن تلبية دعوة الحياة , والتراخي في تغيير المنكر في أية صورة كان: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة , واعلموا أن الله شديد العقاب) . .

 

 

والفتنة:الابتلاء أو البلاء . . والجماعة التي تسمح لفريق منها بالظلم في صورة من صوره - وأظلم الظلم نبذ شريعة الله ومنهجه للحياة - ولا تقف في وجه الظالمين ; ولا تأخذ الطريق على المفسدين . . جماعة تستحق أن تؤخذ بجريرة الظالمين المفسدين . . فالإسلام منهج تكافلي إيجابي لا يسمح أن يقعد القاعدون عن الظلم والفساد والمنكر يشيع [ فضلا على أن يروا دين الله لا يتبع ; بل أن يروا ألوهية الله تنكر وتقوم ألوهية العبيد مقامها ! ] وهم ساكتون . ثم هم بعد ذلك يرجون أن يخرجهم الله من الفتنة لأنهم هم في ذاتهم صالحون طيبون !




                      المقال السابق                       المقال التالى




Bookmark and Share


أضف تعليق

أنت بحاجة للبرامج التالية: الحجم : 2.26 ميجا الحجم : 19.8 ميجا