النداء التاسع و الستون: تحريم التقدم على الله ورسوله بقول أو فعل

قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (1) سورة الحجرات

يُؤدِّبُ اللهُ تَعَالى في هذِهِ الآيَةِ عِبَادَهُ المُؤْمِنينَ ، وَيُعَلِّمُهُمْ أصُولَ مُخَاطَبَةِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم والتَّعَامُلِ مَعَهُ ، وَتَوْفِيَتِه حَقَّهُ مِنَ التَّوقِيرِ والاحْتِرَامِ . فَيَقُولُ تَعَالى للْمُؤمِنين : لا تُسْرعُوا في القَضَاءِ في أمْرٍ قَبْل أن يَقْضِيَ لَكُم فِيهِ اللهُ وَرَسُولُهُ ، وَكُونُوا تَبَعاً لِقَضَائِهِما وَأمْرِهما ، وَلاَ تَتَكَلَّمُوا في أمْرٍ قَبْلَ أنْ يَأتِيَ الرَّسولُ عَلَى الكَلامِ فِيهِ ، وَلا تَفْعَلُوا فِعْلاً قَبْْلَ أنْ يَفْعَلَهُ الرَّسُولُ ، واتَّقُوا اللهَ يَا أَيُّها المُؤْمِنُونَ ، فَإِنَّهُ سَمِيعٌ لما تَقُولُونَ ، عَلِيمٌ بِمَا تَفْعَلُونَ .

هَذِهِ آيَات أَدَّبَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ فِيمَا يُعَامِلُونَ بِهِ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ التَّوْقِير وَالِاحْتِرَام وَالتَّبْجِيل وَالْإِعْظَام فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى" يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْن يَدَيْ اللَّه وَرَسُوله " أَيْ لَا تُسْرِعُوا فِي الْأَشْيَاء بَيْن يَدَيْهِ أَيْ قَبْلَهُ بَلْ كُونُوا تَبَعًا فِي جَمِيع الْأُمُور حَتَّى يَدْخُل فِي عُمُوم هَذَا الْأَدَب الشَّرْعِيّ حَدِيثُ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ حَيْثُ قَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَن " بِمَ تَحْكُمُ ؟ " قَالَ بِكِتَابِ اللَّه تَعَالَى قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَإِنْ لَمْ تَجِد ؟ " قَالَ بِسُنَّةِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَإِنْ لَمْ تَجِد ؟ " قَالَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَجْتَهِد رَأْيِي فَضَرَبَ فِي صَدْره وَقَالَ" الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهْ فَالْغَرَض مِنْهُ أَنَّهُ أَخَّرَ رَأْيه وَنَظَرَهُ وَاجْتِهَاده إِلَى مَا بَعْد الْكِتَاب وَالسُّنَّة وَلَوْ قَدَّمَهُ قَبْل الْبَحْث عَنْهُمَا لَكَانَ مِنْ بَاب التَّقْدِيم بَيْن يَدَيْ اللَّه وَرَسُوله فَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا " لَا تُقَدِّمُوا بَيْن يَدَيْ اللَّه وَرَسُوله " لَا تَقُولُوا خِلَاف الْكِتَاب وَالسُّنَّة وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَنْهُ : نُهُوا أَنْ يَتَكَلَّمُوا بَيْن يَدَيْ كَلَامه وَقَالَ مُجَاهِد لَا تَفْتَاتُوا عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَقْضِي اللَّه تَعَالَى عَلَى لِسَانه وَقَالَ الضَّحَّاك لَا تَقْضُوا أَمْرًا دُون اللَّه وَرَسُوله مِنْ شَرَائِع دِينكُمْ وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ" لَا تُقَدِّمُوا بَيْن يَدَيْ اللَّه وَرَسُوله " بِقَوْلٍ وَلَا فِعْل وَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ " لَا تُقَدِّمُوا بَيْن يَدَيْ اللَّه وَرَسُوله " قَالَ لَا تَدْعُوا قَبْل الْإِمَام وَقَالَ قَتَادَة ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَاسًا كَانُوا يَقُولُونَ لَوْ أُنْزِلَ فِي كَذَا وَكَذَا لَوْ صَحَّ كَذَا فَكَرِهَ اللَّه تَعَالَى ذَلِكَ وَتَقَدَّمَ فِيهِ" وَاتَّقُوا اللَّه " أَيْ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ " إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ " أَيْ لِأَقْوَالِكُمْ " عَلِيم " بِنِيَّاتِكُمْ .

فهو أدب نفسي مع الله ورسوله . وهو منهج في التلقي والتنفيذ . وهو أصل من أصول التشريع والعمل في الوقت ذاته . . وهو منبثق من تقوى الله ، وراجع إليها . هذه التقوى النابعة من الشعور بأن الله سميع عليم . . وكل ذلك في آية واحدة قصيرة ، تلمس وتصور كل هذه الحقائق الأصيلة الكبيرة .

وكذلك تأدب المؤمنون مع ربهم ومع رسولهم؛ فما عاد مقترح منهم يقترح على الله ورسوله؛ وما عاد واحد منهم يدلي برأي لم يطلب منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يدلي به؛ وما عاد أحد منهم يقضي برأيه في أمر أو حكم ، إلا أن يرجع قبل ذلك إلى قول الله وقول الرسول . .

وحتى لكأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسألهم عن اليوم الذي هم فيه ، والمكان الذي هم فيه ، وهم يعلمونه حق العلم ، فيتحرجون أن يجيبوا إلا بقولهم : الله ورسوله أعلم . خشية أن يكون في قولهم تقدم بين يدي الله ورسوله!

روى أحمد في مسنده عَنْ أَبِى بَكْرَةَ قَالَ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمَ النَّحْرِ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ - قَالَ - فَجَعَلَ يَتَكَلَّمُ هَا هُنَا مَرَّةً وَهَا هُنَا مَرَّةً عِنْدَ كُلِّ قَوْمٍ ثُمَّ قَالَ « أَىُّ يَوْمٍ هَذَا ». قَالَ فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ غَيْرَ اسْمِهِ قَالَ « أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ ». قَالَ قُلْنَا بَلَى. ثُمَّ قَالَ « أَىُّ شَهْرٍ هَذَا ». قَالَ فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ غَيْرَ اسْمِهِ قَالَ ثُمَّ قَالَ « أَلَيْسَ ذَا الْحِجَّةِ ». قَالَ قُلْنَا بَلَى. ثُمَّ قَالَ « أَىُّ بَلَدٍ هَذَا ». قَالَ فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ غَيْرَ اسْمِهِ قَالَ ثُمَّ قَالَ « أَلَيْسَ الْبَلْدَةَ الْحَرَامَ ». قَالَ قُلْنَا بَلَى. قَالَ « فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ إِلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ تَعَالَى كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِى شَهْرِكُمْ هَذَا فِى بَلَدِكُمْ هَذَا ». ثُمَّ قَالَ « لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ فَلَعَلَّ الْغَائِبَ أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِنَ الشَّاهِدِ ».

فهذه صورة من الأدب ، ومن التحرج ، ومن التقوى ، التي انتهى إليها المسلمون بعد سماعهم ذلك النداء ، وذلك التوجيه ، وتلك الإشارة إلى التقوى ، تقوى الله السميع العليم .

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم