الشبهات الخاصة بالحياة العامة

الكاتب : د/ راغب السيرجاني

الشبهات الخاصة بالحياة العامة :

أثار البعض شبهاتٍ حول رسول الله صلى الله عليه وسلم توحِي بفقدان الرحمة أو جزءٍ منها في المجالات المُثَار حولها تلك الشبهات، ومن أمثلة هذه الشبهات:

الشبهة الأولى: تعدد زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم قسوة على المرأة.

الشبهة الثانية: أخذ الجزية يتنافى مع مبدأ الرحمة.

الشبهة الثالثة: تطبيق الحدود الشرعية على الجرائم قسوة على الناس.



الردُّ على هذه الشبهات:

الشبهة الأولى: تعدد زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم قسوة على المرأة

[1]لقد جاء محمد بصيانة النساء و حثهن على العفاف

في منتصف التسعينات من القرن الماضي كان أكثر من 40% من الأطفال الأمريكيين لا ينعمون بالعيش مع آبائهم، ويعد العزوف عن الزواج وسهولة العلاقات غير الشرعية من أهم الأسباب لهذه الظاهرة الخطيرة[2].

هذا حالهم ولكن الإسلام شئ آخر!!



إنَّ الردُّ على هذه الشبهة إنما يكون من خلال الواقع الذي عاشه الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومن خلال التطبيقات الواقعية في حياته الأسرية، والتي قامت على الودِّ والرحمة والحبِّ والعاطفة الطاهرة التي كانت تظلِّلُ سماءَ البيت النبوي الكريم، ثم الردُّ أيضًا بمعرفة الملابسات والظروف التي تم فيها هذا الزواج..

ومن الصعوبة بمكان أن نذكر هنا كل ما يتعلَّق بهذا الجانب في حياته صلى الله عليه وسلم نظرًا لكونه متسع الآفاق، ومتعدد الأوجه، غير أننا نطالع سريعًا طرفًا من حياته صلى الله عليه وسلم ..

لقد تزوج الرسول صلى الله عليه وسلم في الخامسة والعشرين من عمره بخديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وهي امرأة في الأربعين من عمرها، وظل معها وحدها قريبًا من خمس وعشرين سنة، لم يتزوج غيرها حتى ماتت[3].

وعندما كان في الخمسين من عمره كانت هي مُسنَّة في الخامسة والستين، وكان صلى الله عليه وسلم - كما يقرر العدو قبل الصديق - لا يعرف إلا الوفاء لهذه السيدة العجوز التي قضى معها شبابه كله.

وبعد موت زوجته الأولى تزوج من امرأة تقاربها في السن هي سَوْدَة بنت زمعة رضي الله عنها، وهي التي هاجرت معه إلى المدينة[4]..

وصحيح أنه في السنوات العشر الأخيرة من حياته اجتمعت لديه نسوة أخريات!

فمن هُنَّ؟

إنهن مجموعة من الأرامل المنكسرات أحاطت بهن ظروف صعبة، لم يشتهرن بالجمال، ولا كان لهن من السنِّ المبكرة ما يجدد الحياة، اللهم إلا بكرًا واحدة هي عائشة رضي الله عنها بنت صاحبه أبي بكر رضي الله عنه، وقد تزوجها توثيقًا لعلاقتهما.

وتزوج بعدها حفصة بنت صاحبه عمر رضي الله عنها ، ولم تُعرَف بجمال، بل بدا أن البناء بها بعد موت زوجها خنيس ابن حذافة السهمي رضي الله عنه كان جَبْرَ خاطرٍ، ودعم مودة وجهاد..!!

وتزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان رضي الله عنها المهاجرة إلى الحبشة.. إنه لم يرها هناك بَيْد أنه يعرف إسلامها برغم أنف أبيها زعيم المشركين يومئِذٍ، ويعرف بقاءها على الإسلام برغم أنف زوجها الذي ارتد عن الإسلام إلى النصرانية، فهل يتركها في وحشتها وعزلتها؟! لقد أرسل يخطبها ويعزُّ جانبها...

وكلما أحاطت ظروف سيئة بامرأة ذات مكانة، ضمَّها إليه، وما كان للشهوة موضع يُلحَظ بالمرة، وأدركت النسوة القادمات هذه الحقيقة، وعرفن أن هذا الوضع فوق طاقة الإنسان العادي، فعرض بعضهن في صراحة أن يبقى منتسبًا للبيت النبوي مكتفيًا بهذا الشرف، ومتنازلاً عن حظ المرأة من الرجل، وقد آواهنَّ صلى الله عليه وسلم مستجيبًا لنداء إنساني ورحمة بهنَّ..

ويتضح مما سبق بجلاء أن هذا الزواج المتعدد لم يكن إلا لأهداف نبيلة، ومقاصد حسنة، ويظهر فيه من الرحمة ما هو غني عن التأكيد عليه.


-----------------

[1] ويلكي كولنز (باحث وروائي ألماني): جوهرة القمر ..

[2] محمد جلال عناية: أمريكا وأزمة ضمير ص132.

[3] ابن هشام: السيرة النبوية 2/9.

[4] ابن سعد: الطبقات الكبرى 8/53.

المقال السابق المقال التالى