1. المقالات
  2. لماذا اعتنقنا الإسلام دينا؟ _ سفر أحمد الحمداني
  3. قصة إسلام الدكتور عبد الكريم جيرمانوس . (المجر)

قصة إسلام الدكتور عبد الكريم جيرمانوس . (المجر)

الكاتب : سفر أحمد الحمداني

استاذ الدراسات الشرقية

كان ذلك في عصر يوم مطير، وكنت ما ازال في سن المراهقة، عندما كنت أقلب صحائف مجلة مصورة قديمة، تختلط فيها الاحداث الجارية مع قصص الخيال، مع وصف لبعض البلاد النائية؛ بقيت بعض الوقت أقلب الصحائف في غير اكتراث إلى انْ وقعت عيني فجأة على صورة لوحه خشبية استرعت انتباهي، كانت الصورة لبيوت ذات سقوف مستوية تتخللها هنا وهناك قباب مستديرة برفق إلى السماء المظلمة التي شق الهلال ظلمتها؛ وعلى أحد هذه السقوف صور يجلسون في صفوف غيرمنتظمة مرتدين ملابس غريبة الطراز...

ملكت الصورة علي خيالي، اذ كانت في طابعها تختلف عندما تعوَّدنا رؤيته من المناظرفي اوربا، كان منظراً من الشرق، في مكان ما في الشرق العربي، يمثل رجلاً يقص حكايات خلابة على جمهورمن المستمعين يتدثرون بالبرانس.

كانت الصورة ناطقة حى تخليت انني استمع إلى صوت الرجل يسلينا بحديثه، وأنني في زمرة المنصتين إليه من زمرة العرب على سطح البناء وانا الطالب الذي لم يتجاوز السادسة عشر من عمره الجالس على كرسي وثير في المجر، ثم أحسست بشوقٍ غلاب لايقاوم إلى معرفة ذلك النور الذي كان يغالب الظلام في اللوحة.

بدأت ادرس اللغة التركية، وسرعان ما لاح لي ان اللغة التركية الكتوبة لاتحتوي الا على قدر قليل من الكلمات التركية، وأن الشعر التركي يزخر بالكلمات الفارسية، وأن النثر يزخر بالاصول العربية، وحاولت ان اتمكن من هذه اللغات الثلاث، حتى استطيع خوض هذا العالم الروحي الذي نشر هذا الضوء الباهرعلى ارجاء البشرية.

وفي إجازة صيف كان من حضي ان اسافر إلى البوسنة، وهي اقرب بلد شرقي إلى بلادنا....

وما كدت انزل إلى احد الفنادق حتى سارعت إلى الخروج لمشاهدة المسلمين في واقع حياتهم وكانت لغتهم التركية ماتزال غامضة لي...

إذ بدأت معرفتها من خلال الكتابة العربية المعقد في كتب النحو، كان الوقت ليلاً، فنزلت إلى الشوارع وكانت خافتة الإضاءة، وسرعان ما وصلت إلى مقهى متواضع يجلس فيه رجلان من اهل البلاد على كرسيين قليلي الإرتفاع ويتناولان ((الكيف)) يرتديان السراويل التقليدية الواسعة يمسك بها في الوسط حزام عريض مدجج بالخنجر، فكان مظهرهما بماعليهما من لباسٍ غريب، عليه مسحة من الغلظة والشراسة، فدخلت المقهى ((قهواخان)) Kahwekhane بقلب مرتجف وجلست منزوياً في ركن ناء عنهما في هلعٍ ووجل.

نظر اليَّ الرجلان نظرةً عجيبة مستطلعة؛ وعندئذ قفزت إلى مخيلتي جميع قصص سفك الدماء التي قرأتها عن تعصب المسلمين في الكتب المتحيزة غير المتحيزة غيرالمنصفة، كانا يتهامسان فيما بينهما وكان موضوع همسهم ولا شك هو حضوري غير المتوقع. وفي اوهام الاطفال أدركني الهلع؛ إنهما ولا شك سيوجهان طعنات خنجريهما إلى صدر هذا الكافر الوافد عليهما وتمنيت لو انني استطعت الخروج والخلاص من هذا المأزق الرهيب، غير ان قواي خانتني فلم استطع الحراك.

وبعد ثوان قليلة أحضر لي الخادم كأساً من القهوة يفوح اريجها، واشار اليَّ الرجلين الرهيبين، فرنوت اليهما بوجهٍ خائف، فالقيا عليَّ السلام في رفق مع ابتسامةِ مودةٍ رقيقة، وفي تردد، اسطنعت على شفتي المرتجفتين ابتسامة باردة، فقام هذان العدوان، كما كنت اتخيلهما وحضرا إلى منضدتي، وساورني شعو عجيب! ترى هل يريدان طردي واخراجي؟ ولكنهما القيا الي السلام للمرة الثانية وجلسا إلى جواري، قدم لي احدهما لفاقة تبغ وفي ضوئها الخافت الراقص لمحت ان وراء هذا المظهر الخارجي الرهيب ارواحاً طيبة كريمة، فجمعت اطراف شجاعتي وخاطبتهما في لغةٍ تركية ركيكة، ومع ذلك فقد كان حديثي مثل العصا السحرية، فإذا بي ارى في محياهما عواطف الصداقة والمودة واذا بي اتلقى منهما دعوةً لي إلى منزليهما بدل ماتوقعته منهما عداء، واذا بهما يفيضان علي مشاعر العطف، فيما كنت احسبهما سينهالان علي بأسنان الخناجر. كان هذا هو اول لقاء لي مع المسلمين. ثم مرت بي سنوات وسنوات في حياة حافلة بالاسفار والدراسات وكنت مع مرور الزمن تتفتح عيوني على آفاق عجيبة وجديدة. لقد زرت كل بلاد اوربا، ودرست في جامعة القسطنطينية واستمتعت بمشاهدة روائع الاثار في آسيا الصغرى وسوريا، وتعلمت اللغات التركية والفارسية والعربية، وشغلت منصب أستاذ كرسي الدراسات الإسلامية في جامعة بودابست، وقرأت الابحاث الجافة الدفينة التي الفت خلال قرون طويلة في الاف الصفحات من كتب العلماء، قرأت كل ذلك فاحصو ومع ذلك ورغم كل ذلك فقد ظلت روحي ظمأى... لقد وجدت في الكتب المختلفة شعاعاً هادياً إلى بعض مراحل العلم ولكنني كنت مع ذلك تواقاً إلى النعيم المقيم في ظل الحياة الدينية، كان عقلي متخوماً، أما روحي فقد بقيت ظمأى، وكان عليَّ أن أتجرد من كثير مما جمعت من المعلومات لأعود فأمن بها من خلال تجاربي الشخصية، خالصة من الشوائب بصهرها في نار الشوق إلى معرفة الحق، كما يعالج الحديد الخام المنصهر بالتبريد المفاجىء فيصبح صلباً مرناً.

وفي ذات ليلة، رأيتُ كأن محمداً r بلحيته الطويلة المخضبة بالحناء، وملابسه البسيطة الأنيقة، يفوح منها أريج طيب، تلمع عيناه ببريق قوي مؤثر، وخاطبني بصوت عطوف: ((لماذا الحيرة؟ إن الطريق المستقيم أمامك مأمون ممهد مثل سطح الأرض، سرعليه بخطى ثابتة، وبقوة الإيمان)).

قلت باللغة العربية في هذا الحلم العجيب: يارسول الله، إن هذا الأمر سهل عليك، وأنت الغالب، وقهرت كل الأعداء، عندما بدأت سبيلك بتوجيه رباني كتب الله لك فيها النصر، أما أنا فما زالت أمامي طريق شاقة ومن يدري متى أجد طمأنينتي؟

فنظر اليَّ في صرامة وحزم، وظلَّ لحظة يفكر،ثم عاد يقول في لغة عربية واضحة، ترن كل كلمة منه رنين الأجراس الفضية، وكأني بلسانه الشريف أستوعب تعاليم ربه، يضغط على صدري، حتى خلتُ صدري يتهشم: ﴿المْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَاداً * وَالجِبَال أَوْتَاداً * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً *وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً﴾[1]  قلت في حشرجة وقد أجهدني الالم: إني لا أستطيع النوم، وليس في قدرتي أن أجلو هذه الغوامض التي تخفيها الأستار الكثيفة أغثني يامحمد، أغثني يارسول الله...

وانطلق من خلفي صريخ منقطع، كأنما كنت أختنق من ثقل هذا الكابوس، وكنت أخشى غضبَ رسول الله r، ثم شعرت كأنما أهوى من عل إلى أعماق الأعماق، وفجأة استيقظت من هذه الرؤيا، أتصبب عرقاً، يكاد الدم يجمد في عروقي، وما مني عضو الأ يتنزَّى الماء، ثم أحاط بي صمت مثل سكون القبور، وشعرت بالأسى والوحدة...

وفي يوم الجمعة التالي وقع الحدث العظيم في مسجد الجمعة الكبير في دلهي رجل غريب شاحب الوجه، وخط الشيب شعره، يشق طريقه مع رجال بارحهم الشباب، بين الجموع المؤمنة التي يزخر بها المسجد، كنت أرتدي الثي-اب الهندية، وعلى رأسي قلنسوة رامب-ور، وعلى صدري الأوسمة التركية التي أهداها اليَّ السلاطين السابقون، نظراليَّ المسلمون في دهشة وذهول، أخذ جمعنا الصغيرطريقه في اتجاه المنبر،حيث جلس العلماء وذوو المكانة من الشيوخ، فتَلَقَّوني بالسلام في صوت مرتفع رقيق جلست قريباً من المنبر، أتطلع إلى الزخارف الرائعة التي تزين صدرالمسجد، والى دعائمه الوسطى، وقد بنى النحل البري فوقها مساكنه يحوم حولها في أمان، ثم نودي بالأذان فجأة، وقد وقف المكبرون في مواضع مختلفة من صحن المسجد حتى يبلغوا الصوت إلى أبعد أركانه، فقام المصلون، وهم يقاربون أربعة الآف وكأنهم الجند المجندة، يستجيبون للدعوة الربانية وقد اصطفوا صفوفاً متقاربة وصلوا في خشوع عميق، وكنت واحداً من هؤلاء الخاشعين، لقد كانت تلك اللحظة عظيمة ومجيدة حقاً.

وبعد الخطبة أخذ عبدالحي بيدي ليتجه إلى المنبر، وكان عليَّ أن أسير في حذر حتى لا أُزعج أحداً من الجالسين. لقد آن وقت الحدث العظيم، فوقفت عند درجات المنبر وسرت حركة بين الجموع الزاخرة بينما بدت لي الآف الرؤوس المُعمَّمة وكأنها حديقة مزهرة، إنهم جميعاً يهمهمون اليًّ وقفت وقد أحاط بي العلماء بلحام الشهباء ينظرون اليَّ مشجعين، فأشاعوا في نفسي حماساً عجيباً لم أعهده من قبل، وفي غيروجل أوتردد إرتقيت المنبر حتى درجته السابعة، واتجهتُ ببصري إلى الجموع التي خُيِّل اليَّ أنها لا آخر لها، وكأنما هي بحريموج بالحياة وقد اشرأبت الأعناق نحوي وساحة المسجد كلها حركة، سمعت من قريب أصواتاً تُردِّدُ ((ما شاء الله)) ورأيت نظرات يشيع فيه الحب والمودة فشرعت أقول:((أيها السادة الكرام)) متحدثاً باللغة العربية ((لقد حضرت من بلاد بعيدة، بحثاً عن العلم الذي لم أستطع أن أجده في بلادي، أتيت لأنهل مما تتوق إليه روحي، فاستجبتم لي))... ثم تحدثت عن الدور الذي قام به الإسلام في تاريخ العالم وعن المعجزات التي أيد الله بها رسوله r، وتكلمت عن انحلال المسلمين في العهد الحاضر، وعن الوسائل التي يمكن أن يستعيدوا بها مجدهم المفقود وان من المسلكين من يقول: إن كل شيء موقوف على إرادة الله، بينما يقول القران الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾[2] ، وركزت حديثي على هذه الفقرة من آيات كتاب الله ثم عرجت على تمجيد الحياة النقية الطاهرة، وعلى ضرورة محاربة التحلل المستشري، ثم جلست.

وكنت مستغرقاً في الحديث بكل مشاعري، وأفقت على هتاف يتردد في صوت مرتفع من كل زوايا المسجد ((الله أكبر))...

كان التأثر والحماس يعمّان المكان ولا أستطيع أن أتذكر ماذا كان في ذلك الحين غير أن ((أسلم))، ناداني من فوق المنبر وشد على يدي وقادني إلى خارج المسجد.

قلت له: ((لماذا هذه العجلة؟)).

وقف الناس أمامي يتلقونني بالأحضان، كم من مسكين مجهد نظر اليَّ في ضراعة، يسالني ((الدعوات)) ويريد تقبيل رأسي فابتهلت إلى الله أن لايدع هذه النفوس البريئة تنظراليَّ وكأني أرفع منها قدراً، فما أنا الأ حشرة بين حشرات الأرض، أو تائه جاد في البحث عن النور، لاحول لي ولا قوة مثل غيري من المخلوقات التعيسة.

لقد خجلت أمام أنات وآمال هؤلاء الطيبين، وأحسست كأنني قد خدعتهم، أو سلبتهم شيئاً...

الآ ما أثقل الحمل الملقى على عاتق رجل الدولة والسلطان، يضع الناس فيهم ثقتهم، ويطلبون منه العون، ويعتقدون أنه يستطيع ما لا يستطيعون.. أخرجني ((أسلم)) من أحضان إخوتي الجدد، وأجلسني في ((تونجا)) [3] ، وذهب بي إلى المنزل.

وفي اليوم التالي وما يليه يفدون عليَّ في جماعات لتهنئتي، ونالني من محبتهم وعواطفهم ما يكفيني زاداً مدى حياتي[4].



[1] سورة نبأ الآية 6-9

[2] سورة الرعد الآية 11

[3] تونجا: مركبة خفيفة ذات عجلتين تستعمل في الهند

[4] لماذا أسلمنا من ص 76-83

المقال السابق

مقالات في نفس القسم

موقع نصرة محمد رسول اللهIt's a beautiful day