هلاَّ شقَقت عن قلبه؟

الكاتب : فاطمة محمد عبدالمقصود العزب

وها هو موقف آخرُ يَحدث مع أسامة بن زيد، وهو الحِب بن الحِب:
بعث النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أصحابه إلى الحُرَقات من قبيلة جُهينة، وكان أسامة بن زيد من ضمن المقاتلين بالجيش، ابتدأ القتال في الصباح، انتصر المسلمون وهرب مقاتلو العدو، كان من بين جيش العدو رجلٌ يقاتل، فلما رأى أصحابه منهزمين، ألقى سلاحه وهرَب، فلحِقه أسامة ومعه رجل من الأنصار، ركض الرجل وركضوا خلفه وهو يشتد فزعًا، حتى عرَضت لهم شجرة، فاحتمى الرجل بها، فأحاط به أسامة والأنصاري، ورفعا عليه السيف، فلما رأى الرجل السيفين يلتمعان فوق رأسه، وأحسَّ الموت يهجم عليه، انتفض وجعل يجمع ما تبقَّى من رِيقه في فمه، ويردِّد فزِعًا: أشهد أنْ لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، تحيَّر الأنصاري وأسامة: هل أسلم الرجل فعلاً أم أنها حيلة افتعَلها؟
 كانوا في ساحة قتال والأمور مضطربة، يتلفَّتون حولهم، فلا يرون إلا أجسادًا ممزَّقة، وأياديَ مقطَّعة، قد اختلط بعضها ببعض، الدماء تسيل، النفوس ترتجف، الرجل بين أيديهما ينظران إليه، لا بدَّ من الإسراع باتِّخاذ القرار، ففي أيِّ لحظة قد يأتي سهم طائش أو غير طائش، فيُرديهما قتيلين، لَم يكن هناك مجالٌ للتفكير الهادئ، فأما الأنصاري، فكفَّ سيفَه، وأما أسامة، فظنَّ أنها حيلة، فضرَبه بالسيف حتى قتله، عادوا إلى المدينة تُداعب قلوبَهم نشوةُ الانتصار.
وقف أسامة بين يدي النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وحكى له قصة المعركة، وأخبره بخبر الرجل وما كان منه، كانتْ قصة المعركة تحكي انتصارًا للمسلمين، وكان - صلَّى الله عليه وسلَّم - يستمع مبتهجًا، لكن أسامة قال: ثم قتلتُه، فتغيَّر النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وقال: ((قال: لا إله إلا الله، ثم قتلتَه؟!))، قلت: يا رسول الله، لم يقلْها من قِبَل نفسه، إنما قالها فرَقًا من السلاح، فقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((قال: لا إله إلا الله، ثم قتلته! هلاَّ شقَقتَ عن قلبه؛ حتى تعلم أنه إنما قالها فرَقًا من السلاح)).
وجعل - صلَّى الله عليه وسلَّم - يحدُّ بصره إلى أسامة، ويكرر: ((قال: لا إله إلا الله ثم قتلتَه! قال: لا إله إلا الله ثم قتلتَه! ثم قتلته! كيف لك بلا إله إلا الله إذا جاءت تحاجُّك يوم القيامة!)).
وما زال - صلَّى الله عليه وسلَّم - يكرر ذلك على أسامة، قال أسامة: فما زال يكرِّرها علي حتى وَدِدت أني لم أكن أسلمتُ إلا يومئذ[1].
------------------------------
[1] استمتع بحياتك؛ د محمد العريفي.

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم