1. المقالات
  2. الإستقامة في مائة حديث نبوي
  3. الزهد

الزهد

الكاتب : محمد زكي محمد خضر
57 2021/11/30 2022/01/18

عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال يا رسول الله دلّني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس فقال:

” إزهد في الدُنيا يحبّكَ اللّهُ وإزهد فيما عند الناسِ يُحبّك الناس ” (إبن ماجه وغيره بأسانيد حسنة)

ضرب الله تعالى أمثلة عديدة للدنيا 

” كماء أنزلناهُ من السماء فاختَلط به نباتُ الأرضِ ” فأصبَحَ هَشيما تَذروهُ الرياحُ ” 

ووصفها بأنها لعب ولهو وأنها متاع الغرور وحذر منها 

” فلا تغُرّنّكم الحياةُ الدُنيا ” 

قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: أخذ رسول الله بمنكبي فقال: 

” كن في الدُنيا كأنكَ غريب أو عابرَ سبيل ” 

وكان إبن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح ، وإذا أصبحتَ فلا تنتظر المساء ، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك  قيل في شرح ذلك أن لا يتعلق القلب بالدنيا ، إلاّ كما يتعلق الغريب في غير وطنه حيث لا ينبغي له أن يشتغل بما لا ضرورة له. والدار الآخرة هي وطن المؤمن وليست الدنيا.

قال سفيان الثوري: الزهد في الدنيا ليس بأكل الغليظ ولا بلبس العباء ولكنه قصر الأمل.

يحكى أن شيخا معروفا بالزهد كان يسكن في بغداد ، أتاه أحد تلامذته مستأذنا إياه بالسفر في حاجة إلى الشام ، فقال له إن هناك رجلا صالحا فيها ، فإذهب إليه وأقرئه مني السلام وإطلب منه أن يدعو لي ، فتخيل التلميذ في ذهنه حال ذلك الرجل أن يكون أزهد من شيخه ، فلما ذهب التلميذ إلى الشام ، سأل عن الرجل فأرشد إلى قصر مهيب فعجب أن يكون الرجل المقصود هو صاحب هذا القصر ، ولما أستأذن على الرجل وجده محاطا بالأبهة والخدم ، لكنه وجده متواضعا كريما . فلما أبلغه تحيات الشيخ البغدادي ، سأله ألم يطلب شيئا قال بلى طلب أن تدعو له ، فرفع الرجل يديه إلى السماء وقال: أللهم أخرج حب الدنيا من قلبه. فازداد التلميذ عجبا على عجبه ، ثم ودّعه عائدا إلى بغداد. ولما زار شيخه سأله عن سفره وفيما إذا كان قد لقي الرجل الصالح ، قال نعم ولكنه إستحيى أن يخبره بمضمون دعوته ، فسأله الشيخ وهل طلبت منه أن يدعو لي قال نعم قال فما كانت دعوته قال قال أللهم أخرج حب الدنيا من قلبه ، قال صدق والله يا ولدي ، لايغرنك مظهر الزهد علي ، أترى ما حولي من المتاع ، فنظر التلميذ فلم يجد سوى حصير وإبريق ماء ورأى متاعا باليا لا يكاد يؤبه له ، قال فإن قلبي معلق بهذا المتاع حتى إني لأستيقظ في الليل ألتمس الإبريق خشية أن يكون قد سرق.

قال الإمام أحمد بن حنبل: الزهد على ثلاثة أوجه: ترك الحرام وهو زهد العوام ، وترك الفضول من الحلال وهو زهد الخواص ، وترك ما يشغل العبد عن الله وهو زهد العارفين . وقال الفضيل بن عياض: جعل الله الشر كله في بيت وجعل مفتاحه حب الدنيا وجعل الخير كله في بيت واحد وجعل مفتاحه الزهد. وقال الحارث المحاسبي: خيار هذه الأمة الذين لا تشغلهم آخرتهم عن دنياهم ولا دنياهم عن آخرتهم ، ولذلك كان الإمام علي رضي الله عنه يقول: إعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا . أما الزهد فيما عند الناس فهوعدم الطمع بما في أيديهم ، والقناعة بما قسم الله تعالى من رزق وعدم التكالب على الدنيا بجمع الحلال والحرام والشبهة ، بل تحرّي ما هو حلال خالص وإن كان قليلا وقليل من يفعل ذلك اليوم . وعلى المؤمن أن لا ينظر إلى من هو فوقه في الأمور الدنيوية بل ينظر إلى من هو دونه حتى يزداد شكرا لله تعالى ، ولا ينظر في أمور الآخرة إلاّ إلى من هو فوقه كي يُقتدى بهم فيزداد تقوى.


المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم

موقع نصرة محمد رسول اللهIt's a beautiful day