موقع نصرة محمد رسول الله - خصائص هذا الرسول المعلِّم وفضائِله وشَرَفِ أخلاقِهِ وشمائِله



عربي English עברית Deutsch Italiano 中文 Español Français Русский Indonesia Português Nederlands हिन्दी 日本の
  
  

   

 

كلمات جامعة

في بيان خصائص هذا الرسول المعلِّم وفضائِله ،

وشَرَفِ أخلاقِهِ وشمائِله ، تتبدّى منها جوانبُ شخصيتِه العامّة

ومعرفَتُها من تمام معرفة شخصيته التعليميّة ، التي هي جزء منها ولا يَستقلُّ عنها ، كما يتبدّى منها أيضاً مَبعثُ قبول أقواله وأحكامه الصادرة عنه ، والتأسّي بأفعاله الواردة منه ، ومَدى وَقْعِها في النفوس ، وهي تشمل كلَّ جانبٍ من جوانب الحياة والدين .

وفي هذه الكلمات أيضاً هَدْيٌ وإرشادٌ لما ينبغي أن يكون عليه المعلِّم في سيرتِه ، وفِكرِه ، وخُلقِه ، وعملِه ، ومعاملتِه ، ومنطِقِه ومَظهرِه ، ومخبرِه ... (لقد كان لكم في رَسولِ اللهِ أُسوةٌ حسنة)2.

قال الإمام أبو الحسن علي بن محمد الماورْدي البَصْري البغدادي ، أقضى قضاة عصره ، المولود سنة 364 ، والمتوفى سنة 450 رحمه الله تعالى ، في كتابه ((أعلام النُبُوّة)) في (الباب العشرين) وغيره ، وهو يتحدَّثُ عما خَصَّ اللهُ به رسولَه محمداً صلى الله عليه وسلم من المزايا والخصائص ما مُلَخَّصُهُ3:

((لمّا كان أنبياءُ الله صفوة عباده وخيرةَ خَلْقِه ، لِما كلَّفَهم من القيام بحقِّه ، استخلصهم من أكرم العناصر ، وأمدَّهم بأوكد الاواصر ، حِفظاً لنسبِهم من قَدْح ، ولمنصبِهم من جَرْح ، لتكون النفوس لهم أوطى ، والقلوب لهم أصفى ، فيكون الناس إلى إجابتهم أسرع ، ولأوامرهم أطوع .

وقد كانت آياتُ النبوة في رسول الله صلى الله عليه وسلم باهرة ، وشواهِدُهُ قاهرة ، تشهَدُ مَباديها بالعواقب ، فلا يَلتبِسُ فيها كِذبٌ بصدق ، ولا مُنْتَحِلٌ بمُحِقّ ، وقد أرسله الله بعد الاستخلاص ، وطهَّره من الأدناس فانتفَتْ عنه تُهَمُ الظنون ، وسَلِمَ من ازدراءِ العيون ، لا يَدفعُهُ عقل ، ولا يأباه قلب ، ولا تَنفِرُ عنه نفس .

فهو المهيَّأُ لأشرف الأخلاق وأجمل الأفعال ، المؤهَّلُ لأعلى المنازل وأفضل الأعمال ، لأنها أصولٌ تَقودُ إلى ما ناسَبَها ووافقَها ، وتنفِرُ ما باينها وخالفها . ولا منزِلة  في العالم أعلى من النبوّة التي هي سِفارةٌ بين الله تعالى وعبادِه ، تبعَثُ على مصالح الخَلْق وطاعةِ الخالق، فكان أفضل الخلق بها أخصَّ ، وأكملهم بشروطها أحقَّ وأمَسّ.

ولم يكن في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وما دانى طَرَفَيْهِ من قارَبَه في فَضْلِهِ ، ولا داناه في كماله ، خَلقاً وخُلُقاً ، وقولاً وفعلاً ، وبذلك وصفه الله تعالى في كتابه بقوله : (وإنَّك لعلى خُلُقٍ عظيم)4.

والفضل وإن لم يكن من مُعجزات النبوة ، لانه قد يُشارَكُ فيه ، فهو من أمارتها . وتكامُلُ الفضل مُعْوِز5، فصار كالمُعْجِز ، وكمالُ الفضل موجِبٌ للصدق ، والصَّدق موجِبٌ لقبول القول ، فجاز أن يكون الفضلُ من دلائل الرُّسُل .

فإذا وَضَح هذا ، فالكمال المعتَبَر في البَشَر ، يكون من أربعة أوجه :

1 ـ كمالُ الخَلْق ، 2 ـ وكمالُ الخُلُق ، 3 ـ وفضائل الأقوال ، 4 ـ وفضائل الأعمال .

1 ـ فأمّا الوجه الأول في كمال خَلْقِهِ بعد اعتدال صورته ، فيكون بأربعة أوصاف :

أحدها : السكينة الباعثة على الهيبة والتعظيم ، الداعية إلى التقديم والتسليم ، وكان أعظم مَهيب في النفوس ، حتى ارتاعت رُسُل كسرى من هَيْبَتِه حين أتوه ، مع ارتياضِهم بصَوْلَةِ الأكاسرة ، ومكاثرة الملوك الجبابرة ، فكان صلى الله عليه وسلم في نفوسهم أهْيَب ، وفي أعينهم أعظم ، وإن لم يتعاظم بأُبَّهة ، ولم يتطاول بسَطْوة ، بل كان بالتواضع موصوفاً ، وبالسهولة معروفاً .

والثاني : الطلاقةُ الموجة للإخلاص والمحبّة ، الباعثة على المصافاة والمودّة ، وقد كان صلوات الله عليه وسلامه محبوباً ، ولقد استحكمتْ محبّةُ طلاقَتِه في النفوس ، حتى لم يَقْلِهِ مُصاحِب1، ولم يتباعد منه مُقارب ، وكان أحبَّ إلى أصحابه من الآباء والأبناء ، وشُرْب البارد على الظَّمَاء2.

والثالث : حُسنُ القبول ، الجالبُ لممايلة القلوب حتى تُسرِع إلى طاعته ، وتُذعِن بموافقته ، وقد كان قبولُ منظره صلى الله عليه وسلم مستولياً على القلوب ، ولذلك استَحكمت مصاحبتُه في النفوس ، حتى لم ينفِر منه مُعانِد ، ولا استوحَشَ منه مُباعِد ، إلاّ من ساقه الحسَد إلى شَقوتِه ، وقادهُ الحرمانُ إلى مخالفتِه .

والرابع : مَيْلُ النفوس إلى متابعته ، وانقيادُها لموافقته ، وثباتُها على شدائدِه ومُصابرتِه ، فما شَذَّ عنه معها من أخلصَ ، ولا نَدَّ عنه فيها من تخصص3.

وهذه الأربعة من دواعي السعادة ، وقوانين الرسالة ، وقد تكاملت فيه ، فكَمَل لما يوازيها ، واستحقَّ ما يقتضيها.

 

-----------------------------------------

2 ـ من سورة الأحزاب ، الآية 21 . وقد جاء في هذه الكلمات بعضُ جُمَل تتصل بحال النبوة وسِماتها ، فأبقيتُها ، لأنها من تمام الحديث عن هذا النبي الكريم والمعلِّم العظيم ، صلوات الله وسلامُه عليه . وقد نقلَ هذه الكلمات بطولها العلامة جمال الدين القاسمي رحمه الله تعالى ، في كتابه ((دلائل التوحيد)) ص 181 ـ 196 من طبعة دمشق ، وص 156 ـ 169 من طبعة جمعية النشر والتأليف الأزهرية بالقاهرة ، حين تحدَّث عن الرسول الكريم ودلائل نبوته وصفاته الشخصية العظيمة .

ووقع في النسخة المطبوعة من كتاب ((أعلام النبوة)) للماوردي المنقول عنه هذه الكلمات ، تحريفات وتصحيفات كثيرة ، وكذلك وقعَ ـ تبعاً ـ في كتاب ((دلائل التوحيد)) ، فاجتهدتُ أن أَخلُصَ منها ، وما استطعتُ أن أنجو منها جميعاً في نظري ، والله ولي التوفيق .

3 ـ ومن غريب التوافق أن المعاني التي أشار إليها الإمامُ الماورديُّ إمامُ المشرق في عصره ، في كلماته الآتية في بيان مزايا الشخصية النبوية الكريمة ، قد أشار إليها بإجمالٍ عَصْرِيُّهُ إمام المغرب الإمام ابن حَزْم ، في كتابه ((الفِصَل في المِلَل والأهواء والنِّحَل)) 2 : 88 ـ 91 من طبعة صُبيح بالقاهرة سنة 1384 ، حتى كأنَّ أحدهما قد استَقى من الآخَرِ فِكرَه أو حاوَرَه فيه .

ولكن لا غرابة في تقارُب النَّظر ، وتوافُق الفِكَر بين إمامي المشرق والمغرب ، لأنهما ينطلقان من مَهْيَعٍ واحد ، هو تشخيصُ المزايا التي اتَّصفَ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهي باديةٌ للمَشْرِقي كما تبدو للمَغْرِبي على سواء ، وقد كانت وفاةُ الماوردي سنة 450 ببغداد ، ووفاةُ ابن حزم سنة 456 في بلدة لَبْلَبة من بلاد الأندلس ، رحمهما الله تعالى .

4 ـ من سورة القلم ، الآية 4 .

5 ـ أعوزَ الشيءُ فهو مُعْوِز ، إذا عَزَّ فلم يوجَد . أي تكامُلُ الفضل عزيز .

1 ـ أي لم يُبغضه أو يكرهه مُصاحب .

2 ـ الظَّماء : العطش الشديد .

3 ـ أي عاشره طويلاً واختصَّ بصحبته .




                      المقال السابق                       المقال التالى




Bookmark and Share


أضف تعليق