في هديه في علاج السحر


في هديه في علاج السحر


الذي سحرته اليهود به قد انكر هذا طائفة من الناس وقالوا لا يجوز هذا عليه وظنوه نقصا وعيبا وليس الامر كما زعموا بل هو من جنس ما كان يعتريه من الاسقام والأوجاع وهو مرض من الامراض وإصابته به كإصابته بالسم لا فرق بينهما وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت سحر رسول الله حتى إن كان ليخيل إليه أنه يأتي نساءه ولم يأتهن وذلك أشد ما يكون من السحر


قال القاضي عياض والسحر مرض من الامراض وعارض من العلل يجوز عليه كأنواع الأمراض مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته وأما كونه يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من صدقة لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا وإنما هذا فيما يجوز طروه عليه في امر دنياه التي لم يبعث لسببها ولا فضل من أجلها وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر فغير بعيدأنه يخيل إليه من امورها ما لا حقيقة له ثم ينجلي عنه كما كان والمقصود ذكر هديه في علاج هذا المرض وقد روي عنه فيه نوعان احدهما وهو ابلغهما استخراجه وإبطاله كما صح عنه أنه سأل ربه سبحانه في ذل فدل عليه فاستخرجه من بئر فكان مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر فلما استخرجه ذهب ما به حتى كأنما انشط من عقال فهذا من ابلغ ما يعالج به المطبوب وهذا بمنزلة إزلة المادة الخبيثة وقلعها من الجسد بالاستفراغ


والنوع الثاني الاستفراغ في المحل الذي يصل إليه أذى السحر فإن للسحر تأثيرا في الطبيعة وهيجان أخلاطها وتشويش مزاجها فإذا ظهر أثره في عضو وأمكن استفراغ المادة الرديئة من ذلك العضو نفع جدا وقد ذكر أبو عبيدة في كتاب غريب الحديث له بإسناده عن عبدالرحمن بن أبي ليلى أن النبي احتجم على رأسه بقرن حين طب قال ابو عبيدة معنى طب أي سحر وقد أشكل هذا على من قل علمه وقال ما للحجامة والسحر وما الرابطة بين هذا الداء وهذا الدواء ولو وجد هذا القائل ابقراط او ابن سينا او غيرهما قد نص على هذا العلاج لتلقاه بالقبول والتسليم وقال قد نص عليه من لا يشك في معرفته وفضله فاعلم أن مادة السحر الذي أصيب به انتهت إلى رأسه إلى احدى قواه التي فيه بحيث كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولم يفعله وهذا تصرف من الساحر في الطبيعة والمادة الدموية بحيث غلبت تلك المادة على البطن المقدم منه فغيرت مزاجه عن طبيعته الاصلية


والسحر هو مركب من تأثيرات الارواح الخبيثة وانفعال القوى الطبيعية عنها وهو أشد ما يكون من السحر ولا سيما في الموضع الذي انتهى السحر إليه واستعمال الحجامة على ذلك المكان الذي تضررت أفعاله بالسحر من أنفع المعالجة إذا استعملت على القانون الذي ينبغي


قال ابقراط الاشياء التي ينبغي أن تستفرغ يجب أن تستفرغ من المواضع التي هي إليها أميل بالاشياء التي تصلح لاستفراغها
وقالت طائفة من الناس إن رسول الله لما أصيب بهذا الداء وكان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله ظن أن ذلك عن مادة دموية أو غيرها مالت إلى جهة الدماغ وغلبت على البطن المقدم منه فأزالت مزاجه عن الحالة الطبيعية له وكان استعمال الحجامة إذ ذاك من ابلغ الأدوية وأنفع المعالجة فاحتجم وكان ذلك قبل أن يوحى إليه أن ذلك من السحر فلما جاءه الوحي من الله تعالى وأخبره أنه قد سحر عدل إلى العلاج الحقيقي وهو استخراج السحر وإبطاله فسأل الله سبحانه فدله على مكانه فاستخرجه فقام كأنما انشط من عقال وكان غاية هذا السحر فيه إنما هو في جسده وظاهر جوراحه لا على عقله وقلبه ولذلك لم يكن يعتقد صحة ما يخيل إليه من اتيان النساء بل يعلم أنه خيال لا حقيقة له ومثل هذا قد يحدث من بعض الامراض والله اعلم


فصل


ومن انفع علاجات السحر الأدوية الإلهية بل هي أدويته النافعة بالذات فإنه من تأثيرات الارواح الخبيثة السفلية ودفع تأثيرها يكون بما يعارضها ويقاومها من الاذكار والآيات والدعوات التي تبطل فعله وتأثيرها وكلما كانت اقوى واشد كانت ابلغ في النشرة وذلك بمنزلة التقاء جيشين مع كل واحد منهما عدته وسلاحه فأيهما غلب الآخر قهره وكان الحكم له فالقلب إذا كان ممتلئا من الله مغمورا بذكره وله من التوجهات الدعوات والاذكار والتعوذات ورد لا يخل به يطابق فيه قلبه لسانه كان هذا من أعظم الأسباب التي تمنع إصابة السحر له ومن اعظم العلاجات له بعد ما يصيبه


وعند السحرة أن سحرهم إنما يتم تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة والنفوس الشهوانية التي هي معلقة بالسفليات ولهذا فإن غالب ما يؤثر في النساء والصبيان والجهال واهل البوادي ومن ضعف حظه من الدين والتوكل والتوحيد ومن لانصيب له من الاوراد الإلهية والدعوات والتعوذات النبوية


وبالجملة فسلطان تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة التي يكون ميلها إلى السفليات قالوا والمسحور هو الذي يعين على نفسه فإنا نجد قلبه متعلقا بشيء كثير الالتفات إليه فيتسلط على قلبه بما فيه من الميل والالتفات والارواح الخبيثة إنما تتسلط على الأرواح تلقاها مستعدة لتسلطها عليها بميلها إلى ما يناسب تلك الأرواح الخبيثة وبفرغها من القوة الألهية وعدم أخذها للعدة التي تحاربها بها فتجدها فارغة لا عدة معها وفيها ميل إلى ما يناسبها فتتسلط عليها ويتمكن تأثيرها فيها بالسحر وغيره والله أعلم



المقال السابق المقال التالى