الهجرة و إقامة الدولة الإسلامية الأولى

الهجرة و إقامة الدولة الإسلامية الأولى

الهجرة إلى المدينة

مع العام الثالث عشر للبعثة الإسلامية ، حدثت الهجرة النبوية التي كانت مبدءاً للتاريخ الإسلامي ، من مكة - عاصمة الشرك - إلى المدينة - قاعدة الإسلام الأولى - يقول توماس كارليل :

(( ومن هذه الهجرة يبتدىء التاريخ فى المشرق ، والسنة الأولى من الهجرةتوافق 622 ميلادية ، وهى السنة الخامسة والخمسون من عمر محمد ، فترون أنه كان قد أصبح شيخاً كبيراً ، وكان أصحابه يموتون واحداً بعد واحد ويخلون أمامه مسلكاًوعراً ، وسبيلاً قفراً وخطة نكراة موحشة ، فإذا هو لم يجد من ذات نفسه مشجعاً ولامحركاً ، ويفجر بعزمه ينبوع أمل بين جنبيه ، فهيات أن يجد بارقات الأمل فيما يحدق به منعوابس الخطوب ويحيط به من كالحات المحن والملمات ، وهكذا شأن كل انسان في مثل هذه الأحوال )) [1] .

الدلائل الروحية للهجرة

ولقد حملت الهجرة معان عدة ، فهى هجرة الشرك وخلاص المسلمين المهددين بفتنتهم عن دينهم ، بسبب الحصار القرشي العنيف ، واضطهاد ضعفاء المسلمين ، كما حفلت بدلائل ايمانية عميقة ، قاربت المعجزات حين اختباً الرسول عن أعين مطارديه هو وأبو بكر في الغار الذي نسجت العنبوت على فمه نسجها وباض الحمام على مدخله ....

وتحدث المستشرقين الأمريكي ماكس و( 1795 -1686 ) في كتابه : « عظماء الشرق » على هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم ودلائل النبوة والقوة التي ظهرت في تلك المرحلة التي مثلت منعطفاً تاريخياً عظيماً في سيرة رسول الله وتطوراً نوعياً في مسار الدعوة الإسلامية ، يقول ماكس :

(( لقد نفذت روح الإسلام من محمد رسول الله إلى المسلمين ، إلى الهداة والصالحين ، وإن هذه الروح القوية حدت بالنبي إلى الهجرة من مكة إلى المدينة ، بينما كان أعداؤه من المشركين يجدون في البحث عنه ليؤذوه بل ليذيقوه ريب المنون ، ومن الغريب أن أعداء النبي لم يقنعوا أنفسهم بتركه مكة بل تعقبوه في هجرته ، وهناك ضربوا على منزله سياجاً من الحيطة لأجل القبض عليه ، ولكن روح الإسلام الدفينة في أعماق الهمة ، ألهمته أن يتناول قبضة من تراب فتناولها وربى بها عليم فأخذتهم سنة من النوم تمكن خلالها النبي من النجاة منهم إلى الصحراء حيث، ولما أفاق أعداؤه من غشيانهم تتبعوا أثره إلى الغار ، وأخذتهم هواجس الظن ، لعلمهم بأن النبي لا يمكن بأي حال أن يكون في الغار، [2] .

الدلائل الايمانية للهجرة

لا مرية فى أن الهجرة الإسلامية من مكة إلى يثرب تمثل مرحلة من مراحل الصراع الدينى السياسي الدائر في الجزيرة العربية ، كما تتضمن دلائل إيمانية بخروج المسلمين من عهد الجاهلية و تشكيل بداية التاريخ الإسلامي ، يقول المستشرق الفرنس مارسيل بوازار في كتابه «انساية الإسلام » :

(( وما ان شعر محمد بالخطر حتى أوعز لفئة قليلة ممن آمنوا بدعوته ، وكانوا مهددين بشكل خاص ، على الهجرة إلى الحبشة . ثم ما لبث أن نظم هجرة أتباعه بالتدريج إلى ثرب التي عرفت فيما بعد باسم ( المدينة ) . وائتمر المكيون لقتل النبي ، وعلم بالأمر ، وتمكن من النجاة بشبه معجزة بمساعدة شجاعة من ابن عمه علي ، كما تقول كتب السيرة . وفي المدينة استقبل محمد بالتهليل في شهر تموز عام 622م ، وكانت « الهجرة » التي يحدد بها المسلمون مطلع سنتهم ، والتي تعتبر بداية التاريخ الإسلامي . وتعني اللفظة حرفياً ترك البلاد الى أخرى ، والمنفى ، والنجاة بالنفس . أما الدين فقد أضفى عليها معنى خاصاً هو الخلاص من الجهل ، ورفض الشر ، واطراح الكفر ، وبكلمة تكون الهجرة فعل ايمان . ومن المفيد التذكير بأن الهجرة (ابتعاد طوعى وإن يكن محدداً بأسباب لا إرادية) يتجدد بلا انقطاع اذا حدث اذلال أو اضطهاد . وعلى المسلم أن ( يهاجر اذا اقتضى الأمر ليجاهد في سبيل الله حتى يزول كل ظلم ))[3] .

--------------------------------------------------------------------------------

[1] توماس كارليل : الابطال ، ص 75.

[2] ماكس : عظماء من الشرق ، ص 93.

[3] مارسيل بوازار : انسانية الاسلام ، ص 44-45.


المقال السابق المقال التالى