عربي English עברית Deutsch Italiano 中文 Español Français Русский Indonesia Português Nederlands हिन्दी 日本の
  
  

   

 

الشورى والزحف نحو أُحد
 
رُؤْيَا النبي – صلى الله عليه وسلم -
 
لما سارت قريش لغزو المدينة، واقترب يوم الحرب، وأدرك المسلمون مدى الخطر المحدق بهم وبدعوتهم وبوطنهم - وقفَ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على المنبر بين المسلمين، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :
 
" إنّي قَدْ رَأَيْت وَاَللّهِ خَيْرًا ، رَأَيْتُ بَقَرًا ، وَرَأَيْتُ فِي ذُبَابِ [ أي طرف ] سَيْفِي ثَلْمًا ، وَرَأَيْتُ أَنّي أَدْخَلْتُ يَدِي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ، فَأَوّلْتُهَا الْمَدِينَةَ "، وقال : "رَأَيْت بَقَرًا لِي تُذْبَحُ! فَأَمّا الْبَقَرُ فَهِيَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي يُقْتَلُونَ، وَأَمّا الثّلْمُ [ أي الاعوجاج الذي في السيف] الّذِي رَأَيْتُ فِي ذُبَابِ سَيْفِي ، فَهُوَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُقْتَلُ "[1].
 
 
 
ومثل هذه الروحانيات التي تهبُ نسماتُها على المجاهدين، إنما تأتي للتبشير والتبصير، أما التبشير فهي – أي مثل هذه النفحات -  تُثبت القلوب من أمر الله، وها هو القائد يقول مثبتًا ومبشرًا جندَه : " إنّي قَدْ رَأَيْت وَاَللّهِ خَيْرًا "، فما كان من رؤيا صالحة فليذكرها القائدُ، وما كان غير ذلك فليكتمها ويتضرع إلى الله، وأما التبصير؛ فأنت ترى كيف كانت هذه الرؤيا تُبصَر المؤمنين بخيار التحصن بالمدينة، فهي درعٌ حصينة، ولكن قضاء الله ماض، فلا يُجدي حَذرٌ من قَدَرٍ، وإذا نزل القَدر غَشىَّ البَصر، وإذا نزل الحَينْ غَطَى العين، وما يُغني الْكَيْسُ مع قضاء الله شيئًا.
 
 إن هذه الرؤى الصالحة ليست نصًا يغير واقعًا ، وليست شرعًا نُلزم به الناس.. ولكنها تُبَشر وتُبَصر ، فهي في جو المعركة تكون بمثابة النَّشر الطَّيِّب، والأرَجِ النافح، وهي... تفعل في القلوب الأفاعيل .
 
 
 
شعيرة الشورى
 
وأشار النبي - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ – على قادة الجيش في الخروج أو البقاء، معبرًا عن رأيه قائلاً: " إنّا في جنة حصينة"[2] ، "فَإِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُقِيمُوا بِالْمَدِينَةِ وَتَدْعُوهُمْ حَيْثُ نَزَلُوا ، فَإِنْ أَقَامُوا أَقَامُوا بِشَرّ مُقَامٍ، وَإِنْ هُمْ دَخَلُوا عَلَيْنَا قَاتَلْنَاهُمْ فِيهَا"[3].  
 
 
 
وكان رأي المنافق عَبْدِ اللّهِ بْنِ أُبَيّ ابْنِ سَلُولَ مع الرأي القائل بالبقاء في المدينة، والحق أن رأي كبار الصحابة كان كذلك ؛ يفضلون التحصن بالمدينة، والاستعداد لحرب الشوارع. فكان هذا هو الرأي الصواب من وجهة النظر الحربية، أما رأي الشباب والمتحمسين فكان الخروج لملاقاة العدو، وانقسم الرأي بين مؤيد ورافض.
 
 
 
قال أصحاب رأي الخروج : "يَا رَسُولَ اللّهِ اُخْرُجْ بِنَا إلَى أَعْدَائِنَا ، لا يَرَوْنَ أَنّا جَبُنّا عَنْهُمْ وَضَعُفْنَا" .  وَقَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيّ ابْنُ سَلُولَ :" يَا رَسُولَ اللّهِ ! أَقِمْ بِالْمَدِينَةِ، لا تَخْرُجْ إلَيْهِمْ، فَوَاَللّهِ، مَا خَرَجْنَا مِنْهَا إلَى عَدُوّ لَنَا قَطّ إلا أَصَابَ مِنّا ، وَلا دَخَلَهَا عَلَيْنَا إلا أَصَبْنَا مِنْهُ، فَدَعْهُمْ يَا رَسُولَ اللّهِ، فَإِنْ أَقَامُوا أَقَامُوا بِشَرّ مَحْبِسٍ، وَإِنْ دَخَلُوا قَاتَلَهُمْ الرّجَالُ فِي وَجْهِهِمْ، وَرَمَاهُمْ النّسَاءُ وَالصّبْيَانُ بِالْحِجَارَةِ مِنْ فَوْقِهِمْ،  وَإِنْ رَجَعُوا رَجَعُوا خَائِبِينَ كَمَا جَاءُوا[4] .
 
 
 
فبادر عدد كثير من فضلاء الصحابة - ممن فاته بدر -؛ فأشاروا على رسول اللَّه بالخروج، وألحوا عليه .. وكان في مقدمة هؤلاء المتحمسين حمزة بن عبد المطلب – رضي الله عنه -، الذي كان قد أبلي أحسن بلاء ًفي معركة بدر ـ فقد قال للنبي - صلى الله عليه وسلم- : والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم طعاماً حتى أجالدهم بسيفي خارج المدينة"[5]، ثم انحاز غالب الرأي نحو الخروج، وكثر القائلون به، فنزل الرسول على رأي الجماعة، وتوجه على التو نحو بيته فلبس سرابيل الحرب.
 
 
 
ثم خرج رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلى المسلمين في كامل عدته وسلاحه مدججًا، وكان إذا تسربل؛ فكأنما هو الليث في عرينه يسوق القطعان، أو الفارس العرندس يقود الفرسان ..
 
وظن الصحابة أنهم استكرهوا رسول الله ودفعوه إلى التخلي عن رأيه، وندموا، وقالوا :  "يَا رَسُولَ اللّهِ اسْتَكْرَهْنَاك وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَنَا ، فَإِنْ شِئْتَ فَاقْعُدْ صَلّى اللّهُ عَلَيْك" ، فَقَالَ سيد الفوارس - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ – في حسم وحزم -: " مَا يَنْبَغِي لِنَبِيّ إذَا لَبِسَ لأَمْته [ أي درعه] أَنْ يَضَعَهَا حَتّى يُقَاتِلَ "[6] .
 
 
 
وحذّر من شر التخبط في الآراء، والتردد في الأقوال دون الخلوص إلى الأعمال : "اُنْظُرُوا مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَاتّبِعُوهُ، امْضُوا عَلَى اسْمِ اللّهِ، فَلَكُمْ النّصْرُ مَا صَبَرْتُمْ ."[7] .
 
 
 
هكذا كانت الشورى بين نبي مُرسل وشباب مسلم، ونزل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على رأي الجماعة، والله يعلم أنه لا حاجة له برأيهم، ولكنها الشورى؛ الفريضة الإسلامية بين الراعي والرعية، والشعيرة الإيمانية التي لا يجحدها إلا كافر ولا يمنعها إلا فاجر.
 
وكان جليًا؛ أنْ رَبّىَ النبيُ أصحابه على حرية الرأي، وعودهم على التصريح بوجهات نظرهم في القضايا الخطيرة. الأمر الذي يدفع بالواحد منهم إلى التفكير في مصالح الإسلام والمسلمين، بل ترى الواحد منهم يُعدُّ لمشهد الشورى مقالته، فيحسنها ويحبرها تحبيرًا.
 
ولم نرَ– ولو لمرة – أن سفه رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – رأي رجل من رجالاته، أو لامه، أو أنبه على رأيه .
 
وما أعظم الشورى ! أن يأمر اللهُ القائدَ بها، صراحة : "وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ " [آل عمران:159] ، ويجعلها الله من سمات الجماعة المسلمة، ويجعلها بعد إقامة الصلاة في الدرجة، فقال : "وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ، وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ، وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ، وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ " [ الشورى :38]
 
فالشورى تصون الجماعة من الفضيحة، وحصن لها من الندامة، وأمن لها من الملامة، وما هَلَكتْ جماعةٌ عن مشورة، وما نجحت دعوةٌ قامت على الاستبداد في أصولها، بين القادة وجنودها . والجماعات على ثلاث في الشورى، جماعة عاقلة أقامتها، وجماعة مراهقة تُعالجها، وجماعة بائرة لفظتها ..
 
 
 
وأحوج ما يكون أهل الشورى إلى آراء الشيوخ وأصحاب الخبرة- مِمَن ركبوا الأهوال، وتجشموا  الصعاب -، فقد أحنت ظهورهم التجارب، وشابت رؤوسهم في الحوادث .
 
وإياك - أيها المسؤول - ومشاورة الجبان الخليع، والسفيه الوضيع، ومن فعل ذلك كان كمن دَلَفَ إلى الحمار فأتاه وسلم عليه وسألة في مسألة من مسائل الفقه ! ثم اعلمْ أن للشورى مَشَقَّة، فهي تحتاج إلى قائد صبور بصير، يرجو من وراء هذه المشقة منافع الشورى، ومن ثم على القائد أن يُنحَّى عن نفسه الأَنَفَةَ، والحَميَّةَ، والعجرفة، والجمخ، والغطرسة، فإذا وَطَّن نفسه بعد ذلك على الصبر؛ حمد غبَّ رأيه، وشكر عاقبة أمره  .
 
 
 
التحذير من التردد بعد العزيمة :
 
وفي قول النبي – صلى الله عليه وسلم - : " مَا يَنْبَغِي لِنَبِيّ إذَا لَبِسَ لأمْته أَنْ يَضَعَهَا حَتّى يُقَاتِلَ "[8]– درسٌ آخر لجند الله؛ في عدم التردد بعد العزيمة، وعدم التشتت بعد الاجتماع على الرأي.
 
فهم قد عقدوا مجلس الشورى، وقد كانوا مختلفين بين الخروج أو البقاء، ثم أجمعوا أمرهم على الخروج، وهكذا تمت شعيرة الشورى بسلاسة وسلامة، فلا يليق بالمؤمنين بعد ذلك، أن يعودا من حيث بدأوا، وأن يترددوا بعدما ثبتوا، وأن تتفرق كلمتهم بعدما اجتمعوا.
 
 
 
وأنتَ يا عدو نفسك ! يا من لا يقر له رأي، ولا يثبت على وجه .. يا من أفسدتَ الشورى، فلا أنتَ تركتها تمضي دون ذرع العقبات، ولا أنتَ شاركت فيها بفاعلية وصدق – أهيب بك ألا تركت مجلسنا إلى مجلس آخر، فلقاء الشورى لا يعرف الـمُعوُقِين ولا يحب المترددين .
 
 
 
صفة الخروج
 
وعقد رسول الله -صلى الله عليه وسلم - الألوية، وعين الأمراء، ودعا بفرسه فركبه، وخرج السعدان أمامه، يعدوان : سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ، كل واحد منهما دارع، وتوجه الجيش الإسلامي، في موكب مهيب، حتى أتى مكان يسمى " الشيخين" - قرب جبل أحد – فعسكر به....
 
إن تنظيم هيئة الخروج؛ من أشد المعينات النفسية، ومن أهم العوامل العنوية لشحذ الهمم، وعلى الجيش الإسلامي أن يسير إلى عدوه في كبرياء وعزة، ونظام وقوة. إن الله يكره الكِبر إلا في هذا الموضع !
 
 
 
 لا يُستنصر بأهل الكفر
 
والْتفت – رسول الله – صلى الله عليه وسلم - فنظر إلى كتيبةٍ خَشْناء[9]، لها زجلٌ خلفه[10]، فقال: ما هذه؟ قالوا: يا رسول الله، هؤلاء حلفاء ابن أُبي من يهود. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - : "لا يُستنصر بأهل الشرك على أهل الشرك "[11] .
 
 
 
ولقد رأينا مثل هذا المشهد في بدر، فكان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قد رد متطوعَين وثنيين، أما هنا في أُحد، فنراه قد ردّ كتيبة يهودية خشناء كاملة.
 
إنها حرب من أجل العقيدة، وجهاد من أجل التوحيد، فلا يليق بالجيش الإسلامي أن يستعين في معركته هذه بأناس ضد العقيدة وضد التوحيد، ثم إن الإسلام يريد أن يتحمل أتباعه تبعة الجهاد وحدهم، فلن ينصر هذا الدين غيرهم، وهو أمانة في أعناقهم.
 
ثم إن اليهود، قومٌ لا عهد لهم ولا وفاء، ولو ائتمن القائد الإسلامي أهل الملل والنحل قاطبة؛ فليس من العقل ولا من الحكمة أن يثق في اليهود، والقائد الذي يثق في اليهود؛ كان كالطائر الذي نصب حَبَالةً لأفراخه فأخذها الصائد عن غير كد ولا تعب . ولعل رسول الله – صلى الله عليه وسلم -  بادر بطردهم في حركة استباقية منه؛ قبل أن يغدروا، أو يفروا، أو يرجعوا، مع حليفهم ابن سلول وجماعة المنافقين، في حركة خذلان المنافقين للجيش الإسلامي كما سيأتي.
 
 
 
أشبال الإسلام
 
وعُرض على النبي – صلى الله عليه وسلم – غلمان الجيش، فكان منهم : عبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وأسامة بن زيد، والنعمان بن بشير، وزيد بن أرقم، والبراء بن عازب، وأسيد بن ظهير، وعرابة بن أوس، وأبو سعيد الخدري، وسمرة بن جندب، ورافع بن خديح، فردهم، لصغر سنهم ..
 
 
 
وأجاز منهم رافع بن خديج لما قيل له: إنه رام، فبلغ ذلك سمرة بن جندب ـ صنوه في السن والقوة ـ وقد رده النبيُ ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فذهب  ـ باكيًا ـ الى زوج أمه مُرّي بن سنان بن ثعلبة، يستشفع به عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فقال سمرة: يا أبت أجاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رافعاً وردني، وأنا أصرع رافعاً! فأقبل مُرّي بن سنان على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يراجعه في أمر سمرة، فالتفت النبي - صلى الله عليه وسلم - الى رافع وسمرة فقال لهما تصارعا، فصرع سمرة رافعاً فأجازه كما أجاز رافعاً.
 
 
 
وهو مشهد يبين لك كيف كان مستوى شعور الشباب بقضية الإسلام، وكيف أن الغلمان في صدر الإسلام بلغوا ملبغًا عظيمًا في الشجاعة وحب الجهاد والسعي نحو الاستشهاد.
 
إن هؤلاء الرجال الذين هم في سن صغيرة يعرفون جيدًا الوجهة التي يطلبونها، وهي ليست نزهة أو رحلة ترفيهة، إنه القتال، فأحرى بنا؛ أن نغرس في نفوس أولادنا، حُب الجهاد في سبيل ربنا .
 
ولنُرَبِّي أشبال الإسلام على قيم الشجاعة، وليحفظوا أن الشجاعة وقاية، والجبن مقتلة، وأن الشجاع موقى، والجبان ملقى، وأن أعظم الجود أن نجود بالنفس في سبيل الله. .
 
قال جرير :
 
قل للجبان إذا تأخر سرجه ... هل أنت من شَرك المنية ناجي
 
 
 
من صفات المنافقين الانخذال عن الأمة وقت الشدة  :
 
ولما وصل الجيش الإسلامي إلى الشّوْطِ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَأُحُدٍ ، انْخَزَلَ عَنْهُ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيّ ابْنُ سَلُولَ بِثُلُثِ الجيش وَقَالَ: أطاع الولدان ومن لا رأى له وعصاني، مَا نَدْرِي عَلامَ نَقْتُل أَنْفُسَنَا هَاهُنَا أَيّهَا النّاسُ ! ؟ فَرَجَعَ بِمَنْ اتّبَعَهُ مِنْ أَهْلِ النّفَاقِ وَالرّيْبِ، وحاول عَبْدُ اللّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ ـ والد جابر ـ تذكير هؤلاء المنافقين بواجبهم الشرعي والوطني في هذا الظرف الحساس، فتبعهم وهو يوبخهمويحضهم على الرجوع، ويقول:يَا قَوْمِ أُذَكّرُكُمْ اللّهَ ألاتَخْذُلُوا قَوْمَكُمْ وَنَبِيّكُمْ عِنْدَمَا حَضَرَ مِنْ عَدُوّهِمْ ! فَقَالُوا : لَوْ نَعْلَمُ أَنّكُمْ تُقَاتِلُونَ لَمَا أَسْلَمْنَاكُمْ، وَلَكِنّا لا نَرَى أَنّهُ يَكُونُ قِتَالٌ . فَلَمّا اسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ وَأَبَوْا إلا الِانْصِرَافَ عَنْهُمْ قَالَ : أَبْعَدَكُمْ اللّهُ أَعْدَاءَ اللّهِ فَسَيُغْنِي اللّهُ عَنْكُمْ نَبِيّهُ[12].
 
 
 
وأنزل الله تعالى: "مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ "[ آل عمران 179 ] .
 
 وقال في الجبناء المنافقين : "وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ، وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُواْ، قَالُواْ: لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ. هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ، يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ، وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ "[ آل عمران 167]
 
 
 
إن هذه الحركة الانخذالية التي بيّت لها هؤلاء المنافقون، تدل على مكنون ضغنهم على الإسلام، وكون هذه الحركةِ تهدف بالأساس إلى إحداث البلبلة والاضطراب في صفوف الجيش الإسلامي، ولو صدق ابن سلول فيما زعم أنه راجع لأن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أخذ برأي الجماعة وترك رأي ابن سلول - لانعزل عن الجيش منذ بداية سيره .
 
قال الطائي :
 
قد خص من أهل النفاق عصابةً ... وهم أشد أذىً من الكفار
 
 
 
فليحذر الدعاة ُ–  لدعوتهم - من أهل النفاق : أهل الشقاق ومساوىء الأخلاق. فشر الإخوان؛ الخاتل، الخاذل لأخيه عند المدلهمات.
 
وخفِضْ عليك أيها الداعية، إذا تآمر عليك المنافقون، وأفسدوا عليك الناس، فإن الدعوة ماضية،  والغلبة آتية.
 
 
 
الأعمى الذي سب النبي – صلى الله عليه وسلم -
 
وفي الطريق عزم  رسول الله – صلى الله عليه وسلم - على المرور بمزرعة لرجل منافق ضرير، وأخذ هذا يسبُ النبي- صلى الله عليه وسلم - وينال منه ، وأخذ في يده حفنة من تراب وقال - في وقاحة - للنبي- صلى الله عليه وسلم -: والله لو أعلم أنى لا أصيب بها غيرك لرميتك بها ! حَتَّى هَم أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -بقتل هذا المنافق المجرم، فأبي عليهم -نبي الرحمة- وقال:
 
" دَعُوهُ ! فَهَذَا الأعْمَى ، أَعْمَى الْقَلْبِ ، أَعْمَى الْبَصِيرَةِ "[13] .
 
إن الإساءة للرسول – صلى الله عليه وسلم – من الكبائر الكبار، ولا جزاء لمن سب الرسول إلا القتل، بيد أن نبي الرحمة عفى وغفر في هذا الموقف على سبيل الاستثناء لعاهة المسيىء.
 
وتأمل التصرف المباشر للصحابة لقد هموا بقتل المسيء سراعًا، فهم يعلمون أن الحكم يكون بالقتل الفوري لمن ٍأساء لخاتم النبيين – صلى الله عليه وسلم - .
 
ولقد أجمع علماء الأمة سلفهم وخلفهم على وجوب قتل من سب رسول الله – صلى الله عليه وسلم -
 
قالابن المنذر : "أجمع عامة أهل العلم على أن من سب النبي - صلى الله عليه وسلم-عليه القتل ، وممن قال ذلك مالك والليث وأحمد وإسحاق وهو مذهب الشافعي... ورُوي أن رجلاً قال في مجلس عليٍّ : ما قتل كعب بن الأشراف إلا غدراً. فأمر عليٌّ بضرب عنقه"[14].
 
والمسيء للنبي يُقتل دون استتابة ، قال الإمام مالك :" لا يُستتاب من سبَّ النبيَّ- صلى الله عليه وسلم - من الكفار والمسلمين"[15] .
 
وقالعياض : "من سبَّ النبي- صلى الله عليه وسلم -، أو عابه ، أو ألحق به نقصاً فينفسه أو دينه أو نسبه أو خصلة من خصاله ، أو عَرَّضَ به ، أو شبَّهه بشيء على طريق السبِّ له والإزراء عليه أو التصغير لشأنه أو الغض منه أو العيبله فهو ساب له ، والحكم فيه حكم الساب يُقتل ... وكذلك من نسب إليه مالا يليق بمنصبه على طريق الذم ، ومشهور قول مالك فيهذا كله أنه يقتل حداً لا كفراً ، لهذا لا تُقبل توبته ، ولا تنفعهاستقالته وفيئته "[16] .
 
وقال الليث بن سعد : " لا يُناظر ولا يُستتاب ويُقتل مكانه "[17] .
 
انظر، وتأمل قول الليث : " لا يُناظر " .. فلا حوار مع من أساء للنبي – صلى الله عليه وسلم -، ولا تعايش مع من سب الرسول الله – صلى الله عليه وسلم - .
 
"ولا يُستتاب" .. فلا مهلة له لمراجعته، ولا يترك أيامًا عله أن يتوب .. ومن ثم :
 
"يقتل مكانه " .. فجريمته النكراء وكفرته الصلعاء بلغت مبلغًا حده ألا يُترك المسيءُ لحظة واحدة بعد أن تعرض لجناب النبي – صلوات الله وسلامه عليه - .
 
***
 
وهكذا كانت هذه الحلقة..
 
عَلِمنا منها :
 
- أن الأحلام والرؤى المنامية ليست من أدلة الأحكام الشرعية وإنما هي للتبشير أو التبصير.
 
- وأن الشورى ركن من أركان العلاقة بين الراعي والرعية، وأنها مُلزمه لمن تأمر على الناس، وأنها لا يقيمها بها إلا بار، ولا يدعها إلا جبار، ولا يجحدها إلا كفار.
 
 
 
- وأن التردد بعد العزيمة ، والرجوع في الأمر بعد الإجماع عليه، والانخزال بعد الشورى، من آفات التي تهدم العمل الجماعي، وتفشل العمل الدعوي، وتذهب ريح المسلمين، وتقوي شوكة الكافرين . فتعَلَّمْ – أخي – الحزم والحسم في الأمور.
 
 
 
- وأن الجيش القليل المنظم خير من الكثير غير المنظم، وأن ريح النظام أقوى من جبال الفوضى، وأن هيئة القائد ينبغي أن تكون على درجة عالية من الوقار والتوقير، والتبجيل والتعزير . فتعَلَّمْ – أخي – فنون التنظيم والعمل الجماعي .
 
 
 
- وأن اليهود قوم بُهت، لا يُؤتمن لهم لا في حرب ولا في سلم، وأن الاستعانة بالمشرك في جيش مع المسلمين مَفسدة، وأن الاستعانة باليهود في صفوف المسلمين مَهلكة. وحُوشيت – أخي – أن تنخدع باليهود يومًا من الأيام !
 
 
 
- وأن الأطفال إذا لم يتربوا على الشجاعة عاشوا جبناء، وإذا لم ينشأوا على الجهاد كبروا أذلاء، وحَرِيٌ بالآباء والمعلمين أن يتعهدوا الأولاد بمدارسة الغزوات، وأن يتعلم المسلم الصغير الغزوة من الغزوات، والسرية من السرايا، كما يتعلم السورة من القرآن.
 
 
 
- وأن الإساءة لنبي الرحمة، جريمة لا نعرف لها نظيرًا، وهي تُوجب القتل حدًا فورًا، وأن التحاور مع قادة الحملات الإعلامية المسيئة للنبي – صلى الله عليه وسلم – غير جائز من الناحية الشرعية . فنافحْ دومًا عن عرض نبينا – صلى الله عليه وسلم -.
 
توصيات عملية :
 
1ـ اشرح غزوة أحد لصبي من صبيان المسلمين .
 
2ـ إياك وأخلاقَ المنافقين التي حذر منها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:" إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ"، "وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ"[18]
 
------------------------------
 
 
 
 
[1] ابن هشام 2/61
 
[2] الطبري 2/60
 
[3] ابن هشام 2 / 63
 
[4] ابن هشام 2 / 63
 
[5] ابن هشام 2 / 63
 
[6] ابن هشام 2 / 63
 
[7] الواقدي 1 / 214 .
 
[8] ابن هشام 2 / 63
 
[9]أي كثيرة السلاح
 
[10]أي ذات بلاء في الرمي
 
[11] انظر : الواقدي : 82
 
[12] انظر : ابن هشام 2 / 64
 
[13] ابن هشام 1/523
 
[14] تفسير القرطبي 2/82
 
[15] الذهبي : أعلام النبلاء 8/103
 
[16] التاج والإكليل لمختصر خليل :2/285-286
 
[17] أحكام القرآن للجصاص 4/275
 
[18]البخاري : رقم :  32، 33



                      المقال السابق                       المقال التالى




Bookmark and Share


أضف تعليق

أنت بحاجة للبرامج التالية: الحجم : 2.26 ميجا الحجم : 19.8 ميجا