أنا ناقة

المقال مترجم الى : English

أنا ناقة

وأنا أيضا – مثل زوجي الجمل – سفينة الصحراء. أمشي فيها بلا تعب ولا عطش، وأتحمل السير لمسافات طويلة. وكنت أعيش في مكة، في الوقت الذي ظهرت فيه دعوة "محمد" إلى الإسلام وإلى عبادة الله وحده. وكان يملكني أبو بكر، صديق الرسول. وعندما قرر " محمد" وأبو بكر الهجرة إلى المدينة، بعد أن قرر الكفار قتل الرسول ، جاء بي الدليل إلى باب الغار، مع أخت لي أقوى وأسرع. وركبني الرسول وركب أبو بكر أختي الناقة وسرنا في الطريق إلى يثرب، ولم أشعر بتعب طوال الطريق، كما أن الحر لم يضايقني، بل كنت أسير خفيفة سعيدة لأني أحمل أعظم مهاجر في أعظم رحلة.. ا

ورأيت الكثير من معجزات الرسول عليه الصلاة والسلام خلال هذه المرحلة المباركة. لقد رأيت الحمامة والعنكبوت فوق باب الغار، كأن أحدا لم يدخله. وكيف لحق بنا سراقة بن مالك على فرسه. ورأيت منظرا لم ته عين من قبل، حيث أشار الرسول بإصبعه فغاصت قوائمه في الرمال ثلاث مرات. وشاهدت عنزة " أم معبد"، كانت عنزة نحيلة هزيلة، وعندما لمستها يد النبي صلى الله عليه وسلم قدمت لبنا غزيرا يكفي الكثيرين ويفيض. ا

كان كل شيء في رحلتنا يدل على عظمة " محمد" صلى الله عليه وسلم وعلى أن الله معه، وعلى أن الكفار لن يستطيعوا التغلب عليه. واستطيع أن أحكي لكم الكثير عن الطريق التي كثيرا ما سرت فيها. وكنت أقطع الرحلة في أحد عشر يوما. ولكنني في هذه المرة قطعتها في ثمانية أيام، مع أننا كنا نسير ليلا ونختفي نهارا، لأن كل العيون ترصدنا، وكثيرون يبحثون عنا، وتمنيت على الله أن أتم هذه الرحلة بالسلامة. ا

واقتربنا من " يثرب" وظهر نخيلها وأشجارها من بعيد. وشعرت بالبهجة والفرحة، لأن الرسول نجا من أعدائه. ورحت أسأل نفسي عن أهل يثرب وكيف يستقبلونه وقد علموا ولا شك بخروجه من مكة إليهم. وكانت الشمس تتوسط السماء حين سمعت صوتا من فوق ربوة عالية يصيح:” هذا صاحبكم قد جاء..هذا صاحبكم قد جاء.”

وارتفعت أصوات تهلل وتهتف من أعماق قلوبها:” الله أكبر..الله أكبر..”

وأحسست بالأرض تهتز لهذا الهتاف وشعرت بأن الدنيا كلها تردد الهتاف مع المستقبلين. ونزل عني "محمد" وجلس مع أبي بكر في ظل نخلة ، والناس يتدفقون خارجين من يثرب إلى حيث يجلس الرسول، وكثيرون منهم أحبوه وتبعوه من قبل أن يروه أو يعرفوه.

وسألت إحدى النساء جاراتها:”أيهما النبي، وأيهما ابو بكر؟" وكان الظل قد زال عن الرسول فقام أبو بكر يظلله بردائه. فعرفت المرأة أن الجالس هو " محمد". وأقبل الناس يسلمون عليه ويطلبون إليه أن يهديهم إلى الحق، فتحدث إليهم يطلب منهم أن ينشروا السلام ويطعموا الطعام، وأن يتصادقوا وأن يتحابوا وأن يصلوا لله سبحانه وتعالى.

ثم قام عليه الصلاة والسلام وركبني. وأدهشني أنه لم يكن يقودني، بل ترك زمامي. وكان أهل المدينة يحيطون بنا وسار موكبنا ونحن نسمع أعذب نشيد في الدنيا يرتفع من أفواه أهل يثرب. كانوا ينشدون:

طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع
جئت شرفت المدينة مرحباً يا خير داع

وسار الموكب وأنا أتهادى بين الجموع والحب يطل من العيون والابتسامات تملأ الوجوه. ودخلنا المدينة فإذا بكل أسرة تريد الرسول أن يقيم عندها: - اقم عندنا يا رسول الله... -لا سيقيم الرسول عندنا نحن.... - سنأخذ بالناقة نقودها إلى دارنا...

وطلب عليه الصلاة والسلام أن يتركوني ويفسحوا لي الطريق، إلى أن أقف حيث يشاء الله، في مكان معين...ورأيتني لا استطيع أن أسيطر على أقدامي...واحسست أن إرادة قوية تقودني إلى حيث لا أدري. وفجأة شعرت بأنني لا بد من أن أستريح في مكان وقفت عنده ولم استطع أن أتركهبل بركت فيه. وهنا نزل عني رسول الله ليسأل:” من صاحب هذه الأرض؟" قالوا :” إنها لغلامين يتيمين يرغبان في أنيهدياها لك يا رسول الله.” ولكن الرسول اشتراها منهما وبنى عليها مسجدا وبيتا لسكناه.

وقد رأيت الكثير من حب أهل المدينة الذين سماهم النبي " الأنصار" لضيوفهم " المهاجرين" أليهم من مكة. كما لقيت الكثير من التكريم، لاني حملت رسول الله خلال هذه الرحلة، ولأني ناقة مباركة سارت إلى حيث أراد لها الله أن تسير، وبركت حيث أراد الله لها أن تبرك.......

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم