كيف دخل الشرك جزيرة العرب ؟

الكاتب : الشيخ / محمد حسين يعقوب

إن الوثنية التى سادت الأرض في ذاك الزمان المظلم اغتالت النفس البشرية ، و فرضت عليها السقوط في هذه الوَهْدَةِ الرَّزِيَّةِ ، و هكذا دائماً إذا غاب توحيد الله عز و جل عن مكان حل فيه المقت و الغضب و الشنآن ، و لما طال الأمد و غاب عن الأرض الأنبياء و تبدل التوحي شركاً صار الناس أجساداً ممسوخة و أبداناً جوفاء لا روح فيها ولا إيمان ، قال تعالى : " حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ " (الحج :31) .

إن الوثنية هوان يأتي من داخل النفس لا من خارج الحياة ، فكما يفرض المحزون كآبته على من حوله ، و كما يتخيل المرعوب الأجساد القائمة أشباحا جاثمة ، كذلك يفرض المرء الممسوخ صغار نفسه و غباء عقله على البيئة التي يحيا فيها ، فيؤله من جمادها و حيوانها ما يشاء ، و هذا هو السر في أن الوثنية التي لا تعرف الله تزعم أنها بأصنامها تتقرب إليه و تبغى مرضاته ، قال الله عز و جل : " أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ" (الزمر/3) .

عمَّت الوثنية في هذه الأثناء على الآرض كلها : فالمجوسية في فارس طليعة عنيدة للشرك الفاشي في الهند و الصين و بلاد العرب و سائر المجاهيل ، و النصرانية التي تناوئ هذه الجبهة قبست أبرزها مآثرها من خرافات الهنود و المصريين القدامى ، فهى تجعل لله عز و جل صاحبة و ولداً ، و تغرى أتباعها في روما و مصر و القسطنطينية بلون من الإشراك كأنها أرقى مما ألف عباد النيران و عباد الأوثان .


شرك مشوب بتوحيد يحارب شركا محضا ، جزء من الحق في أجزاء من الباطل ، في سياق يصرف الناس آخر الأمر عن الله و يعبدهم لخشبة أو لبشر أو لنار أو لصنم ، كأنهم آلهة يحرمون و يحللون ، و يأمرون و ينهون ، " وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ" (الحج /71) .


إذا تأملت هذا السياق الذي ذكرته لك من حال الأرض يومها تشعر أنك تفتح عينيك في ظلام فلا ترى شيئا ، ظلمات بعضها فوق بعض إذا تلمست طريقا لم تكد تراها .


و هنا كان من حكمة الله العظيم ، أن يأذن و هو الرحيم الجليل عز و جل في فتح طاقة من النور بإنزال وحي يضئ به هذا الكوكب الأرضي المظلم ، لتأتي الهداية من السماء بعد أن ضلت الأرض و أظلملت ، قال الله تعالى : "إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى * وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالأُولَى " (الليل /12:13) ، و قال تعالى : " وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ" (الشورى / 52:53) .


و لكن قبل أن ندلف إلى النور و بداية نزوله إلى الأرض لابد من نظرة إلى مظاهر و أصول هذا الشرك ، لنتحاشاه ، و نعرف أسبابه فنحذرها ، و ستدرك لأول وهلة أن تعظيم البشر و طاعتهم بغير إذن الله سبب كل شر لذلك إذا نظرنا إلى أصول الشرك ، و كيف دخل إلى جزيرة العرب ، فإننا نجد أن عمرو بن لحي هو أول من غير دين الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام ، و قد كان عمرو في قومه شريفا سيدا مطاعا ، يطعم الطعام ، و يحمل الغريم ، و كان قوله فيهم دينا متبعا لا يخالف ، و كان أمره بمكة بل في جميع العرب مطاعا لا يعصى ، و كان إبليس يلقى على لسانه الشئ الذي يغير به الحنيفية و الفطرة ، فيستحسنه عمرو ، فيعمل به ، فيعمله أهل الجاهلية .


و هو الذي بحر البحيرة ، و وصل الوصيلة ، و حمى الحامي ، و سيب السائبة ، و نصب الأنصاب حول الكعبة ، و بجاء بهُبَل من هيت (موضع بشاطئ الفرات ) من أرض الجزيرة ، فنصبه في بطن الكعبة ، فكانت قريش و العرب تستقسم عنده بالأزلام ، و هو الذي غير تلبية إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام ، و كان الناس عليها إلى عهده ، فبينما هو يسير على راحلته في بعض مواسم الحج و هو يلبي ، إذ تمثل له إبليس في صورة شيخ نجدي على ظهر بعير أصهب ( لونه أحمر إلى سواد ) ، فسايره ساعة ، ثم لبى إبليس ، فقال : لبيك اللهم لبيك ، فقال عمرو مثل ذلك ، فقال إبليس : لبيك لا شريك لك، فقال عمرو مثل ذلك ، فقال إبليس : إلا شريك هو لك ، فقال عمرو : وما هذا ؟ قال إبليس - لعنه الله - : إن بعد هذا ما يصلحه : إلا شريكا هو لك تملكه و ما ملك ، فقال عمرو بن لحيي : ما أرى بهذا بأسا ، فلباها ، فلبى الناس على ذلك ، و كانوا يقولون : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إلا شريكا هو لك تملكه و ما ملك ، فلم تزل تلك تلبيتهم حتى جاء الله بالإسلام ،

و لبى النبي صلى الله عليه وسلم تلبية إبراهيم عليه السلام الصحيحة : " لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك " (1)


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف أبا بنى كعب هؤلاء يجر قصبه في النار ، هو أول من سيب السوائب ، و حمى الحمى ، و نصب الأوثان حول الكعبة ، و غير الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام (2) .


و هكذا دخل الشرك إلى جزيرة العرب ، و انتشرت الأصنام في كل مكان ، و عبد الناس آلهة من دون الرحمن قال سبحانه و تعالى : " وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا " ( مريم / 81:82) . و حكى عنهم أنهم قالوا : " مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ" (الزمر / 3) .

--------------------------

(1) متفق عليه ، أخرجه البخاري : (5571) ، ك : الحج ، باب التلبية ، ومسلم (1184) ، ك : الحج ، باب : التلبية و صفتها و وقتها .

(2) الجزء الأول من الحديث حتى السوائب متفق عليه ، أخرجه البخاري (3333) ، ك : تفسير القرآن ، باب : "مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ " (المائدة / 103) ، و مسلم (2856) ، ك: الكسوف ، باب : صلاة الكسوف ، و بقية الحديث صحيح في مسند أحمد (2/366 ، 5/137) .

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم