لماذا آذن الله عز و جل أن ينزل قبسا من النور يبدد به ظلمات هذه الأرض

الكاتب : الشيخ / محمد حسين يعقوب

أنت عربي : ثم لماذا آذن الله عز و جل بفضله و جوده و عفوه و كرمه و رحمته أن ينزل قبسا من النور يبدد به ظلمات هذه الأرض ، قدر سبحانه و تعالى أن تكون في الفرع العربي من ذرية إبراهيم الخليل من نسل إسماعيل عليه السلام ، و أصلهم كما تعرف من قصة إبراهيم و إسماعيل عليه السلام أن قبيلة " جرهم " اجتمعت مع اسماعيل عليه السلام على ماء زمزم عند البيت الحرام ، فعاش العرب هناك و كثروا و تكاثروا ، و الله عز و جل عليم حكيم ، قال سبحانه و تعالى : " اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ " (الأنعام / 124) ، فالعليم عز و جل يصطفي و يختار ما شاء لما شاء بعلمه ، و هو الحكيم سبحانه و تعالى يضع الشئ في موضعه اللائق به و المناسب له ، و هو سبحانه و تعالى بعلمه و حكمته إذا أراد شيئا هيأ له أسبابه .


و لما كان في علم الله الواسع أنه سيرسل في هؤلاء العرب نبيا و رسولا ، و هذا النبي آخر الأنبياء و رسالته خاتمه الرسالات ، و هي عامة باقية معمول بها إلى يوم القيامة ، هيأ الله العرب لحمل هذه الرسالة مع النبي صلى الله عليه وسلم و بعده . لذلك لابد أن تعتقد و توقن أيضا أنه لم تكن بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ليكون إماما لقبيل من الناس يصلحون بصلاحه ، فإذا مات ذهبوا بعده و انقطعوا ، بل أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عوضا كاملا عن ارسال جيش من النبيين و المرسلين يتوزع على الأعصار و الأمصار ، بل و إن رسالته صلى الله عليه وسلم سدت مسد إرسال ملك كريم إلى كل إنسان تدب على الأرض قدماه ما بقيت على الأرض حياة .


إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبعث لنفسه و لقومه خاصة ، و إنما أرسل للعالمين إلى يوم الدين ، قال الله عز و جل : "يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا " (النساء/ 174:175) و قال سبحانه و تعالى : "قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ " (الأعراف / 158) ، فالخطاب في الآيتين لكل الناس منذ بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى أن تقوم الساعة ، وصح عنه صلى الله عليه وسلم قوله : " و كان النبي يبعث إلى قومه خاصة ، و بعثت إلى الناس عامة " (1) ، و في رواية لمسلم : " و بعثت إلى كل أحمر و أسود " .


---------------------

(1) متفق عليه ، أخرجه البخاري (328 ) ، ك : التيمم ، باب : قوله تعالى : " فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ" (المائدة /6) ، و مسلم (521) ، ك : المساجد و مواضع الصلاة .

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم