لا يتناجى اثنان دون آخر

الكاتب : الدكتور / محمد بكر إسماعيل

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَ اثْنَانِ دُونَ الْآخَرِ حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُحْزِنَهُ".
* * *
في هذا الحديث أدب من آداب الصحبة في الطريق وغيرها – له أبعاده الاجتماعية، فإن من حسن الصحبة أن يلتقي المسلمون على خير، وأن يتعاملوا فيما بينهم على المعروف، وأن يحرص كل واحد منهم على مشاعر الآخر فلا يحرجه بقول أو فعل، ويحافظ على ما يسعده ويرضيه، ويجتنب ما يغضبه ويؤذيه ما استطاع إلى ذلك سبيلا، كما جاء في حديث: "المسلم أخو المسلم". وقد تقدم بيانه في هذا الكتاب.
وهذا الأدب يعرفه أصحاب الأذواق السليمة والهمم العالية، فهم الذين يميزون بين ما هو ضار وما هو نافع، وما هو مقبول وما هو غير مقبول.
ولن نجد نظاماً متكاملاً للعلاقات العامة والخاصة يداني النظام الذي وضعه الإسلام لو أحسنا فهمه، وفقهنا مراميه وأبعاده.
* * *
وقوله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَ اثْنَانِ دُونَ الْآخَرِ" معناه: لا يتحدث رجل مع رجل بصوت خافت، فهذا هو معنى المناجاة.
والنهي للكراهة إذا كانت المناجاة لم تطل ولم تكن عن قصد، ولم يكن فيها ما يوهم الثالث يتوقع شيء يخافه أو يغضبه.
أما إن كانت المناجاة على العكس من ذلك فإنها تحرم لوجود الضرر.
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم على النهي بقوله: "مِنْ أَجْلِ أَنْ يُحْزِنَهُ" أي فعل ذلك مع الثاني من أجل أن يحزن الثالث، فهو إذا شيطان إنسي يتعاون مع شيطان الجن في إدخال الحزن على المؤمنين، وقال تعالى في سورة المجادلة: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } (9-10).
وفي رواية قال: "فإن ذلك يحزنه".
وبين الروايتين فوق، فالأولى تدل على أنه لو قصد ذلك وتعمده أثم، والثانية تدل على ما تؤدي إليه هذه المناجاة قَصَد الإضرار بالثالث أم لم يقصده، فإن قصده أثم وإن لم يقصده لم يأثم، على ألا يتكرر منه ذلك؟
وقوله صلى الله عليه وسلم: "حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ" غاية ينتهي عندها النهي، فإذا اختلطوا بالناس فلا بأس أن يتناجى اثنان دون الآخر؛ لوجود الأنس بالناس، فإن الثالث يستطيع أن يتحدث مع الآخرين؛ ولهذا نقل ابن حجر في فتح الباري رواية للبخاري في الأدب المفرد وأبي داود عن ابن عمر مرفوعاً: أنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: فإن كانوا أربعة؟، قال: "لَا يضره".
* * *
وقد يراد بالمناجاة التحدث مطلقاً ولو بصوت مرتفع.
وقال أهل العلم: لو كان يكلم هذا مرة وذلك مرة فلا بأس، وإنما البأس في عزل الثالث والتقدم عليه أو التأخر عنه.
فإن كان هناك عذر كضيق الطريق، أو المسارة بحديث لا يحب أحدهما أن يسمعه الثالث وليس فيه ما يحرجه ولا ما يخجله ولا ما يخيفه فلا بأس.
والمرء ففيه نفسه معه عقله وقلبه وأن أفتاه الناس وأفتوه.
والرسول صلى الله عليه وسلم مُشرع بأمر الله تعالى، ومعلم بأقوله وأفعاله لكي يكون الناس على بصيرة من أمرهم، فليسوا جميعاً على مستوى واحد في ملاحظة ما يعاب به في هذا وذاك، فكان لا بد للمسلم مهما أوتى من العلم والحكمة والذكاء والفطنة من الرجوع إلى الكتاب والسنة ليطمئن قلبه لمعرفة الطريق وتحديد المسار، والله ولي القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
* * *

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم