إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل

 
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ– رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ" فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ قَالَ الْحَمْوُ الْمَوْتُ".
يحرص الإسلام الحرص كله على صيانة الأعراض والحرمات من أن تُنال بسوء، أو يعتريها لمز أو همز أو غمز، أو يلحق بها ما يشينُها ولو من طريق غير مباشر.
 
وليس عند المؤمن أعز إليه من دينه وعرضه، فدينه هو عصمة أمره، وسلطان عقله وفكره، لا يفرط في شيء من أوامره ونواهيه، ولا يُقصر في حق من حقوق خالقه ومولاه، ولا يستخف بسنة من سنن رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –.
 
وأنا عرضه فصيانته من صميم دينه، فهو لا يألو جهداً في حمايته والمحافظة على نقائه وصفاته؛ ولذا قيل: من صان دينه، فقد صان عرضه.
 
ومن أجل صيانة الدين والعرض حَذر النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – من الوقوع في الشبهات، وهي الأمور التي تؤدي في الغالب إلى الوقوع في الحرام، وتفضي – أيضاً – إلى القيل والقال.
 
فقال: "إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورًا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَد اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يواقعه".
 
والأعراض مثلها كمثل اللبن الخالص، تؤثر عليه أقل الشوائب، فإذا عرضه للقيل والقال، فقد لوثه وعكر صفوه، وصعب عليه أن يعيده إلى صفائه ونقائه مرة أخرى.
 
وذلك لأن الناس إذا انتهى إليهم خبر يشين العرض سرعان ما يصدقونه وتُغرس في نفوسهم آثاره، وسفهاء الأحلام يزيدون فيه ما شاءوا ويطيرونه هنا وهناك، فينتشر هذا الخبر وتشيع الفاحشة بين أهل الفسق والفجور، ويتخذون من هذا الخبر منطلقاً إلى التشهير بمن يعنيهم الأمر، فلا يستطيعون دفعه عن أنفسهم ولا رفع آثاره التي لحقت بهم.
 
لقد قيل ما قيل إن صدقاً وإن كذباً                   فما اعتذارك من قول إذا قيلا
 
ومن أجل ذلك نهى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عن الدخول على النساء غير المحارم والزوجات؛ لأن مجرد الدخول عليهن يثير الشبهة، وربما يوقع في الفتنة، ولا سيما إذا تكرر وصار عادة لا ينكرها العرف الخاص، وهو عرف مزيف لا يؤخذ به ولا يعتمد عليه ولا يحكم في شيء من أمور الدين ولا في شيء من أمور الدنيا.
 
ومن نظر في هذا الحديث عرف متى يدخل على النساء ومتى لا يدخل عليهن، ومن هن اللاتي يجوز له أن يدخل عليهن واللاتي لا يجوز أن يدخل عليهن، وما الشروط التي يجب توفرها في الزواج، وما الخطر الذي يلحق الداخل والمدخول عليه، إذا تهاون كل منهما في هذه الوصية وما يماثلها من الوصايا التي لابد من الأخذ بها لصيانة الأعراض والحرمات.
 
فتعالوا بنا ننظر في هذا الحديث نظرات لتعرف من خلالها على أحكام ما قد ذكرناه، وعلى صدق ما قررناه.
قوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ" أمر ليس على عمومه كما يشهد له الشرع والعقل والواقع، فالنساء اسم جنس لا واحد له من لفظه، يشمل بعمومه: الأمهات والبنات والأخوات وغيرهن من المحرمات، ويدخل فيه الزوجات والإماء، إن كان هناك إماء، فلابد حينئذ أن يحمل على غير الزوجات والمحارم قطعاً.
 
وقد قال علماء الأصول: "العام يخصص بأدنى قرينة". وهنا عدة قرائن منتزعة من الشرع والعقل والواقع لا حاجة إلى سردها لأنها معروفة مألوفة.
 
فإن قلت لم لم يقل – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: إياكم والدخول على غير الأزواج والمحارم؛ يكون الكلام أقرب إلى الفهم وأدق في تقرير الحكم.
قلت: إنه لو قال ذلك لاستخف بعقول الناس، واتهمهم بسوء الفهم وعدم الخبرة بمعالم الشرع ومقاصده، وهذا لا يلجأ إليه الفصحاء من عامة الناس، فكيف بمن جمع البلاغة كلها في منطقه وسحر بيانه، لقد كان في أسلوبه تدريب للعقل في إسناد كل شيء لما يستحقه، ووضع كل لفظ موضعه، ومعرفة كل معنى من المعاني على حدة، والإحاطة بمرماه على قدر طاقته.
 
وفي القرآن الكريم كثير وكثير من ألفاظ العموم يراد بها الخصوص. وذلك معروف مشهور عند علماء الأصول وغيرهم.
 
و"إِيَّاكُمْ" أسلوب تحذير على مبلغ ما يكون التحذير، فهو أسلوب يُشعر بخطر ما يحذر منه وبضرورة الابتعاد عنه؛ حماية للذين ووقاية للنفس، وصيانة للعرض وحفظاً للعقل والمال.
 
وأي شيء أشد خطراً على الرجال من النساء؟ فهن حلفاء الشيطان ومصائده، وأسهمه التي تقتحم العيون لتفتك بالقلوب.
 
يقول النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ".
 
وعن رسول – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فيما يرويه عن ربه عز وجل: "النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، من تركها من مخافتي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه".
 
ولما سمع أصحاب النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – هذا التحذير، قال رجل منهم: " يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ".
 
أي إني أسألك عن الحمو هل يدخل على من اعتاد الناس أن يدخلوا عليهن، فأخبرني بحكمهم، هل هو كسائر الناس أم له خصوصية؟
ومن حق هذا الرجل أن يسأل ليتعلم ويستوثق من الرسول – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – في ذلك، فيجيبه الرسول – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بكلمة مؤجزة بليغة، تُذهب الشك وتقطع دابر تلك العادة التي يترتب عليها فساد في الخلق وإفساد للعرض، فيقول: "الْحَمْوُ الْمَوْتُ".
 
والحمو أخو الزوج وابن أخيه وعمه وابن عمه وأشياههم.
 
ولعل المراد به أخو الزوج بالأصالة، وغيره ممن ذكرنا بالتبعية؛ لأنه هو الذي يتكرر دخوله في بيت أخيه، والناس لا ينكرون عليه ذلك، ولا يشكون في أمانته؛ نظراً لحرمة أخيه.
 
وتكرار دخوله يؤدي حتماً إلى النظر إليها في أحوالها المختلفة، ويتحدث إليها من غير خجل ولا وجل فيما يعم وما يخص، ويباسطها وتباسطها وتباسطه في ألفة أدى إليها قربه منها وقربها منه، وللشيطان في ذلك حيل عجيبة وخطوات سريعة متلاحقة، فيزينها له ويزينه لها فتنبعث شهواته وشهواتها من كوامنها، ويطيش العقل، ويتجمد التفكير في عواقب الأمور، ويذهب الإيمان شيئاً فشيئاً، وينسى الأخ حرمة أخيه، وتنسى المرأة حرمة زوجها، وتقترب النار من الوقود فتشتعل وتستعر، فيندم كل منهما على ما فعل بصاحبه، وربما يستمرآن هذا العمل ويستمران عليه ولا يتوبان منه، فتكون العواقب وخيمة، لا يدرك مداها ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
 
تفنى اللذائذ ممـن نـال شهوته              من الحرام ويبقى الإثم والعار
وتبقى مغبة سوء في معرتها               لا خير في لذة مـن بعـدها نـار
 
وأكبر مغبة تلحقها قسوة القلب، وموت الضمير، وفساد الأخلاق واختلاط الأنساب، وغير ذلك من المآسي التي تترتب على هذه الخيانة العظمى لو افتضح أمرهما.
 
وكلنا يعرف ماذا يترتب لو فاحت رائحة الخبر، ثم شاع وانتشر، وكان الزوج آخر من يعلم، وهو لم يكن يتوقع شيئاً مما فعله أخوه بمن ائتمنه عليها ووكل إليه إصلاح أمرها وسمح له بالدخول عليها.
هل يقتله؟، ربما – ولم لا؟ والغيرة على الحرمات تسلب الرجل لبه وتُذهب الحنان من قلبه فيقدم على من انتهك عرضه كالأسد الذي يهجم على فريسته.
 
وهل يُطلق زوجته التي لم تحفظه في عرضه أثناء غيبته؟
نعم يفعل ذلك وأكثر من ذلك، فربما يكون عقابها القتل أيضاً.
 
إنها خيانة يتوقع المرء لها من الآثار والأخبار ما لم يكن في الحسبان.
ونحن نقرأ في الصحف من ذلك الكثير والكثير.
 
من هنا كانت هذه الوصية على قدر عظيم من الأهمية وعلى درجة عالية من السمو الخلقي والوعي الاجتماعي.
 
فالحمو إذا هو الموت نفسه، فإن لم يكن هو فكأنه هو.
 
فإذا كان المرء يخاف على نفسه من الموت، فليخف على نفسه وعلى زوجه ومحارمه من هذا القريب، الذي تسمح له العادة أن يقتحم البيوت كلما أراد: باستئذان وبغير استئذان. فإذا سئل عن ذلك أو نهي عنه أو عير به يقول: ما لكم!! هذا بيت أخي وفيه امرأة أخي، ليس في البيت امرأة غريبة، إلى آخر ما يمليه عليه الشيطان من المعاذير والأقاويل.
 
والناس ينظرون إليه في حنق وغضب وخجل، تدفعهم الغيرة إلى تتبعه وتقصي أخباره مع امرأة أخيه هذه، فينقلب الشك ظناً وربما ينقلب الظن علماً.
 
فإن لم يستطيعوا أن يجدوا عليه شيئاً توهموا أنه قد فعل وفعل، وسرعان ما يصبح الوهم حقيقة، فلا يستطيع ردها، فيتمنى من أعماق نفسه أن يكون قد أخذ بهذه الوصية النبوية وعمل بها، ولكن لا ينفع الندم ولا يفيد التمني شيئاً.
 
وقد قالوا في الأمثال العامية: زرعوا لو طرحت يا ليت.
 
أعلم – أيها الأخ الكريم – أن البعد عن مواطن الشك والشبهة واجب من أعظم الواجبات؛ استبراء للدين والعرض وقطعاً لألسنة المرجفين الذين لا هم لهم إلا تتبع العورات وترويج الشائعات والأخذ بالظن في عظائم الأمور.
 
فاتقاء الريبة والبعد عن مواطنها وعن الأنساب التي تؤدي إليها، يوفر عليها مؤنة دفعها عن أنفسنا عند وقوعها، وغالباً ما نعجز عن دفعها للأسباب التي ذكرناها من قبل.
 
والوقاية خير من العلاج، كما يقولون.
 
واعلم – أيها الأخ الكريم – أن الحق أحق أن يتبع، ومن الحق أن تصون بيتك من كل من يدخله من غير أن تأذن له بالدخول، ولا سيما الأقارب من جهتك أو من جهة امرأتك.
 
ولا تأذن لأحد في دخول بيتك في غيبتك إلا للمحارم.
 
فإن كنت حاضراً فأذن لمن شئت، واحجب زوجتك وسائر من في بيتك من النساء عن الرجال ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.
 
وإن كان ولا بد أن تجلس امرأتك في المجلس الذي فيه ضيفك فلتكن مختمرة بعيدة عن نظره، ولا تتكلم إلا عند الضرورة، وإذا تكلمت، فليكن كلامها معتدلاً، ليس فيه شيء من الميوعة والخضوع.
والمؤمن من شأنه أن يكون غيوراً على دينه وعرضه، ولكن لا ينبغي أن تدفعه الغيرة إلى التشدد والتزمت، فخير الأمور أوساطها.
 
والتشدد في الدين أخطر من التهاون فيه، والمؤمن معه عقله وضميره، ينصرف في الأمور على حسب مقتضيات الأحوال وفق تعاليم دينه، فيأتي من الأقوال والأفعال بما لا يتنافى مع الدين والأدب والعرف المتبع، الذي يقره الدين ويرتضيه العقل السليم.
والله هو الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم