الحديث العاشر: (إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ)

روى البخاري عن أم سلمة أم المؤمنين قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"إنَّما أنا بَشَرٌ وإنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، ولَعَلَّ بَعْضَكُمْ أنْ يَكونَ ألْحَنَ بحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ، فأقْضِي على نَحْوِ ما أسْمَعُ، فمَن قَضَيْتُ له مِن حَقِّ أخِيهِ شيئًا، فلا يَأْخُذْهُ فإنَّما أقْطَعُ له قِطْعَةً مِنَ النّارِ.

المعاني: 

ألْحَنَ بحُجَّتِهِ: أكثر قدرة على بيان مقصوده وعرض قضيته.

الفوائد ( 32 فائدة)

الفوائد المتعلقة بالقضاء: 

1. وجوب التحاكم إلى شريعة رب العالمين في الخصومات لا الأعراف ولا القوانين الوضعية التي وضعها البشر.
2. من واجبات إمام المسلمين أن يحكم فيما بينهم من خصومات ونزاعات بنفسه أو من ينوب عنه ممن يُعيِّنهم من الولاة والقضاة.
3. يحكم القاضي بالظاهر من الأدلة والبراهين "فأقْضِي على نَحْوِ ما أسْمَعُ".
4. الحكم إن بني على الظاهر لم يُؤاخَذ القاضي بما حكم وإن كان خلاف الحق عند الله.
5. لا يحكم القاضي بعلمه وإن تيقن منه، ما لم يستند إلى دليل قاطع.
6. وجوب سماع القاضي من طرفي الخصومة.
7. ما يقضي به القاضي من غير هوى ولا حيف وفقا للأصول قد يخالف عين الحق الباطن، وإن قضاء القاضي لا يحلل للمبطل ما قضى له به ويبقى حراما في حقه.
8. قد يحوز الإنسان شيئا بحكم قضائي ولكن لا يحل له في دين الله، والعكس صحيح، وإبراء الذمة في الآخرة بأداء الحق الذي يعلم الإنسان أنه حق عند الله.
9. مشروعية طلب استئناف الأحكام القضائية وإعادة النظر فيها لظن وجود خطأ عند القاضي في استخراج الحكم، ولا يعد ذلك صورة من صور رد الحكم بما أنزل الله.
10. حسن البيان لا يقلب الحق باطلا ولا الباطل حقا عند الله.
11. حقوق العباد لا تسقط بالخطأ في الحكم القضائي.
12. إثم من استخدم فنون الكلام أو حرَّف معاني الألفاظ أو تلاعب بالأدلة الشرعية أو المادية ليحق باطلا أو يبطل حقا.
13. يعظ القاضي المتخاصمين ويذكرهم بالله وبعاقبة الظلم.
14. مشروعية مهنة المحاماة إن كانت لتحقيق الحق، والإثم العظيم لمن سخرها لإبطاله.

الفوائد العقائدية:

  1. النبي صلى الله عليه وسلم بشر، ومرسل من عند الله، ومعصوم فيما يتعلق بالتبليغ، ومعصوم من الكبائر، ولا يقره الوحي على الصغائر إن وقعت (عبس وتولى)، ويجتهد ولا يقره الوحي على الاجتهاد الخاطئ (أسرى بدر).
  2. عدم قضاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالوحي، إذ لو فعل لبطل القضاء من بعده، فكان قضاؤه بالبينات والبراهين ليكون تشريعا من بعده للقضاة، كمثل سهوه في الصلاة ليكون سجود السهو تشريعا للمصلين.
  3. عدم قضاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالوحي، وإلا لعاقب المنافق الذي تولى كبر قذف أم المؤمنين عائشة، فهو لم يحده حد القذف لعدم ثبوت التهمة عليه بالبينات والشهادات، وإن ثبتت بإخبار الوحي.
  4. النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب، وإلا لقضى لصاحب الحق بدون أن يسمع حجة كل منهما، إلا ما إراد الله أن يطلعه عليه كعلامات آخر الزمان وغيرها.

الفوائد العامة: 

1. شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته ورحمته بهم إذ دلهم على ما فيه نجاتهم يوم القيامة.
2. تواضع النبي صلى الله عليه وسلم وخفض جناحه لأمته، "إنما أنا بشر".
3. أثر الإيمان باليوم الآخر في ضبط سلوك الفرد والمجتمع المسلم.
4. تحريم الظلم بجميع أشكاله وصوره في كل شيء، صغيرا كان أم كبيرا، نفيسا كان أم حقيرا، (من التبعيضية "مِن حَقِّ أخِيهِ").
5. وجوب رد المظالم إلى أهلها قبل أن يأتي يوم يقتصُّ فيه الله للمظلوم من الظالم (راجع فوائد الحديث رقم 2: أتدرون من المفلس؟).
6. عزاء المظلوم في الدنيا أن الله لن يضيعه وأن ظالمه وإن أفلت في الدنيا فلا مهرب له يوم القيامة.
7. تصديق قول الله تعالى: (وكان الإنسان أكثر شيء جدلا) .
8. أهمية تعلم الفصاحة وعلوم البيان في الإقناع وعرض الأفكار والدفاع عن الحقوق المشروعة (إن من البيان لسحراً) .
9. شمول الشريعة لكافة جوانب الحياة وعلى رأسها الحكم والتقاضي، وهو إبطال لمن يزعم أنها عبادات وأخلاق فحسب.
10. إن كان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب ولا يحكم به، فكيف بمن يلجأ للكهنة والعرافين والمشعوذين ويبني أحكاما على دجلهم.
11. التأكيد على بقاء الأخوة الإيمانية رغم الخصومة القضائية "فمَن قَضَيْتُ له مِن حَقِّ أخِيهِ شيئًا".
12. وجوب استشعار مراقبة الله عز وجل على الدوام.
13. التفاوت والاختلاف بين الناس في قدراتهم وإمكاناتهم وسماتهم الشخصية سنة الله في خلقه.

الفوائد الأصولية: 

  1. أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وما يقع منها على جهة التشريع وما يقع منها على جهة العادة، من أهم مسائل أصول الفقه وأدقها.
المقال السابق