1. المقالات
  2. تدبر حديثًا
  3. الحديث الرابع والعشرون: (صبر أم سُلَيم وأبي طلحة)

الحديث الرابع والعشرون: (صبر أم سُلَيم وأبي طلحة)

تحت قسم : تدبر حديثًا
285 2020/08/11 2020/11/23
الحديث الرابع والعشرون: (صبر أم سُلَيم وأبي طلحة)

روى الشيخان وآخرون، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ:

كَانَ ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ يَشْتَكِي، [وَتَوَاضَعَ أَبُو طَلْحَةَ لِمَرَضِهِ أَوْ تَضَعْضَعَ لَهُ]، فَخَرَجَ أَبُو طَلْحَةَ فَقُبِضَ الصَّبِيُّ، [فَقَامَتْ أُمُّ سُلَيم، فَغَسَّلَتْهُ، وَكَفَّنَتْهُ وَحَنَّطَتْهُ وَسَجَّتْ عَلَيْهِ ثَوْبًا، وَقَالَتْ: لَا يَكُونُ أَحَدٌ يُخْبِرُ أَبَا طَلْحَةَ حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّذِي أُخْبِرُهُ]، فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو طَلْحَةَ [وَمَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ مِنْ أَصْحَابِهِ] قَالَ: مَا فَعَلَ ابْنِي؟ قَالَتْ أُمُّ سُلَيم: هُوَ أَسْكَنُ مَا كَانَ،[وَظَنَّ أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهَا صَادِقَةٌ] فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ الْعَشَاءَ فَتَعَشَّى، [وفي رواية: فَتَعَشَّوْا وَخَرَجَ الْقَوْمُ] [فَتَطَيَّبَتْ لَهُ وَتَصَنَّعَتْ لَهُ] [أَحْسَنَ مَا كَانَ تَصَنَّعُ قَبْلَ ذَلِكَ] ثُمَّ أَصَابَ مِنْهَا، فَلَمَّا فَرَغَ [َبَاتَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ اغْتَسَلَ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَعْلَمَتْهُ] [قَالَتْ: يَا أَبَا طَلْحَةَ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا أَعَارُوا عَارِيَتَهُمْ أَهْلَ بَيْتٍ فَطَلَبُوا عَارِيَتَهُمْ، أَلَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُمْ ؟ قَالَ: لَا] [بَلْ يَرُدُّونَهَا عَلَيْهِمْ] [قَالَتْ: فَإِنَّ ابْنَكَ كَانَ عَارِيَّةً مِنَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى] [احْتَسِبْ أَبَا عُمَيْرٍ] قَالَتْ: وَارِ الصَّبِيَّ، [فَغَضِبَ وَقَالَ: تَرَكْتِنِي حَتَّى تَلَطَّخْتُ ثُمَّ أَخْبَرْتِنِي بِابْنِي !] [فَاسْتَرْجَعَ، وَحَمِدَ اللهَ] فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبُو طَلْحَةَ أَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: أَعْرَسْتُمُ اللَّيْلَةَ؟ [وفي رواية: فَبِتُّمَا عَرُوسَيْنِ وَهُوَ إِلَى جَنْبِكُمَا] قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمَا. فَوَلَدَتْ غُلَامًا، قَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: احْفَظْهُ حَتَّى تَأْتِيَ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [فَوَجَدْتُهُ يَهْنَأُ أَبَاعِرَ لَهُ أَوْ يَسِمُهَا] وَأَرْسَلَتْ مَعَهُ بِتَمَرَاتٍ، فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: أَمَعَهُ شَيْءٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ، تَمَرَاتٌ، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَضَغَهَا، ثُمَّ أَخَذَ مِنْ فِيهِ فَجَعَلَهَا فِي فِي الصَّبِيِّ وَحَنَّكَهُ بِهِ، وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللهِ، [فَمَا كَانَ فِي الْأَنْصَارِ شَابٌّ أَفْضَلَ مِنْهُ]

الرواية مجمعة من البخاري 1301 و5470، مسلم 2144، مسند الطيالسي 2168، المسند 12210 و14281، صحيح ابن حبان 7188

المعاني: 

تَوَاضَعَ: انكسرت نَفْسه.

تَضَعْضَعَ: أصابه الحزن وضعف جسمه.

فَقُبِضَ: مات.

وَحَنَّطَتْهُ: وضعت له طِيبا مخصصا للأموات اسمه الحنوط.

وَسَجَّتْ: غطته وسترته.

فَتَطَيَّبَتْ: وضعت عطرا.

تَصَنَّعَتْ: تجمَّلت بالحلي والتعطر.

أَصَابَ مِنْهَا: جامعها.

أَعَارُوا عَارِيَتَهُمْ: أعطوا أشياء لهم على وجه التسليف.

يَمْنَعُوهُمْ: يمنعوا رد ما استعاروه.

وَارِ الصَّبِيَّ: ادفنه.

تَلَطَّخْتُ: أصابتني الجنابة بالجماع.

فَاسْتَرْجَعَ: قال كلمة "إنا لله وإنا إليه راجعون".

أَعْرَسْتُمُ: هل جامعت امرأتك؟

يَهْنَأُ: يطليها بالقطران ليحميها من الأمراض.

أَبَاعِرَ: جمع بعير وهو الجمل.

يَسِمُهَا: يضع عليها سِمَة، وهي العلامة.

حَنَّكَهُ: دلك به سقف الفم من داخله.


الفوائد ( 46 فائدة)

فوائد في الصبر: 

1. وقوع الحزن للنفس البشرية عند فقد الأحباب فطرة إنسانية ولا طاقة لأحد أن يدفع وقوع ذلك ابتداء، لكن يتم ضبطه والسيطرة عليه بالتزام شرع الله والصبر والتسليم لقضاء الله وقدره.

2. من ترك شيئًا لله تعالى وآثر ما ندب الله إليه وحض عليه من جميل الصبر معوَّضٌ خيرًا من ما فاته.

3. التلطف والتمهيد بضرب المثال تهيئة للإخبار بمصيبة أو بما يُحزن.

4. الصبر الذي يُؤجر عليه العبد فور نزول المصيبة كما قال صلى الله عليه وسلم: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى".

5. الحمد والاسترجاع (قول: إنا لله وإنا إليه راجعون) عند المصائب والشدائد.

6. الرضا بأقدار الله المؤلمة والأجر على عظم البلاء وفي الحديث: "لايزال الرجل يبتلى في نفسه وأهله وماله حتى يخرج من الدنيا كيوم ولدته أمه".

7. تسلية المصاب عند فقد الولد، وربما أن قصة أو مثلا يمكن أن تكون عزاء وقدوة لمن ابتلي.

8. "يشتكي" جواز توجع المريض وإخبار الأهل عن حال مريضهم، وأن ذلك لا ينافي الصبر والرضا بأقدار الله، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان يشتكي: "وارأساه".


فوائد في التحنيك: 

1. هو أخذ شيء يسير من التمر إن وجد أو مادة حلوة كالعسل أو الفاكهة، ويمضغ حتى يلين، ويدلك حنك المولود به (سقف فمه) عقب ولادته وقبل أن يرضع.

2. هو عادة معروفة من قبل الإسلام، وصارت سنة فعلية بالإجماع بعد أن عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال بالخصوصية النبوية بعض أهل العلم وهو مرجوح.

3. لها فوائد طبية منها حث الطفل بمادة سكرية على تعويد عضلات الفم على الامتصاص.

4. يجتمع في تحنيك النبي صلى الله عليه وسلم أمران هما التحنيك والتبرك بريقه، والتبرك بالريق ليس لأحد بعده مطلقا.

5. يمكن لأي أحد القيام بها مع المولود في أول ولادته فإن فات ذلك التوقيت فلا تشرع ولا فائدة طبية منها.

*الفوائد الفقهية: -*

1. المسارعة إلى تغسيل الميت وتكفينه ودفنه في أقرب وقت.

2. بوب البخاري للحديث فقال: باب من لم يُظهر حزنه عند المصيبة، وفيه جواز الأخذ بالشدة، وترك الرخصة لمن قدر عليها، والثواب الجزيل على ذلك.

3. جواز التعريض في الكلام لتجنب الكذب، وهو إطلاق كلام على وجهين محتملين، ويكون غاية المتكلم منه أن يُفهم السامع خلاف ما يقصده، ودليله تعريض أم سُلَيم رضي الله عنها بقولها: "هو أسكن ما كان"، فقد أرادت أن الولد مات وصاغت كلامها بحيث يُفهم أنه نائم وهي تقصد موته، وفي الأثر الموقوف على عمران بن حصين: "إن في المعاريض مندوحة عن الكذب"، وعليه بوب البخاري بقوله: كتاب الأدب، باب المعاريض مندوحة عن الكذب.

4. حرمة التعريض في الكلام إن أبطل حقا أو أثبت باطلا.

5. جواز إخفاء خبر الموت إذا دعت المصلحة لذلك ثم يُبين الخبر في الوقت الملائم.

6. للمرأة التطيب لزوجها ولو مات لها أقرب قريب، خلافا لموت الزوج فالحداد عليه، ومنه عدم التطيب لمدة أربعة أشهر وعشرا.

7. "بات، فلما أصبح اغتسل" فيه جواز تأخير غسل الجنابة إلى ما قبل أداء صلاة الفريضة، والسنة لمن أراد تأخير الغسل أن يتوضأ.

9. استحباب تسمية المولود باسم جميل، وأجملها عبد الله وعبد الرحمن، وقد روى مسلم قوله صلى الله عليه وسلم: "أحب الأسماء إلى الله تعالى عبد الله، وعبد الرحمن" .

10. جواز تسمية المولود في أول يوم من ولادته، ولا يلزم أن تؤخر التسمية إلى اليوم السابع مع العقيقة، ولا حرج أيضا في اختيار الاسم قبل الولادة فالأمر فيه سعة.

فوائد حول شخصية أم سُلَيم: 

1. قوة نفسيتها حتى أنها استطاعت تغسيل ولدها وتكفينه بنفسها، وتمكنت من ضبط أهل بيتها وترشيد سلوكهم في المصيبة.

2. شدة رضاها عن الله رغم مصابها، فلم يُسمع لها صراخ ولا نواح ولا جزع.

3. عظم صبرها، فرغم وفاة ولدها تصنع العشاء لزوجها وضيوفه ثم تتجمل لزوجها أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك، ولا تخبره بالوفاة حتى يبيت ويصبح. 

4. بيان حالها من التجلُّد، وجَودة الرأي، وقوة العزم، وكانت رضي الله عنها تشهد القتال، وتقوم بخدمة المُجاهِدين، إلى غير ذلك مما انفردَت به عن معظم النِّسوة.

5. تحريها الصدق في كلامها، واستخدامها المعاريض لتتجنب الكذب. 

6. كرمها وعدم اعتراضها على زوجها لدى إحضاره ضيوفا رغم مرض ولدها، وصناعتها للعشاء بنفسها له ولأضيافه.

7. ما ذكرت من تشبيه عن الجيران وعاريتهم، يفيد استحضارها الدائم للإيمان بان أرواحنا أمانة ومرجعنا جميعا إلى الله عز وجل.

الفوائد العامة: 

1. الأولاد قرة العيون وفلذات الأكباد وزينة الحياة.

2. الحديث فيه شرح لبعض جوانب قوله صلى الله عليه وسلم: "الولد محزنة، مجبنة، مجهلة، مبخلة".

3. انكسار الرجل من أجل أولاده لمرضهم، وخاصة الصغير منهم دليل على شفقة ورحمة عظيمة، وفي الحديث: "الراحمون يرحمهم الرحمن".

4. رحمة الأب الجبلية بأولاده، فكان سؤال أبي طلحة عن ابنه أول ما فعل عندما أتى بيته.

5. من حق الزوج على زوجته أن يجد طعاما مجهزا له بعدما عمل وكدح طول يومه.

6. مرض بعض القرابة لا يمنع الرجل من أداء صلاة الجماعة طالما وجد من يقوم عليه.

7. كرم أبي طلحة رضي الله عنه والإتيان بأضيافه وعدم اعتذاره منهم رغم مرض ابنه الشديد، امتثالاً للحديث: "أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام".

8. لا حرج أن تبادر المرأة إلى دعوة زوجها بالتجمل والإشارة وإن لم يكن له حاجة ابتداء، وأنه لا ينقص قدر المرأة ولا يشين كرامتها.

9. الكناية عن الأمور التي يستحيا من ذكرها صريحة، فقوله: "أصاب منها"، وقوله تعالى:

(أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ)

(النساء: 43)

، كنايات عن الجماع.

10. عادة أهل المدينة بتحنيك الولد.

11. "قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمَا" أصابت بركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أبا طلحة وأم سُلَيم، وابنهما وأحفادهما.

12. بركة تحنيك النبي صلى الله عليه وسلم للصبي بتمر ممزوج بريقه.

13. عبد الله بن أبي طلحة، المولود الذي دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لوالديه بالبركة وحنكه بعد ولادته، هو والد إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الفقيه، وإخوته كانوا عشرة كلهم حمل عنه العلم، وإسحاق ولد عبد الله هو شيخ الإمام مالك صاحب الموطأ.

14. عناية الشريعة بالأطفال منذ الولادة من الجوانب البدنية والنفسية كافة.

15. اختيار الزوجة الصالحة، فأم سُلَيم هي من صبَّرت زوجها ودعته للحمد والاسترجاع بالقصة التي روتها له.

16. تواضع النبي صلى الله عليه وسلم بأن تولى وسم البهائم بنفسه، وهو حاكم المسلمين وسيد المرسلين، ولم يُنب أحدا للقيام بذلك.


المقال السابق المقال التالى
موقع نصرة محمد رسول اللهIt's a beautiful day