1. المقالات
  2. من وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم
  3. إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ

إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ

الكاتب : الدكتور/ محمد بكر إسماعيل
235 2018/11/06 2020/08/08
المقال مترجم الى : English हिन्दी اردو

 

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه: عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ" قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ نَتَحَدَّثُ فِيهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ" قَالُوا وَمَا حَقُّ الطريق قَالَ: "غَضُّ الْبَصَرِ وَكَفُّ الْأَذَى وَرَدُّ السَّلَامِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ". 

*     *     *

من الآداب التي يحرص الإسلام على نشرها بين الناس آداب المجالس، وقد تقدم الكلام عن بعضها، وفي هذا الحديث تتمة لها، وبيان لحق الطريق إذا اضطر المسلمون للجلوس فيها.

 

وقوله صلى الله عليه وسلم: "إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ" تحذير من اتخاذها مجالس لما يترتب على ذلك من ضرر لهم وللمارة؛ فإن الجلوس فيها ينشأ عنه النظر المحرم للغاديات والرائحات، والنظر إلى أصحاب العيوب فيؤدي ذلك إلى السخرية منهم والاستهزاء بهم ومعايرتهم ونحو ذلك من الأمور التي لا تليق بمسلم.

 

ويؤدي الجلوس عليها إلى تضيقها على المارة وحبس حريتهم في الذهاب والإياب، ولا سيما النساء والأطفال.

 

على أن الجلوس على الطرقات في حد ذاته يخل بالمروءة، ويذهب الحياء فلا نجد من يجلس في الطريق إلا حثالة الناس وعالتهم، والجهلة منهم.

 

لكن لا بأس على المضطر أن يجلس على قارعة الطريق أو في أي مكان منها لأن الضرورات تبيح المحظورات.

 

ولهذا قالوا: "يا رسول الله، مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ نَتَحَدَّثُ فِيهَا"، وهم لا يعنون بهذا أن يعارضوا الرسول صلى الله عليه وسلم في نهيه هذا؛ ولكنهم أرادوا أن يجعل لهم مخرجاً مما لا بد لهم منه.

وقد أراد النبي صلى الله عليه وسلم بهذا التحذير أن يعلمهم آداب الطريق، فهو يعرف أنهم في حاجة إلى الجلوس فيها لضيق مساكنهم.

 

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ"؛ ليسألوه عن حق الطريق، فهو تمهيد لبيان ما يجب عليهم، أو ما يستحب لهم فعله إذا اضطروا إلى الجلوس في الطرقات، فسألوه: "وَمَا حَقُّ الطريق يَا رَسُول الله؟" وأرهفوا السمع إليه لشدة حرصهم على العلم والتلقي، فقال عليه الصلاة والسلام: "غَضُّ الْبَصَرِ وَكَفُّ الْأَذَى وَرَدُّ السَّلَامِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ". 

 

فهذه خمسة حقوق ينبغي أن نقف عند كل حق منها وقفة، والله المستعان.

*     *     *

الحق الأول: "غَضُّ الْبَصَرِ": أي كفه عن النظر إلى ما حرم الله النظر إليه.

 

وليس معنى الغض الإغماض، وإنما معناه التغاضي عمن يمر به، أو يمر عليه ممن لا يباح النظر إليه، بمعنى أنه إذا أبصر امرأة أجنبية مثلاً وجب عليه أن يتغاضى عنها، ويشغل نفسه بشيء آخر من المباحات ولا يستحضر ذكرها في قلبه، ولا يفكر في إعادة النظر إليها حتى لا يُصاب بما يصاب به أولئط المشغولون بالنظر إلى الغاديات والرائحات ويقعدون في الطرقات من أجل ذلك.

 

وما يقال للرجل يقال للمرأة، فإنها تشتهي منه ما يشتهي منها، وقد أمرهما الله – عز وجل – بغض البصر، كل نوع على حدة، فقال – جل شأنه – في سورة النور: { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ... الآية } (سورة النور: 30- 31).

 

وقد روى الترمذي في سننه عن بريدة – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يَا عَلِيُّ لَا تُتْبِعْ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّمَا لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ".

 

وذلك لأن الأولى غالباً ما تقع عرضاً من غير إعمال فكر ولا انتظار، فلا يلام عليها حينئذ؛ ولكن يلام على ما بعدما، والدين يسر.

 

وروى مسلم في صحيحه عن جرير – رضي الله عنه قال: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نَظْرَةِ الْفَجْأَةِ فَقَالَ "اصْرِفْ بَصَرَكَ"، أي حوله إلى شيء آخر، وتحويل البصر لا بد أن يتبعه تحويل القلب، وإلا فإن القلب سيبعث البصر رسولاً مرة أخرى كما سيأتي بيانه. والنطر بريد الزنا، ومقدمة من مقدماته، كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنْ الزِّنَا مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ: الْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ أَوَ يُكَذِّبُهُ".

 

قال ابن القيم في الجواب الكافي: "والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان، فإن النظرة تولد الخطرة، ثم تولد الخطرة فكره، ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة، ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة، فيقع الفعل ولابد ما لم يمنع منه مانع، ومن هذا قيل: الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده".

 

ولهذا قال الشاعر:

كل الحوادث مبدؤها مـــن النظر              ومعظم النار مـن مستصغر الشرر

كم نظرة بلغت في قلب صاحبها               كمبلغ السهــم بيــن القــوس والوتر

والعبــد ما دام ذا طــرف يقلبــه                في أعين العين موقوف على الخطر

يسر مقلتــه مــا ضــر مهجتــه                لا مــرحباً بســرور عــاد بالضــرر

 

وللنظر إلى الحرام آفات كثيرة منها:

1- أنه يورث الحسرات ويتعب القلب بما يعتريه من شعور باليأس، والحرمان من المنظور إليه، فلا يجد له سبيلاً إلى ما نظر إليه للنيل منه، ولا هو بقادر على بعده عنه بعد أن حفر له في قلبه مكاناً.

 

 

قال الشاعر

وكنت إذا أرسلت طرفك رائداً

                        لقلبك يوما أتعبتك المناظر

رأيت الذي لا كله أنت قادر

                        عليه ولا عن بعضه أنت صابر

 

2- ومنها أن البصر رسول القلب إذا نظر إلى محرم أرسل إليه يخبره بما رأى، فيشغله عن ذكر الله بشيء لو ظل يذكره يذهب إيمانه شيئاً فشيئاً حتى يتلاشى، والعياذ بالله تعالى.

 

3- وإذا استفحل النظر إلى النساء الأجنبيات قسا القلب وساء الخلق، وحل اللؤم محل الحلم، وذهبت المروءة فلم يبق لها أثر، وتحول الناظر إلى عربيد أثيم، وربما أدى به هذا إلى الوقوع في أفحش الفواحش، وربما فقد إيمانه إلى الأيد.

 

فعلى كل من كان هذا داؤه أن يتوب إلى الله توبة نصوحاً، ويكثر من الاستغفار بالليل والنهار عسى الله أن يعفو عنه ويتوب عليه.

 

هذا وفوائد غض البصر كثيرة:

أولها: أنه امتثال لأمر الله الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده، وليس للعبد في دنياه وآخرته إلا بامتثال أوامره، وما شقى، من شقى في الدنيا والآخرة إلا بتضييع أوامره.

 

ثانيها: أنه يمنع من وصول أثر السهم المسموم الذي قد يكون فيه هلاكه إلى قلبه.

 

ثالثها: أنه يورث القلب أنساً بالله واتصالاً به، فإن إطلاق البصر يفرق القلب ويشتته ويبعده عن الله، وليس على العبد شيء أضر من إطلاق البصر؛ فإنه يوقع الوحشة بين العبد وبين ربه.

 

رابعها: أنه يقوي القلب ويفرحه، كما أن إطلاق البصر يضعفه ويحزنه.

خامسها: أنه يكسب القلب نوراً، كما أن إطلاقه يكسبه ظلمة.

 

ولذلك ورد الأمر بغض البصر في سورة النور، وجاء في السورة بعد هذا الأمر قوله تعالى: { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ ...الآية } (سورة النور: 35) – أي مثل نوره في قلب عبده المؤمن الذي امتثل أوامره واجتنب نواهيه.

 

وإذا استنار القلب أقبلت وفود الخيرات إليه من كل جانب، كما أنه إذا أظلم أدبرت وقود الخيرات إليه من كل جانب، كما أنه إذا أظلم أقبلت إليه سحائب البلاء والشر من كل مكان.

 

سادسها: أنه لا يورث الفراسة الصادقة التي يميز بها بين المحق والمبطل والصادق والكاذب.

 

وكان شاه بن شجاع الكرماني يقول: "من عمر ظاهره بترك الشهوات واعتاد أكل الحلال  لم تخطئ له فراسة"، وكان شجاع هذا لا تخطئ له فراسة.

 

والله سبحانه يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراًمنه، فإذا غض بصره عن محارم الله عوضه الله بأن يطلق نور بصيرته عوضاً عن حبسه بصره لله، ويفتح له باب العلم والإيمان والمعرفة، والفراسة الصادقة المصيبة التي إنما تنال ببصيرة القلب.

 

سابعها: أنه يفرغ القلب للتفكير في مصالحه والاشتغال بها، وإطلاق البصر ويشتت ذلك ويحول بينه وبينها، فتفرط أموره ويقع في اتباع هواه وفي الغفلة عن ذكر الله.

 

قال تعالى: { وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا } (سورة الكهف: 28) وإطلاق النظر يوجب هذه الأمور الثلاثة جميعها.

*     *     *

وأما الحق الثاني من حقوق الطريق فهو كف الأذى، وهو أعم من الأول فإنه يتناول بعمومه غض البصر وغيره مما يتأذى منه الناس، كتضييق الطريق على المارة، وإزعاج الناس بارتفاع الأصوات، وإحراج الغاديات والرائحات من النساء كما أشرنا، وما يتركه وراءهم بعد انصرافهم من مجالسهم، وما يحدث في هذه المجالس – على الطرقات أيضا – مما لا يخفى على من جرب ذلك بسبب اختلاط السفهاء بالعقلاء، والصغار بالكبار، وربما يكون الجلوس عليها سبباً في إغلاقها أو تشديد الرقابة عليها، وهو الأمر الذي يضر بالسكان عن يمين الطريق وشماله.

 

وإزاحة الأذى من الطريق شعبة م شعب الإيمان، كما جاء في الحديث الصحيح: "الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةٌ إِلَّا أَعلَاهَا لَا إِلَهَ اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ".

 

والأذى كلمة تطلق ويراد بها القليل من الضرر كما في قوله تعالى: { لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ } (آل عمران: 111). 

 

وقد يطلق الأذى على القليل والكثير معاً كقوله تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى } (سورة البقرة: 222).

 

فمنهم من قال: أي هو قدر ينبغي التنزه عنه، فيكون من قبيل الضرر القليل.

 

والأطباء أثبتوا للحيض أضراراً جسيمة، ولهذا فسروا الأذى بالضرر الذي لا يُطاق. والكلمة إنما تفسر بحسب السياق الذي وردت فيه.

 

ورب أذى قليل لا يعبأ المرء به ينشأ منه ضرر كثير، كقشرة الموز مثلاً إذا وضعت في طريق الناس، فقد تكون سبباً في كسر رجل إنسان فيعجز عن المسير، ويقعد عن العمل.

 

والإسلام يأمر بالعدل والرحمة، وهما صنوان متلازمان لا بفترقان، فمن العدل أن لا يخلف الإنسان وراءه أذى بعد انصرافه من مجلسه، بل يتلاشى ذلك قبل مجلسه وأثناءه وبعده.

ومن الرحمة ألا يجلس المرء على الطرقات إلا إن دعت الضرورة لذلك حتى لا يقع منه أذى.

*     *     *

وأما الحق الثالث فهو رد السلام على من ألقى عليه السلام.

 

فإن كانوا جماعة ورد واحد منهم كفى، لقوله تعالى: { وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } (سورة النساء: 86).

 

وإلقاء السلام سنة مؤكدة، ورده فرض، وله أحكام ذكرتها في الفقه الواضح.

 

والسلام معناه الأمان، فأنت عندما تقول: السلام عليكم، فمعناه: الأمان من الله عليكم، فيقول من سلمت عليه: وعليكم السلام – بالواو – أي: عليَّ وعليك السلام. والمستحب أن تقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته؛ ليكون ثوابك أكثر.

 

وإذا سلم عليك غير المسلم فلا بأس أن ترد عليه السلام عند جمهور أهل العلم، كما ذكر القرطبي وغيره عند تفسير قوله تعالى في سورة مريم: { قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي } (سورة مريم: 47)  فإن إبراهيم عليه السلام قال ألقي السلام على أبيه وهو كافر، وهذا أحد الأدلة التي استدل بها الجمهور على جواز إلقاء السلام على الكافر ورده.

 

وقد استدلوا أيضاً بعموم قوله تعالى: { وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } (سورة النساء: 86).

 

وبعموم قوله تعالى: { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } (سورة الممتحنة: 8).

 

وأما الأحاديث التي جاء فيها الاقتصار على قوله: وعليكم – فقط – فهو خاص باليهود والذين كانوا يتلاعبون باللفظ ويقولون: السام عليكم.

 

وأنا استفتيك أيها الأخ المسلم في هذه المسألة فأقول لك: لو أنك تزوجت امرأة من أهل الكتاب – وقد أحل الله نكاحها – فماذا تقول لها لو دخلت عليها أو دخلت عليك مسلمة؛ هل تقول لها: وعليكم؟. إنه إذا جفاء ما بعده جفاء، أم تقول لها: أهلاً وسهلاً ومرحباً، أو سعيدة أو ما أشبه ذلك؟. إنك إذا تكون قد خالفت أصول التحية.

 

وكيف لو سلم عليك أبوها أو أخوها، ثم كيف لو دعاك أهل الكتاب إلى طعامهم – وقد أحل الله لنا طعامهم – فبماذا تحييهم؟ وكيف لو بادروك بتحية الإسلام، هل من اللياقة والعقل أن تقول: وعليكم؟.

 

أعلم – يا أخي – أن أخذ الحكم من دليل واحد أو مجموعة أدلة من غير نظر إلى ما هنالك من أدلة أخرى معارضة، أو ما هنالك من عموم وخصوص، أو دون النظر إلى ما مناسبة الدليل، أو الظروف الزمانية والمكانية وغير ذلك مما يضعه المجتهد نصب عينيه عند الفتوى – جهل بقواعد الفقه وأصوله.

 

فتأمل ذلك وأخرج من تعصبك البغيض وتقليدك الأعمى لفلان وفلان من الناس، ولا يقتصر على أخذ العلم من مصدر واحد، ولا تعرف الحق بالرجال، ولكن اعرف الحق تعرف أهله، وبالله توفيقك.

*     *     *

والحق الرابع والخامس من حقوق الطريق: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد تقدم الكلام فيه فلا نعيده هنا ولكن يكفي أن نقول: إن الجالس على الطريق سيتعرض لمساوى كثيرة، وسيرى مناظر لا تسوه، ويسمع كذلك ما يمجه سمعه، فلابد أن يأمر بالمعروف الذي ترتضيه العقول السليمة، ويقره الشرع الحكيم، ولا بد أن ينهي عن المنكر، وهو كل ما أنكرته الطباع السليمة، وخالف الشرع، ولم يجر على قواعد المروءة والحلم.

 

وبعد فهذا ما وسعني إملاؤه في شرح هذه الوصية السامية، وسيأتي في الأحاديث القادمة ما يزيدك فيها علماً وفقهاً.

والله هو الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

*     *     *

 

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم

موقع نصرة محمد رسول اللهIt's a beautiful day