لَا تَنْسَنَا يَا أُخَيَّ مِنْ دُعَائِكَ

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل

 
عَنْ عُمَرَ بِنْ الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعُمْرَةِ فَأَذِنَ لِي، وَقَالَ: "لَا تَنْسَنَا يَا أُخَيَّ مِنْ دُعَائِكَ".
فَقَالَ كَلِمَةً مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي بِهَا الدُّنْيَا.
 وَفِي رواية قَالَ: "أَشْرِكْنَا يَا أُخَيَّ فِي دُعَائِكَ".
كان أصحاب النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستشيرونه في أمورهم كله إذا لم يجدوا نصاً من كتاب الله تعالى أو نصاً جرى على لسانه – صلوات الله وسلامه عليه – يريهم وجه الصواب فيما يفعلون، وفيما يذرون؛ فكان الرجل إذا أراد سفراً استشاره في ذلك، وإذا أراد نكاحاً أخبره بما أراد؛ لعله يشير عليه أو يدعو له بخير.
 
وهذا أدب تخلقوا به وكان دافعهم في ذلك توقيره والإعلان عن حبه وتقدير رأيه وانتظار نصحه وترشيده وتوجيهه إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم في دار الدنيا والآخرة.
 
ولقد أثنى الله عليهم في هذا الأدب ثناءً حسناً فقال جل شأنه: { إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } (سورة النور: 62).
 
وهذا هو عمر بن الخطاب يجيء إليه مستئذناً في العمرة، وهو من أحب الناس إليه بعد أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لعله يشير عليه بما يراه حزماً وعزماً، أو ينصحه فيما ينفعه في دينه ودنياه، أو يدعو له بخير كما هو شأنه دائماً مع أصحابه الكرام البررة.
 
فيدعو النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ له بما شاء الله أن يدعو به ويقول له كلمة يودعه بها فتكون هذه الكلمة أحب إليه من الدنيا وما فيها.
 
وهذه الكلمة وصية خاصة لعمر في حينها، وعامة لجميع المسلمين بالتبعية – كما سيتضح لنا – في الشرح والتحليل.
 
وهذه الكلمة تدل على منتهى التواضع الذي تحلى به هذا النبي الكريم، أشرقت بنورها في قلب عمر فتهلل وجهه واستبشر خيراً، وكاد يطير من شدة الفرح والسرور، وصدق فيه قول الشاعر:
 
لقــد زادنــي فرحـــاً وتيهـــا               وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي                وأن صيـرت أحمـد لي نبياً
 
وتدل هذه الكلمة أيضاً على تعميق الأخوة الإسلامية بين الرئيس والمرءوس، وبين الأستاذ والتلميذ، وبين كل من تجمعهم صلة الإيمان، أو رابطة النسب والمصاهرة.
 
لقد كان عمر يحب النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر من حبه لنفسه؛ فقد قال له يوماً "يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي" فَقَالَ لَهُ الرسول الكريم – صلوات الله عليه وسلامه – : "لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ"، فَقَالَ عُمَرُ :"فَإِنَّهُ الْآنَ وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي" فَقَالَ الْآنَ يَا عُمَرُ".
 
أي أنت الآن عندي كامل الإيمان؛ إذ ليس وراء ذلك الحب من مطلب.
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ له وهو ماض في طريقه إلى العمرة: "لَا تَنْسَنَا يَا أُخَيَّ مِنْ دُعَائِكَ"، وهي كلمة فيها من الملاطفة والمجاملة ما فيها.
 
إنها كلمة بر ووفاء ممن اجتمعت فيه شمائل البر كلها، تلقاها عمر ولم يكن يتوقعها؛ لاحتقاره لنفسه وتواضعه لله ولرسوله، ولكنها جاءته من قلب كبير فملكت عليه مشاعره وملأت أرجاء قلبه، فتفجرت ينابيع الحب الساكن في جنباته، وأحس بسكينة غامرة لم يكن يجد لها مثيلاً قبل ذلك، فانبعث إلى مكة بقوتها ومشى على نورها، وكانت له زاداً روحياً في ذهابه وإيابه، بل كانت له زاداً روحياً في عمره كله.
 
إنها كلمة وداع مصحوبة بوصية فيها خير له في دينه ودنياه.
 
وكثيراً ما تكون كلمات الوداع قصيرة جامعة لحكم بالغة، ووصايا مهمة.
فماذا يريد النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهذه الكلمة؟!
 
هل يريد منه الدعاء فعلاً؟ أم يريد أن يؤنسه بها ليظل موصول القلب به كأنه حاضر معه في المدينة، وجالس عنده يسمعه ويراه؟ أم كان يريد أن يعلمه ما يقول لمن أراد العمرة أو الحج؟
 
 
كل ذلك محتمل.
 
ولا يخفى علينا ما في التصغير من ملاطفة وإكبار، فقد قال له: "يَا أُخَيَّ".
 
وهل كان الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حاجة إلى دعاء عمر؟ّ!
 
أقول نعم؛ لأن الدعاء مخ العبادة وفيه خير عظيم للداعي والمدعو له، ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يرجو من فضل الكثير والكثير.
 
ولما كان فضل الله لا يحد بحد لم يقف رجاء الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند حد.
 
ولهذا أمرنا الله أن نصلي ونسلم عليه كثيراً في صلاتنا، ومجالسنا، وفي كل مكان طاهر نذهب إليه، وكلما ذكرناه أو سمعنا اسمه؛ فقال جل شأنه: { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } (سورة الأحراب: 56).
 
وقد أمرنا النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأن ندعو له في مواطن كثيرة وأوقات مختلفة؛ فقال فيما قال: "إِذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ شَّفَاعَتِي". 
 وقال أيضاً: "مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَّفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
 
الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان واثقاً من وعد ربه بأن له الوسيلة، ولكن أمرنا بأن ندعو له بها لتنال شفاعته ونشاركه في الأجر.
 
وفي دعائنا للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تشريف لنا، وتعظيم لشأننا، وتعبير عن حبنا له.
 
قال عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بعد أن روى هذه المقولة التي لم يحظ أحد بمثلها: "كَلِمَةً مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي بِهَا الدُّنْيَا" يريد أنها كلمة جمعت في طياته من الخير ما لا يرضى به بديلاً.
 
فالدنيا هينة لا تساوي عند الله جناح بعوضة، فلا يعقل أن يكون أراد هذا التقدير، ولكنه أراد أن هذا الكلمة نعمة لا تعدلها نعمة مهما بلغت.
 
وهذا التعبير شائع عند العرب إذا أرادوا التفخيم والتعظيم لشيء ملكوه وتمكنوا من ناصيه.
ويؤخذ من هذا الحديث: أن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان رحيما ودوداً، يعايش أصحابه معايشة ملؤها الحب والصفاء، وعمادها البساطة ورفع الكفلة، فهو صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يتعالى عليهم، ولا يحب أن يتميز عن واحد منهم، ولا يريهم من نفسه ما يحملهم على الخوف منه والحذر من مجاذبة أطراف الحديث معه، ولا يكون أبداً بمعزل عن مخالطتهم والتعرف على أحوالهم المعيشة، ولا يدخل وسعاً في قضاء حوائجهم ومسايرتهم فيما يحبونه، مما يوافق الشرع ويخضع للعرف المتبع بين العقلاء من ذوي النخوة والمروءة والإيثار.
 
لهذا آمنوا به عن حب وإجلال، واستجابوا له طائعين منقادين لأمر الله عز وجل، يجلسون عنده كأن على رءوسهم الطير، ولا يقومون من مجلسه حتى يقوم، ولا يخالفون عن أمره، ولا يقطعون أمراً دونه، ولا يجدون حرجاً فيما أمرهم به وفيما نهاهم عنه.
 
فهذا عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يستأذنه في الخروج إلى مكة ليعتمر، فلا يأذن له فحسب! ولكن يقول له كلمة تذهب فيها نفسه كل مذهب، وتسرح فيها خواطره، وتريه الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو ينزل إليه من عل ليصافحه بهذه الكلمة ويتحفه بها، فيحملها عمر بين جوانحه ما عاش، ويحفر لها في ذهنه مكاناً؛ لتظل ماثلة في كيانه كله.
 
ولقد تأثرت – أنا – بهذه الكلمة ولم تكن قد قيلت لي، وأدركت أبعادها وعايشتها وازداد حبي بها لقائلها ولمن قيلت له، فهي كلمة لا يذوق حلاوتها إلا المؤمن المحب لله ورسوله.
 
إنها كلمة جعله النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في عقبه، فاسظل بظلها من عرف معناها ومغزاها، وفتح لها قلبه وعقله.
 
وما علينا لو ودعنا بها من أراد الحج والعمرة، أو أراد سفراً في طاعة، أو هجرة في سبيل الله.
 
ولماذا لا يسأل كل واحد منا أخاه أن يدعو له؛ فإن دعاء الأخ لأخيه في ظاهر الغيب لا يرد إن شاء الله.
 
ولماذا لا نتتبع الحكمة الجامعة في كلام النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فنعايشها ونحفظها ونعمل بها، ونتخذ منها الدواء لكل داء، والمنطلق لكل عمل صالح يحبه الله ويحبه الناس.
 
نسأل الله لنا ولكم الهداية والتوفيق والسداد.

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم