لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ رَهْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل

 
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَلَا لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ رَهْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا رَآهُ أَوْ شَهِدَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يُقَرِّبُ أَجَلاً، وَلَا يُبَاعِدُ مِنْ رِزْقٍ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ أَوْ يُذَكِّرَ بِعَظِيمٍ". 
المؤمن الحق من يعرف الحق ويعرف أهله، فينصره وينصر أهله، ويدافع عنه حيثما كان، ويدعو إليه في ليله ونهاره، ويجمع قلبه عليه في حله وترحاله، ويعرف الباطل باطلاً فيجتنبه، ويدعو الناس إلى اجتنابه ويحذرهم مغبته في الدنيا وعاقبته في الآخرة، فالحق أحق أن يتبع، وليس للباطل مع الحق موضع، وليس للمبطلين على أهل الحق سبيل؛ فأهل الحق منصورون في كل مكان وزمان وإن اعترتهم في سبيل النصر عقبات وعراقيل.
 
قال تعالى في محكم التنزيل: { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ } (سورة الصافات: 171-173).
 
وقال جل شأنه: { وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (سورة الحج: 40).
 
ولقد عرف الله أهل الحق بأوصافهم فقال: { الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } (سورة الحج: 41).
 
وهذه الوصية تدعو أهل الحق إلى أن يقولوا الحق ولو كان مُراً، وأن يشهدوا بما عملوا دون رهبة من أحد أو خوف من غرم، أو طمع في غنم، لعظيم ثقتهم بربهم وحسن توكلهم عليه، وإيمانهم ورضاهم بقضائه وقدره.
 
فتعالو بنا ننظر في هذه الوصية نظرة تأمل واتعاظ؛ لعلنا نهتدي إلى الحق فنعتنقه ونعمل بمقتضاه، ونقيم الشهادة لله، بغض النظر عن أي اعتبار يصدنا عن ذلك. والله المستعان.
قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَلَا لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ رَهْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا رَآهُ أَوْ شَهِدَهُ".
 
معناه: لا يحولن حائل بينه وبين الإدلاء برأيه في قضية من القضايا، أو مسألة من المسائل العلمية – مهما كان صغيراً في السن أو قليلاً في المال أو مغموراً في النسب؛ فإن لصاحب الحق مقالاً، والمسلم الحق هو الذي ينطلق بقوة الحق إلى إحقاق الحق وإبطال، دون أن يرهب الناس؛ لأن من خاف من الله لا يخاف من الناس.
 
وإذا دعى إلى الشهادة أتى بها على وجهها من غير إلتواء ولا زيادة ولا نقص؛ عملاً بقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } (سورة النساء: 135)
 
وقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } (سورة المائدة: 8).
 
والقسط: هو منتهى العدل، والمعنى: يا من آمنتم بالله، كونوا دائماً قائمين على الحق تحمونه وتنصرونه، وتشهدون له بأنه حق، وتشهدون لأهله بأنهم محقون فيما قالوا وفيما فعلوا وفيما ادعوا ولو كان ذلك في غير صالحكم، أو في غير صالح الوالدين والأقربين، بغض النظر عن الغنى والفقر بالنسبة للمشهود له أو المشهود عليه، فالله أولى بأن تنصروه، وهو أولى بالمشهود له والمشهود عليه، فأدوا الشهادة على وجهها ولا تأخذكم في الله لومة لائم، ولا تأخذكم أيضاً رأفة في دين الله؛ فالله أولى بالعدل وأحق، فإذا قلتم الحق فقد دعوتم إلى العدل وسعيتك في إحقاق الحق وإبطال الباطل، فلا ينبغي أن تلووا الشهادة وتحرفوها عن مواضعها، أو تعرضوا عن شيء له دخل في تحقيق الحق وإبطال الباطل فتهملوه عمداً لأمر في نفوسكم وأنتم تعلمون أن الله لا تخفى عليه خافية.
 
{ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا } أي لا يحملنكم بغضهم لما تدلون به، أو بغضهم لكم أو للمشهود له أو للمشهود عليه – لا يحملنكم ذلك كله على ترك العدل؛ فإن العدل يقربكم للتقوى، ويقيكم عذاب الله في الدنيا والآخرة.
 
وقد قال النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأبي ذر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في وصية طويلة سبق شرحها: "وقل الحق ولو كان مُراً".
 
ومرارة الحق تصحبها حلاوة النصر على النفس الأمارة بالسوء، والشيطان الذي يأمر بالفحشاء والمنكر، والدنيا التي تغر وتمر، والهوى الذي يُعمى ويُصم.
 
والشعور بحلاوة النصر ثواب دنيوي، وفي الآخرة عظيم الأجر في جنة عرضها السماوات والأرض.
 
والويل لمن يرغب في حطام الدنيا ويفوت على نفسه هذا الثواب المزدوج، وهو يعلم أن الدنيا ظل زائل وعارية مستردة، وأنه ليس للإنسان فيها إلا ما أكل فأفنى وما لبس فأبلى وما تصدق فأبقى.
وقد علل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا التحذير بتعليل لا ينكره عاقل، فقال: "إِنَّهُ لَا يُقَرِّبُ أَجَلاً، وَلَا يُبَاعِدُ مِنْ رِزْقٍ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ أَوْ يُذَكِّرَ بِعَظِيمٍ". 
 
وهذا التعليل ترجمة لقوله تعالى: {  قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } (سورة التوبة 51).
 
فالأجل مكتوب والرزق مضمون، وكل شيء عنده بمقدار.
 
وقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث آخر سبق شرحه: "وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ".
 
والمؤمن الحق هو الذي يحصر همته في إحقاق الحق ولا يبالي أرضي الناس أم سخطوا، ولا يخشى منهم صولة ولا جولة ولا سطوة؛ لأنه قد آمن بالقدر إيماناً لا يخالجه شك، فجعل مبلغ همه نصرة الحق في أي موطن وبأي سلاح دون أن يحدث نفسه بما يعوقه عن أداء واجبه والدفاع عن دينه وعن حرماته وحرمات المسلمين.
ولقد تعلم أصحاب النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منه كيف تكون الشجاعة في إحقاق الحق ودرء الباطل، وكيف تكون الجرأة في إبداء الرأي وإسداء النصح حسبة لله عز وجل.
 
فقد كان يستشيرهم في جميع الأمور التي لم ينزل فيها وحي، ويجمع في مجلس الشورى الشباب والشيوخ، ويستشير النساء أحياناً في بعض الأمور التي يكون لهن فيها رأي وخبرة.
 
وقد أمره الله بذلك فقال: { وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ } (سورة آل عمران: 159).
 
لقد استشارهم في أسرى بدر فأشار عليه عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بقتلهم، وأشار عليه أبو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بالعفو عنهم أو بقبول الفداء منهم، فنزل على رأي أبي بكر؛ لما فيه من صلة للرحم ومصلحة للمسلمين، ومال أكثرهم لهذا الرأي واستجابوا له.
 
واستشارهم في غزوة أحد، فأشار عليه الشيوخ أن يمكث بالمدينة، فإذا دخلها المشركون حاربوهم على رءوس الحارات والأزفة فأبادوهم عن آخرهم، أو أبادوا بعضهم وأسروا بعضهم، وأشار الشباب عليه بالخروج إليهم، وكان رأي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع رأي الشيوخ، إلا أنه نزل على رأي الشباب؛ لأنهم كانوا كثرة، فدخل بيته ولبس سلاحه، ثم خرج عليهم، فقال بعض الشباب: يا رسول الله، لعلنا استكرهناك – أي حملناك على أمر لا تريده – فإن شئت فأنزل على رأيك، فقال كلمته المشهورة: "ما كان لنبي لبس سلاحه أن ينزعه حتى يحكم بينه وبين عدوه".
 
إنه الحزم الذي يرتبط بالتوكل على الله ولا يفارقه أبداً، والعزم الذي يرتبط بالمشورة؛ لأن رأى الجماعة لا تشقى البلاد به.
 
وفي عزوة بدر قال المقداد بن عمرو: يا رسول الله، أهذا منزل أنزلكه الله أم هو الرأي والمشورة – وكان النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد نزل في مكان لا ماء فيه، أو ماؤه قليل – فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "بل هو الرأي والمشورة"، فأشار عليه أن ينزل عند عين ماء يقال لها: بدر، فاستجاب له من فوره وارتحل إلى المكان الذي أشار به عليه.
 
ولعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعل ذلك ليدربهم على إبداء الرأي والنظر فيما ينفع وما يضر، وما يصلح للحرب وما لا يصلح، وهو القائد الملهم والنبي الذي يوحى إليه، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه.
 
وبالرأي والمشورة حسم المسلمون كثيراً من الأمور التي كادت تزلزل أقدامهم وتفرق جمعهم.
 
وأعظم هذه الأمور في تاريخ المسلمين الأمر الذي اختاروا فيه أبا بكر خليفة لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلولا الحزم والعزم والمشورة والإخلاص – لاقتتل المسلمون إلى يومهم هذا.
 
والتاريخ حافل بهذه المآثر الخالدة على مر الزمان.
ومن الواجب علينا نحن المسلمين أن نحذو حذوهم في أقوالهم وأفعالهم ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.
نسأل الله لنا ولكم الهداية والتوفيق.

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم