إِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِهِ فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيبًا مِنْ صَلَاتِهِ

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل

عَنْ جَابِرٍ بِنْ عَبْد الله – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِهِ فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيبًا مِنْ صَلَاتِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ فِي بَيْتِهِ مِنْ صَلَاتِهِ خَيْرًا".
الصلاة عماد الدين، وركنه الركين، من أقامها فقد أقام الدين، ومن أضاعها فقد هدم الدين، وهي النور المبين لمن أداها بخشوع وخضوع وتمسكن وتواضع، وحافظ عليها في أوقاتها، وكان مراعياً لفرائضها وسننعا ومستحباتها، وجعلها روحه وريحانه.
وهي الصلة الوثيقة بين العبد وربه، يعبر له فيها عن كمال عبوديته، وتمام فقره إليه؛ فليس هناك عبادة يعبر فيها العبد عن ذلك مثل الصلاة؛ إذ يضع جبهته وأنفه على الأرض مهما كان وضعه الاجتماعي، ومهما بلغ من القوة والسلطان.
وقد ذكرت في كتابي (الفقه الواضح) فضائلها وفرائضها وسننها ومستحباتها، فراجعه إن شئت.
وفي هذه الوصية أحكام ولطائف وأسرار سنتكلم عنها بإيجاز، فنبدأ ببيان الأحكام فتقول:
1- المراد بالصلاة التي يقضيها المسلم في مسجده هي الصلوات المفروضة وتوابعها القبلية والبعدية، فإذا أتى المسلم إلى المسجد صلى تحية المسجد، وذلك في غير أوقات النهي على التفصيل الذي ذكرناه في الفقه الواضح.
فإذا أذن المؤذن للصلاة صلينا السنة المنصوص عليها في الأحاديث النبوية فإذا قضيت الصلاة صلينا السنة البعدية، ثم إذا أتينا بيوتنا صلينا فيها ما شئنا.
ويحتمل أن يكون المراد بها الصلاة المفروضة فقط.
2- وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "فِي مَسْجِدِهِ" أي القريب منه فالإضافة للقرب والتمكين، بحيث لا يتكلف المسير إلى المسجد الأبعد إلا إذا كان رواده أكثر، أو لسماع درس من الدروس الدينية.
3- وجواب الشرط قوله: "فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيبًا مِنْ صَلَاتِهِ" أي من نوافله، فيكون بذلك قد أعطى المسجد حقه والبيت حقه من الصلاة.
4- ومن هذا الشرط وجوابه نفهم أن الصلاة المفروضة لابد أن تؤدي في جماعة إلا إذا كانت هناك ضرورة مانعة وعذر قاهر، فلا يتخلف عنها إلا منافق أو ضعيف الإيمان.
روى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قال: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ، حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُنَنَ الْهُدَى وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، وَلَو أَنكم صَلَّيتم فِي بَيوتكم كَمَا يُصَلِي هَذّا المتخلف فِي بَيِتُه - لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ.
وما من رجل يتطهر الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد، إلا كتب له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادي بين الرجلين حتى يقام في الصف".
وفي رواية – لمسلم أيضاً - : "لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنِ الصَّلَاةِ إِلَّا مُنَافِقٌ قَدْ عُلِمَ نِفَاقُهُ أَوْ مَرِيضٌ ، إِن كَانَ المَرِيض لِيَمْشِي بَيِنْ رِجلين حتى يأتي الصَّلَاة".
وروى الطبراني وأحمد عن جابر – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: "أَتَى ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مَنْزِلِي شَاسِعٌ وَأَنَا مَكْفُوفُ الْبَصَرِ وَأَنَا أَسْمَعُ الْأَذَانَ، قَالَ: فَإِنْ سَمِعْتَ الْأَذَانَ فَأَجِبْ وَلَوْ حَبْوًا أَوْ زَحْفًا".
من هذه الأحاديث أحذوا حكم وجوب الصلاة المفروضة في المسجد.
ومعنى هذا أن من لم يؤد الصلوات المفروضة في المسجد أثم وصلاته صحيحه؛ لأن حضور الجماعة واجب لذاته، وليس شرطاً في صحة الصلاة.
وقد ذهب كثير من الفقهاء إلى أن حضور الجماعة في المسجد سنة مؤكدة وليست واجبة، وحملوا الأحاديث التي استدل بها الموجبون على الاستحباب.
وفعل الصحابة يدل على أنها سنة مؤكدة لا يتخلف عنها من غير عذر إلا منافق.
قال الشوكاني في نيل الأوطار: (أجاب البعض عن حديث الأعمى بأن النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – علم منه أنه يمشي بلا قائد لحذفه وذكائه كما هو مشاهد في بعض العميان، يمشي بلا قائد لاسيما إذا كان يعرف المكان قبل العمى، أو بتكرر المشي إليه استغنى عن القائد، ولابد من التاويل لقوله تعالى: { لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ } (سورة النور: 61).
وفي أمر الأعمى بحضور الجماعة مع عدم القائد ومع شكايته من كثرة السباع والهوام في طريقه كما – في مسلم – غاية الحرج.
ولا يقال: الآية في الجهاد؛ لأنا نقول هو من القصر على السبب، وقد تقرر في الأصول أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب... إلى آخر ما قال).
وأما اللطائف والأسرار التي اشتملها هذا الحديث فهي تتمثل في الأمور الآتية:
1- قوله: "فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيبًا مِنْ صَلَاتِهِ" فيه دلالة على أن البيوت لم تبن للسكنى والنوم فقط، ولكنها بنيت لتكون – أيضاً – معبداً يخلو فيه المسلم بنفسه ليكون أبعد عن الرياء والغرور وحب الظهور، فتقع صلاته مقبولة عند الله عز وجل، ولكي يكتب من السَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ. ومنهم الذي ذكر الله خالياً ففاضت عيناه. والصلاة أفضل الذكر كما هو معلوم. ولكي يقتدى به أهل بيته فيصلون بصلاته ويتعلمون منه أحكام الصلاة وآدابها، ولا يحرمهم من الصلاة خلفه والاقتداء به في حسن التلاوة وطول الركوع وطول السجود والخشوع فيها وغير ذلك مما ينبغي أن يتعلموه ويفعلوه.
2- وقوله: "فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ فِي بَيْتِهِ مِنْ صَلَاتِهِ خَيْرًا" فيه تعليل للأمر، والأمر للإرشاد والتوجيه لا للوجوب، والعمل به سنة مؤكدة؛ لأن الرسول – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كان يواظب على ذلك؛ وكان أصحابه يقتدون به.
والخير: كلمة عامة واسعة الدلالة تحمل في طياتها كثيراً مما يرجوه المسلم لأهل بيته من أمور الدين والدنيا والآخرة، والتنكير للتعميم والتعظيم.
ومن الخير الذي يعم البيوت وأهلها بسبب الصلاة حصول البركة في الرزق، وشهود الملائكة هذه الصلاة وسماعهم ما يقرأ فيها، وتنويرها بنور الله تبارك وتعالى، وتعميرها بالذكر، وإلحاقها بالمسجد في الحرمة وغير ذلك مما نعلمه وما لا نعلمه.
روى مسلم في صحيحه عن أبي موسى الأشعري – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – عن النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قال: "مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ وَالْبَيْتِ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ كَمَثَلِ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ".
وروى مسلم – أيضاً – عن أبي هريرة – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أن رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: "لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنْ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ" أي لا تجعلوا بيوتكم كالمقابر التي لا يصلي فيها.
وقد كان أصحاب النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يقرأون في بيوتكم سورة البقرة كل ليلة بقدر ما استطاعوا لعلمهم أنها تمنع الشياطين من دخولها.
وبعد: فإن من عمل بهذه الوصية نال خيراً عظيماً في الدنيا والآخرة، وكان مسلماً حقاً، متبعاً للسنة معطياً للمسجد حقه وللبيت حقه، وكان قدوة لأهل بيته ولجيرانه في إحياء البيوت وتعميرها بذكر الله – عز وجل - ، وليكن لنا في رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إسوة حسنة؛ فقد كان يصلي في بيته الليل كله إلا قليلاً حتى تورمت قدماه، فإن لم نستطيع أن نقوم الليل كله أو نصفه أو ثلثه فلا نحرم أنفسنا من ركعتين نصليهما والناس نيام، وإن عجزنا عن الصلاة في جوف الليل صلينا بالنهار ركيعات نعمر بها بيوتنا لكيلا تكون مقفرة كالقبور.
نسأل الله الهداية والتوفيق.

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم