1. المقالات
  2. وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم للشباب - أبي عبد العزيز طالب بن عمر
  3. الشباب وانحراف العواطف

الشباب وانحراف العواطف

الكاتب : أبي عبد العزيز طالب بن عمر

 

 الشباب يتوقد عاطفة، لا تجد عاطفة أصدق من عاطفة الشباب، تجده إذا جاء معك، جاء معك بكل قلبه وبكل جوارحه، تجده إذا أراد أمراً ضحى بالذي أمامه والذي خلفه، ولم يسمع بعده لأحد، لكن ـ للأسف ـ أحياناً تكون العاطفة عاصفة، فتحرفه يمنة أو يسرة، لذلك كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوصي أمثال هؤلاء الشباب، يرشدهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم كيف تكون عواطـفهم؟ وفي أي شيء تُستـغل؟ وإلى أين توجّـه؟ يقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال؛ فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)

 

 

هكذا وجّه طاقتك، ولهذا وجّه عاطفتك، وجه عاطفتك في حب الناس، وفي السعي للخير لهم، وإياك إياك مهما كانت عاطفتك أن تظلم أحداً على حساب قريب أو مجاملة صاحب أو رفيق، وجّه عاطفتك في حب الله، وإسلام الوجه لله، وأكثر أكثر من عبادة الله، أخي الفاضل، هذه العاطفة إن لم تتوجّه إلى الله انحرفت بك، إن في القلب فطرة تدعوك للعبودية، إن لم تجعل قلبك يركع ويسجد لله ركع وسجد لغيره، من لم يحب الله أحب غيره، ومن أحب غير الله عُذّب به، كما يقـول طبيب القلوب ابن القيم رحمه الله تعالى، انظر لقلبك الآن يعشق من؟ ويهوى من؟ ويضحي لأجل من؟ ويسهر لأجل من؟ إن لم تجعل في قلبك الله هنت على الله، فأذلك الله بالمعصية، فأصبحت طاقتك وعاطفتك فيما لا يساوي شيئاً، أصبحت حياتك لأجل امرأة تحيض وتغوط وتبول وتمتخط، لأجل ولد أمرد، لأجل مكان سوءة وعورة، لا أقبح منه، لكن هكذا الشيطان إذا طُمست البصيرة، فاجعل قلبك مع الله، ألزمه العبادة، ألزمه القرب إلى الله، ضحِّ بالأوقات، اسهر الليالي، أنفق الأموال، اسجد واركع لكن لربك، شاب نشأ في عبادة الله، جاء شاب إلى محمد فقرب لرسولنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم وضوءه في ساعة من الليل، وشبابنا في الليل أين هم؟ أين شبابنا في الليل؟ منهم من يقترف الحرام، ومنهم من يجلس على قنوات الحرام، لكن هذا الشاب في هذه الساعة قرّب لرسولنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم وضوءه في ساعة من الليل، فقال: (من؟) فقال: ربيعة، اسم شاب من شباب الأنصار، فقال عليه الصلاة والسلام: (يا ربيعة، سل ما تريد؟) شاب لم يتزوج بعد، شاب له أفكار وأفكار، وأحلام وآمال، لكن لما سمع الطلب من رسولنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، تدري ماذا أراد؟ إنها الهمة يوم أن تسمو لا ترضى إلا بالجنة، ويوم أن تسفل ترضى بالسوءة والعورة، تدري ماذا أراد؟ قال: يا رسول الله، أسألك مرافقتك في الجنة، أسألك مرافقتك في الجنة، فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم لهذا الشاب: (أو غيرها يا ربيعة؟) فقال: بل هي يا رسول الله، قال: يا ربيعة، أعنِ على نفسك بكثرة السجود) أما إنك ما سجدت لله سجدة إلا رفعك الله درجة، أما إنك ما سجدت لله إلا تقربت إلى الله، أما إنك ما سجدت لله في جوف الليل الآخر وأقرب ما يكون العبد من الله وهو ساجد، وأقرب ما يكون الله من العبد في ثلث الليل الآخر، يومها تقرُب من الله، ويقرب الله منك، يومها - يا عبد الله - اسجد واقترب، إي وربي تسجد وتقـترب، تقترب مِن مَن؟ تقترب من ربك سبحانه.

 

 


أخي في الله، علّق قلبك بالمساجد، عاطفتك هذه اجعلها في المسجد، اجعل وقتك ومالك وجهدك كيف تحيي رسالة المسجد؟ كيف يُعمّر هذا المسجد؟ كيف تصلي فيه؟ كيف تعتكف فيه؟ كيف تختم فيه القرآن؟ كيف تملأه بحلقات الشباب؟ يحفظون كتاب الله، ويتعلمون سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا تجعل عاطفتك معلقة بأمر تافه، علّق بعض الشباب قلوبهم بكرة منفوخة تطاردها الأقدام، فتجده يسهر لها، ويسعى لها، ويجلس في الشمس لأجلها، ويفكر ويحلم، أي شيء هذه؟ عواطف والله إن لم تتعلق بالله تعلقت بهذا الدون، فاتقِ الله عز وجل، عاطفتك هذه إن جعلتها لأحد، فاجعلها لرجل تحبه لله، تجتمع معه لله، وتفترق معه لله، اجعل عاطفتك مع أخٍ صادق، تؤاخيه في الله، تسامره في الله، تساعده لله، تحبه لله، إن جلست معه ذكّرك، وإن ذكرت أعانك، وإن قمت بالخير شجعك، وإن نسيت نبهك، ابحث عن هذا الشاب وأعطه عاطفتك، لكن لله، كم من شاب أحب شاباً في غير الله عز وجل فذل، وأصبح أضحوكة الناس في مجالسهم، فاجعل العاطفة هي العاطفة الباقية؛ لأن ربي وربك يقول: {الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ }الزخرف67، فاجعلها أخوة تقوى، وأخوة إيمان.

 


 أخي في الله، مهما كانت عاطفتك هذه فروِّها بخوفك من الله، وصدقـك مع الله، حتى لو تُحـديت بأعظم تحدي، حتى لو دعتك امرأة ذات منصب وجمال، صحت: إني أخـاف الله، اجعل عاطفة الخوف من الله تغلب أي عاطفة تدعوك للموبقات، أو تيسر عليك طريق المحرمات، هكذا فليكن الحب، وإلى هذا فلتتوجه العاطفة، أموال يُتصدق بها لوجه الله تُخفى عن أعين الناس؛ لأننا لم نعد نريد مع الله سبحانه وتعالى أحداً من الناس، لم نعد نطلب بأعمالنا مع الله شريكاً، قلوبنا توجهت إلى الله، حتى إذا خلونا، وفكّر الناس في التـفاهات، وحلم الناس بالسخافات، وخلونا نحن، وما تجرأنا على معصية الله، بل ذرفت أعيننا يوم أن تذكرنا لقاء الله، إياك أن تكون كرجلٍ له أعمال كجبال تهامة بيضاء يجعلها الله يوم القيامة هباء منثوراً، ذاك رجل نحقر صلاتنا إلى صلاته، يأخذ من الليل كما يأخذ الصالحون، لكنه ـ للأسف ـ إذا خلا بمحارم الله انتهكها، بل كن من رجال إذا ذَكر الله أحدهم خالياً فاضت عيناه، فلتتوجه العواطف إلى هذا، ولنستـغل عواطفنا الجيّاشة حباً وتضحيةً وفداءً لله وفي الله.

 


 يا شاب الإسلام، إن رسولك صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما في حديث أنس رضي الله تعالى عنه، دخل على شاب وهو في الموت، فقال: (كيف تجدك؟) - اسمع أخي الشاب - قال: أرجو الله وأخاف ذنوبي، قال عليه الصلاة والسلام: (لا يجتمعان في قلب عبدٍ في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو، وآمنه مما يخاف) فأحكموا عواطفكم، واعتدلوا في اندفاعاتكم، لا نريد الشباب الذين توسع معهم باب الرجاء، حتى ترك الصلاة وقال: ربي غفور رحيم! فعل الحرام وقال: ربي غفور رحيم! أقبل على المعاصي وما حدث نفسه بالتوبة وقال: ربي غفور رحيم! نعم { نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ {49} وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ} الحجر 49 - 50، فخف من الله، خف من الله سبحانه وتعالى، لا نريد شباباً بالغـوا في الغلو، حتى شطحوا ووسوسوا، وظنوا أن لا سبيل إلى رحمة الله، فقنطوا من رحمة الله عز وجل، وزين لهم الشيطان سوء أعمالهم، فما رجعوا إلى الله سبحانه وما استغفروا، لا، لنتـزن ـ يا معاشر الشباب ـ لنتـزن في انفعالاتنا، لنتـزن في عواطفنا، لنتـزن في شهواتنا، لنتـزن في غضبنا، المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله، والشديد ليس الشديد بالصُّرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب، فلنضبط هذه الانفعالات، وهذه العواطف، حتى لا تنحرف بنا.

 


 عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: كنت غلامًا شابًا عزبًا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكنت أبيت في المسجد، فكان من رأى منا رؤيا يقصها على النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: اللهم إن كان لي عندك خير؛ فأرني رؤيا يعبرها لي النبي صلى الله عليه وسلم، فنمت، فرأيت ملكين أتياني فانطلقا بي، فلقيهما ملك آخر، فقال: لم ترع، فانطلقا بي إلى النار؛ فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا فيها ناس قد عرفت بعضهم، فأخذوا بي ذات اليمين، فلما أصبحت ذكرت ذلك لحفصة، فزعمت حفصة أنها قصتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:( إن عبد الله رجل صالح لو كان يكثر الصلاة من الليل)، قال: فكان عبد الله يكثر الصلاة من الليل، فانظر لنفسك، لعل الله ذكرك بمثل هذه الذكرى، ووعظك بمثل هذه الرؤيا، رؤيا خير، ورؤيا هداية ودعوة إلى الصلاة، فأكثر من الصلاة، وأكثر من العبادة، وعد بنفسك إلى الإكثار من طاعة الله.

 

 


 وهذا عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما يقول: جمعت القرآن في ليلة، قرأ القرآن في ليلة، فقال لي عليه الصلاة والسلام: (إن أخاف أن يطول بك زمان فتمل، فاقرأ القرآن في شهر) فقلت: يا رسول الله، دعني أستمتع بقوتي وشبابي، انظر يستمتع بطاعة الله؛ يتلذذ بالقرب من الله، هؤلاء شباب الصحابة، فقال عليه الصلاة والسلام: (فاقرأه في عشر) فقال: يا رسول الله، دعني أستمتع بقوتي وشبابي، فقال عليه الصلاة والسلام: (اقرأه في سبع) فقلت: يا رسول الله، دعني أستمتع بقوتي وشبابي، فأبى، أبى عليه الصلاة والسلام؛ فلا تنحرف بعواطفك إلى الزيادة والغلو، وما لا تستطيع، والزم هدي رسولك صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إياك أن تقنط من رحمة الله، وإياك أن توسع دائرة الرجاء في جنب الله، وأنت مصر على المعصية والذنب، وزن نفسك، زن نفسك بطاعة الله سبحانه وتعالى.

 


 ومن أخبار الشباب في عهد رسولنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ حتى تعلم كيف ساروا إلى الله؟ وكيف قوّموا عواطفهم على طاعة الله، شبابٌ وأي شباب؟ جيل الصحابة رضوان الله تعالى عنهم وأرضاهم: هذا زيد بن ثابت يأمره أبو بكر الصديق الخليفة الراشد رضي الله تعالى عنه أن يكتب القرآن، قال أبو بكر: " يا زيد، إنك شاب عاقل، لا نتهمك، قد كنت تكتب لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الوحي، فتتبع لنا القرآن "، قال: فوالله لو أنهم كلفوني بنقل جبل كان أهون عليّ من هذا، فتتبعت القرآن من الرقاع وصدور الرجال، شابٌ لكن شغل نفسه بطاعة الله، وسخر طاقته وذكاءه وجهده فيما يرضي الله عز وجل، فكان ممن حفظ القرآن، وكان ممن كتب القرآن، وممن جمعه لنا ـ يا شباب الإسلام ـ أين أنتم من القرآن؟ أين أنتم من القرآن؟ فيه الإيمان وأعرضتم؛ فوقعتم في الضلالة، فيه الهدى وأعرضتم؛ فوقعتم في العصيان، فأقبلوا على كتاب ربكم، والزموا هديه، واقرؤوا آياته، واحفظوه في صدوركم، وانشروه بين الناس.

 


 وشاب آخر مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه قال: جئنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ونحن شبيبة، فأقمنا عنده عشرين ليلة، عشرون يوماً قصَّها من إجازتك، فرغّها من وقتك، واذهب بها لتتعلم العلم، وتستفيد وترجع وتفيد ـ يا شاب الإسلام ـ قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رفيقاً رحيماً بنا، فظن أننا قد اشتقنا لأهلنا، فسألنا عن أهلنا ومن تركنا فأخبرناه، فقال عليه الصلاة والسلام: (ارجعوا إلى أهليكم، فكونوا فيهم، وعلموهم ومروهم، وصلوا كما رأيتموني أصلي؛ فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم) هكذا جاء هؤلاء الشباب ليتعلموا العلم، ثم ذهب هؤلاء الشباب لينشروه في أقوامهم، فكن حامل مشعل هداية ـ أيها الشاب ـ واحمل هذه الراية؛ راية {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ }فصلت33.

 


 وهذا شاب ثالث؛ علي رضي الله تعـالى عنه يبعثه رسولنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى اليمن، يقول رضي الله عنه: بعثني رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله، تبعثني إلى اليمن وأنا شاب أقضي بينهم ولا أعرف القضاء! قال: فوضع صلى الله عليه وعلى آله وسلم يده على صدري، وقال: (اللهم اهدِ قلبه، وثبت لسانه) قال علي رضي الله عنه: فما شككت بعد في قضاء بين اثنين، شبابٌ أرسلهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى اليمن، ليعلموا ويحكموا ويقضوا، وهكذا شباب الإسلام: عليٌ ومعاذ وأبو موسى الأشعري وغيرهم من كبار الصحابة أرسلهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى اليمن معلِمين؛ ووائل بن حجر الحضرمي يرسله عليه الصلاة والسلام ليُعلم قومه، وأنتم ـ يا شباب ـ أين أنتم من هؤلاء؟ أين أنتم من هذا الخير؟ زيد بن حارثة حب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، نصر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كان أول من أسلم من الموالي، خرج معه إلى الطائف، وحمى رسولنا عليه الصلاة والسلام من الحجارة، حتى أُوذي فداءً لرسول الأمة عليه الصلاة والسلام، وسعى في الدعوة إلى الله، وقاد الجيش؛ لنصر دين الله على حدود الروم، دخل عليه الصلاة والسلام الجنة، قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (دخلت الجنة، فاستقبلتني جارية شابة، فقلت: لمن أنتِ؟ قالت: أنا لزيد ابن حارثة) فالله الله ـ أيها الشاب ـ الله الله، اشغل وقتك واملأ فراغك واحمل هم هذا الدين، متعلماً ومعلماً للقرآن، هم هذا الدين؛ معلماً للسنة ومتعلماً لها، هم هذا الدين، داعية في الناس؛ مفتياً وقاضياً، احمل هم هذا الدين؛ تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتجاهد في سبيل الله، ولا تخاف لومة لائم.

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم

موقع نصرة محمد رسول اللهIt's a beautiful day