لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ" لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ"
مصاحبة الأخيار لا تأتي إلا بخير، وإن بدا لبعض الناس أن في طريقها بعض ما لا يرضى عنه الصاحب من صاحبه، فذلك غبار على الطريق، لا يعبأ المرء له، وقد لا يشعر بوجوده، فمن أين يأتي الشر وهم أخيار.
إن كل إناء ينضح بما فيه، وكل ينفق مما عنده؛ لذا أمر النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – المؤمن أن يصحب مؤمناً مثله، وحذره من صحبة الأشرار؛ لئلا يصيبه ما أصابهم.
وقد قال الله – عز وجل - : { وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } (سورة الأنفال: 25).
وقد قال – جل شأنه -: { وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ } (سورة هود: 113).
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا" فيه أمر بشيء ونهي عن شيء آخر، كما يقتضيه أسلوب الحصر، فقد أمره أن يحصر صحبته في المؤمنين، والأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده، كما يقول علماء الأصول، وهو صحبة الأشرار.
وهذا ما يليق بالمؤمن؛ لأنه عنصر طيب، ومعدن طاهر، يحمل بين جنبيه قلباً سليماً، خالياً من كل ما يُعَكر صفو الإيمان، فكيف يأتلف مع رجل هو على النقيض من ذلك تماماً، وكيف يقع التوافق بينهما، وهما متضادان في المزاج والروح والخُلُق.
والمؤمن – كما قال الرسول – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "آلف مألوف ولا خير فيمن لا يؤلف ولا يألف".
فكيف يألف من لا يعرف إلا الخير من لا يعرف إلا الشر.
وقال رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "وَالْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ".
وأرواح المؤمنين مؤتلفة منذ خلقها الله في عالم الأرواح قبل أن ينفخها في عالم الأشباح، فإذا التقت تعارفت وائتلفت.
وأرواح الأشرار مختلفة غير مؤتلفة، إذا التقت تنافرت وتناكرت وتلاعنت، وإن يدا لغير المتأمل أنها ليست كذلك؛ لما يرى من التعاون الموقوت، والحب المزيف، والتلاقى المشبوه.
قال تعالى: { تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى } (الحشر: 14).
{ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ } (سورة الزخرف: 67).
{ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ } (سورة العنكبوت: 25).
ويفهم من قوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا" النهي عن الملازمة والمخالطة، لا عن التعامل الموقوت؛ فإنه ضرورة من ضرورات الحياة، فلا بأس أن يتعامل المسلم مع الكافر معاملة مبنية على البر والعدل، ما دام هذا الكافر لا يقاتلنا ولا يعين على قتالنا.
فمعاملتنا له مهما تكررت لا تسمى صحبة؛ لأن الصحبة – كما أشرت – تعني: الملازمة والمخالطة، وحسن المعاشرة، والتآخي المبني على الإيمان، فالصحبة المأمور بها في هذا الحديث هي المحبة الروحية، والأخوة الإيمانية، والمناصرة في الحق على أهل الباطل.
أما هذا النوع من المعاملة لا ينهي عنه الإسلام، بل يأمر به ويدعو إليه.
قال تعالى: { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } (سورة الممتحنة: 8-9).
وقد ذكرت في حديث سابق: أن الأخوة الإيمانية تقوم على العدل والفضل، والحلم والعفو، والمعروف والحب والتفاهم، والإخلاص والتقوى، ولا يتوفر ذلك كله إلا للمؤمن.
وهذه الأخوة الإيمانية تتفاوت من شخص لآخر بحسب التفاوت في قوة الإيمانية وضعفه.
"الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ" كما جاء في الحديث الصحيح.
فكلما ازداد العبد ازداد حبه لأخيه؛ وذلك لأن الإيمان القوي يزهد صاحبه في الدنيا، وبالزهد تزول المنغصات بين الأخ وأخيه، وتذوب الفوارق، وتتلاشى أسباب الفرقة والنفرة، وتتباعد أشباح الأثرة، ويحل محلها الحب والإيثار.
وقد قسم أهل العلم والمعرفة الأخوة الإيمانية إلى ثلاث مراتب:
أدناها – كما ذكر الغزالي في الإحياء -: أن تعطي أخاك ما هو في حاجة إليه دون أن يسألك، فإن حملته على سؤالك فلست من أهل هذه المرتبة؛ لأنك لم تتحسس أخباره وتتعرف أحواله، وكان ينبغي عليك ذلك، ولأنك أحرجته بسؤالك، وما كان ينبغي عليك أن تتنظر حتى يسألك إذا عرفت حاله.
ولن يخلصك شيء من هذا المنقصى إلا أن تعتذر إليه، وتقضي له حاجته، وتعطيه من رفدك أكثر مما طلب؛ تكفيراً عن قصورك وتقصيرك نحوه.
وأوسط المراتب: أن تخلط مالك بمال أخيك، فلا تسأل كم أخذ ولِمَ أخذ.
وأعلاها: أن تؤثر أخاك على نفسك بما أنت في مسيس الحاجة إليه.
فأين نحن – بالله عليكم – من المرتبة الأولى، فضلاً عن الثانية والثالثة.
ثم أين نحن من هؤلاء الذين بلغوا هذه المنزلة من المهاجرين والأنصار، الذين قال الله فيهم: { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } (سورة الحشر: 9) أي فقر وحاجة.
وهذا الثناء ليس للأنصار وحدهم – كما يتبادر إلى فهم غير المتأمل من الآية – فهو وصف لهم غير مانع من دخول غيرهم فيه، كما يفهم من كتب الأصول وكتب البلاغة، وإنما وصفوا بذلك ليكون هذا الوصف علماً عليهم، ومفتاحاً لشخصيتهم في مقابل ما وصف به المهاجرين، والكل يلتقي على تلك الفضائل التي ذكرناها.
فالعدل ميزان بين الناس جميعاً، وهذا الميزان يقوم على الحقوق المتبادلة، فإذا أخذ كل ذي حق حقه لم يكن هناك بين الناس تنافر، والعدل أساس الملك كما يقولون.
قال العقاد – رحمه الله – في كتابه "الفلسفة القرآنية": ميزان العدل في الإسلام أن يعطي المرء من الحقوق مثل ما عليه من الواجبات.
واستدل على ذلك يقول الله تعالى: { وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ } (سورة البقرة: 228).
أي لهن من الحقوق مثل ما عليهن من الواجبات، والفضل ليس فوق العدل، ولكنه نابع منه وراجع إليه.
وهو يتمثل في الإيثار: بمعنى: أن المرء يتغاضى عن حقه أو عن بعض حقه في سبيل إرضاء صاحبه وكسب ثقته وطلب راحته، وهذا غالباً ما يكون بين الزوج وزوجته، وبين الصديق وصديقه، فإن يوثق العلاقات ويقوي الترابط الأسري والاجتماعي بين الناس جميعاً على وجه العموم، وبين المؤمنين على وجه الخصوص، ولبن الأسر على وجه الأخص.
قال تعالى: { وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } (سورة البقرة: 237).
والحلم أحسن ما يتعامل به الناس فيما بينهم، فهو سيد الأخلاق – كما يقولون – به تذهب الشحناء، وينفض التنازع، ويزول الشقاق، ويحل الوفاق.
وبالعفو تطمئن النفوس، وتستريح الضمائر، ويعود الناس إلى فطرتهم، فيحكمون عقولهم فيما وقع، فيعملون على تلاشي الأخطاء وتدارك ما قد يترتب على ما وقع من مضار.
وإذا احتكم الناس إلى العرف، قل أن يخطئوا ما دام موافقاً للشرع.
قال تعالى: { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } (سورة الأعراف: 199).
والحب منة من الله – تبارك وتعالى – يمن بها على الأخيار من عباده؛ إذ لا قدرة لأحد منهم على تحصيله.
قال تعالى: { لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } (سورة الأنفال: 63).
وأما الإخلاص فعليه المعول في جميع الأمور، وهو الدين كله، فإذا توفر بين الأصدقاء، توفرت لديهم جميع أصول الصدقة والمحبة.
وأما التقوى فهي البلسم الشافي من جميع الأدواء والعلل، فإذا بنيت الصحبة على التقوى، فهي المبتغى والمنتهى.
قالت عائشة – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – : لله در التقوى، ما تركت لذي غيظ شفاء.
هذا، وقد شرط الإمام الغزالي فيمن تؤثر صحبته خمس خصال على الجملة وهي: أن يكون عاقلاً، حسن الخلق، غير فاسق، ولا مبتدع، ولا حريص على الدنيا.
أما العقل: فهو رأس المال، وهو الأصل، فلا خير في صحبة الأحمق، فإلى الوحشة والقطيعة ترجع عاقبتها وإن طالت.
قال علي – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ –:
فلا تصحب أخا الجهل وإيــــــاك وإيـــــاه
فكم مــن جـاهل أردى حليـماً حيــن آخــاه
يـقاس المــرء بالمـرء إذا ما المرء ما شاه
وللشيء مـــن الشيء مقــايـيس وأشـــباه
وللقلـب على القلـــب دليـــل حيــن يـلقاه
كيف والأحمق قد يضرك وهو يريد نفعك وإعانتك من حيث لا يدري ولذلك قال الشاعر:
إني لآمن من عدو عاقل وأخاف خـلا يعتـريه جنــون
فالعقل فن واحد وطريقه أدري فأرصد والجنون فنون
وأما حسن الخلق فلا بد منه؛ إذ رب عاقل يدرك الأشياء على ما هي عليه ولكن إذا غليه غضب أو شهوة أو بخل أو جبن أطاع هواه وخالفما هو للعلوم عنده؛ لعجزه عن قهر صفاته وتقويم أخلاقه، فلا خير في صحبته.
وأما الفاسق المصر على الفسق فلا فائدة في صحبته؛ لأن من يخاف الله لا يصر على كبيرة، ومن لا يخاف الله لا تؤمن غائلته ولا يوثق بصداقته، بل يتغير بتغير الأغراض.
قال تعالى: { وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا } (سورة الكهف: 28).
وقال – جل شأنه – : { فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى } (سورة طه: 16).
وقال جل وعلا: { فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا } (سورة النجم: 29).
وقال تبارك اسمه: { وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ } (سورة لقمان: 15)
وأما المبتدع ففي صحبته خطر سراية البدعة وتعدى شؤمها إليه، فالمبتدع مستحق للهجر والمقاطعة فكيف تؤثر صحيته؟
وقد قال عمر – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – في الحث على طلب التدين في الصديق فيما رواه سعيد بن المسبب، قال: "عليك بإخوان الصدق تعيش في أكنافهم؛ فإنهم زينة في الرخاء، وعدة في البلاء، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يجيئك ما يغلبك منه، واعتزل عدوك، واحذر صديقك، إلا الأمين من القوم، ولا أمين إلا من خشي الله. فلا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره، ولا تطلعه على سرك، واستشر في أمرك الذين يخشون الله تعالى".
وأما حسن الخلق فقد جمعه علقمة العطاردي في وصيته لابنه حين حضرته الوفاء قال: يا بني، إذا عرضت لك إلى صحب الرجال حاجة، فاصحب من إذا خدمته صانك، وإن صحته زانك، وإن قعدت بك مؤنة مانك.
أصحب من إذا مددت يدك بخير مدها، وإن رأى منك حسنة عدها، وإن رأى سيئة سدها.
أصحب من إذا قلت صدق قولطك، وإن حاولتما أمراً أمرك، وإن تنازعتما آثرك.
فكأن جمع بهذا جميع حقوق الصحبة، وشرط أن يكون قائماً بجميعها.
قال ابن أكثنم: قال المأمون: فأين هذا؟ فقيل له: أتدري لم أوصا بذلك قال: لا. قال: لأنه أراد أن ل يصحب أحداً.
وقال بعض الأدباء: لا تصحب من الناس إلا من يكتم سرك، ويستر عيبك فيكون معكفي الدوائب، ويؤثرك بالرغائب، وينشر حسنتك، ويطوي سيئتك، فإن لن تجده، فلا تصاحب إلا نفسك.
وقد سبق قول علي – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ –:
إن أخاك الحق من كان معك ومن يضر نفسه لينفعك
ومن إذا ريب الزمان صدعك شئت فيه شمله ليجمعك
ومعذرة إن كان قد أطلنا في الكلام عن اختيار الأصدقاء؛ فإن المقام اقتضى هذا التطويل، وسنخرج فيه بعون الله تعالى كتاباًـ ينتفع الناس به في هذا الباب.
* * *
وبقيت لنا في هذه الوصية بقية، وهي قوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – "وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ" فنقول في شرحها: إن مراده – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بهذا النهي أن يخص بطعامه من ينتفع به في طاعة الله – عز وجل -، ويتقوى به على العبادة، ويستغنى به عن سؤال الناس، فإن التقى بحبه الله، فإذا خصه المؤمن بطعامه، أحبه الله بإكرامه لمن أحبه وأكرمه.
ثم إن التقى إذا أكل طعامه دعا له بخير، وهو مستجاب الدعوة؛ بسبب زهده وتقواه، وربما ينال بدعوته خيري الدنيا والآخرة.
وقد ذكر الإمام الغزالي في كتاب الزكاة من إحياء علوم الدين: أن رجلاً كان يخض بطعامه من كانت همتهم في طاعة الله سبحانه، فإذا طرقتهم فاقة تشتت هم أحدهم، فلان أراد همة واحد إلى الله – عز وجل – أحب إلي من أن أعطى ألفاً ممن همته الدنيا.
فذكر هذا الكلام للجنيد فاستحسته، وقال: هذا ولي من أولياء الله تعالى، وقال: ما سمعت منذ زمان كلاماً أحسن من هذا.
وهذا النهي ليس على عمومه، وإنما هو من قبيل النصح والإرشاد والتوجيه إلى الأفضل.
والتوجيه إلى الأفضل لا يمنع من العمل الفاضل، لاسيما إذا قضت الضرورة بذلك، كأن يكون غير التقى ممن تجب عليه نفقته، أو ممن ينبغي إيثاره على غيره لقرابته، أو يكون ممن يطمع في هدايته، أو كان كافراً يطمع في إسلامه أو ما أشبه ذلك.
صحيح أن أسلوب الحصر يوهم بوجوب تخصيص التقى بالطعام دون غيره، ولكنه بعد التأمل لا يفيد هذا التخصيص على وجه الخصوص، وإنما يدل على اختيار الأفضل.
والله تبارك وتعالى أعلم.

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم