دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ

الكاتب : د. محمد بكر إسماعيل
المقال مترجم الى : English

عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دَعْ مَايَرِيبُكَ إِلَىمَالَا يَرِيبُكَ فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ"

* * *

هذا الحديث من جوامع كلمة صلى الله عليه وسلم، قد اشتمل على معان كثيرة تلوح للمتأمل عند النظر فيه، فهو على إيجازه الوجيز بعد قاعدة القواعد كلها في أبواب الحلال والحرام، وأبواب الطهارة والصلاة والصوم والزكاة والحج، وغير ذلك من العبادات والمعاملات، لا يستغني عنه فقيه في الأصول أو في الفروع، فهو محط أنظار المفتين والمستفتين عندما يتعارض الشك مع اليقين.

ومن القواعد التي تندرج تحت هذا الحديث قولهم:

(أ) اليقين لا يزال بالشك.

(ب) اليقين لا يرتفع إلا بيقين.

(ج) استصحاب الأصل وطرح الشك وبقاء ما كان على ما كان.

(د) من شك افعل شيئاً أو لا فالأصل أنه لم يفعله.

(هـ) من تيقن الفعل وشك في القليل أو الكثير حمل على القليل لأنه المتيقن.

(و) لا عبرة بالظن البين خطؤه.

إلى غير ذلك من القواعد التي نص عليها الفقهاء في كتبهم.

* * *

والشرع الحكيم قد بنيت أحكامه على اليقين لا على الشك والتخمين، فأدلته في جملتها يقينية لا يتطرق إليها الوهم ولا الشك، ولا الظن البين خطؤه، ولا تعتريها شبهة تعوق العمل بها أو تقف عقبة في طريق فهمها على النحو الذي أراده الله عز وجل، وبينه رسوله صلوات الله وسلامه عليه.

واعلم – وفقك الله – أن الإسلام حريص في قواعده وأحكامه على تحرير المسلم من وساوس الشيطان وهواجسه، ووقايته من شروره وآثامه، وتخليصه مما قد يعتريه في عباداته ومعاملاته من شك وتردد يؤدي به إلى إفساد عمله بنفسه من غير داع يقتضيه، وهو هدف الشيطان وغايته، فلا ينبغي للمسلم أن يلتفت إلى ما يطرأ عليه في أثناء عباداته ومعاملاته من وسوسة شيطانية تجعله يترك اليقين إلى الشك، فإنه لو أخذ بالشك مرة بعد مرة يخشى عليه أن يصير الشك مرضاً عضالاً لا يستطيع أن يتخلص منه إلا بصعوبة بالغة.

فالوسوسة كما قال علماؤنا: "خبل في العقل ونقص في الدين".

وعلاج الوسواس ترك الوسواس، بمعنى أن الإنسان إذا شك في أمر من الأمور أكثر من مرة حتى كثر شكه فليدرك نفسه قيل استفحال خطره، فيأخذ نفسه بالحزم والعزم، ويفعل ما أمر بفعله ويترك ما نهى عن فعله، متسلحاً باليقين مستعيذاً بالله من الشيطان الرجيم.

* * *

وقوله صلى الله عليه وسلم: "دَعْ مَايَرِيبُكَ إِلَىمَالَا يَرِيبُكَ" معناه: اترك الشيء الذي ترتاب في حله أو تشك في منفعته، أو تجد في نفسك حرجاً في تصديقه، أو تظن أنك لو أخذته لعاد عليك من وراء أخذه شيء لا ترضاه لنفسك، أو هو مما يقدح في مروءتك وسلامة دينك، والزم ما يطمئن إليه قلبك فافعله أو خذه، ودع الشبهات فإنها من المهلكات.

فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير: "الْحَلَالُ بَيِّنٌوَالْحَرَامُبَيِّنٌوَبَيْنَهُمَا أمور مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَن كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَمَنْ اتَّقَى الشَبَّهَاتِ فقد اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الحرام، كَالرَاعي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يرتع فيه أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلَا وإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ"

وهذا الحديث عليه مدار الإسلام، والحلال ما بينته الشريعة في نصوصها من القرآن والسنة، والحرام ما بينته الشريعة كذلك، فالحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، لا ما أحله الإنسان أو حرمه بعقله وهواه.

وبين الحلال والحرام شبهات، من شك فيها وجب عليه أن يسأل العلماء عنها ليفتوه بما يرونه أليق بالفعل أو بالترك، وذلك تحرياً للحلال، وتوقياً من الوقوع في الحرام أو في المكروه، فإن الوقوع في المكروه قد يؤدي إلى الوقوع في الحرام، فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه, كما جاء في بعض الروايات، ولا سيما إذا تكرر منه ذلك، فإن النفس إذا قارفت المكروه لا تلبث أن تعتاد عليه ولا تبالي بعواقبه: وهي التجرؤ على المحرمات والوقوع فيما يلوث العرض ويجرح الدين.

والمرء رهين قلبه فصلاحه، وفساده بفساده.

والله عز وجل لا يقبل من الأعمال إلا ما صدر عن سلامة القلب وإخلاص النية، وأيقن صاحبه أنه حلال خالص.

* * *

والشبهات ثلاثة:

شبهة إلى الحل أقرب، وتركها ورع.

وشبهة إلى الحرمة أقرب، وتركها واجب أو قريب من الوجوب.

وشبهة بين بين، أي استوى فيه دليل الحل والتحريم، فمن مال إلى حل شيء، واطمأن قلبه إليه، فلا بأس من فعله أو أخذه، ومن مال إلى حرمته استحب له تركه والزهد فيه.

وهذا ما يفهم من قوله صلى الله عليه وسلم في نهاية الحديث: "فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ".

والصدق من معانيه التحقق من الأمر، والتثبت فيه، وأخذه بالقوة المنبعثة من الإيمان المبني على اليقين.

واليقين ضد الشك كما يقول علماء اللغة.

والكذب ضد الصدق، وهو مخالفة الخبر للواقع ومباينته للحقيقة، وعدم التثبت منه، ولذلك سمي الكذاب مريباً أي موضعاً للريبة، وهي الشك مع القلق والحيرة والاضطراب، فكل ريبة شك، وليس كل شك ريبة وإن كان الكثير من العلماء لا يفرقون بينهما.

ومن علامة صدق المرء أن يقدم على الشيء وهو واثق من حله ونفعه، ويدبر عنه وهو واثق من حرمته وضرره، ولا يخشى في الحق لومة لائم، ولا يكاد يشك أن الناس تكذبه وإن وجد فيهم من يتهمه بالكذب.

أما الكذاب فإنه لو صدق في شيء ظن كل الظن أن الناس تكذبه، ورأى أن أصابع الاتهام تتوجه إليه في حالتي الصدق والكذب على السواء؛ لأن الريبة ملكت عليه عقله وفكره، ولذا قالوا: ( كاد المريب أن يقول خذوني ).

واعلم أن الصدق خير محض، وأن الكذب لا خير فيه.

وقد ورد من رواية ابن حيان: "دَعْ مَايَرِيبُكَ إِلَىمَالَا يَرِيبُكَ فَإِنَّ الخير طُمَأْنِينَةٌ وَالشر رِيبَةٌ".

فالخير هو البر في صوره المختلفة، "وَالْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي الصَّدْرِ وَكرهت أن يطلع الناس عليه، وَإِنْأَفْتَاكَ النَّاسُوَأَفْتَوْكَ وَأَفْتَوْكَ" كما قال رسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أحمد وغيره.

* * *

وقد ذكرنا أن هذا الحديث يدخل في جميع أبواب الفقه من عبادات ومعاملات على الجملة.

ففي باب الطهارة مثلاً قد يتطرق الشك في الوضوء أو في الغسل، أو في طهارة الثوب، أو في طهارة المكان، أو في طهارة البدن، أو في طهارة الماء الذي يريد استعماله أو في غير ذلك مما لا ينحصر، فماذا يفعل من وقع له هذا الشك؟.

أقول: يأخذ باليقين ويطرح الشك جانباً، فمن توضأ وشك هل أحدث أم لا – ترك الشك وأخذ بالأصل، وهو أنه قد توضأ والشك طارئ على هذا الأصل فلا عبرة به.

ويرى المالكية أن عليه الوضوء استثناء من القاعدة المشهورة وهي: "استصحاب الأصل وطرح الشك وترك ما كان على ما كان" ورأوا أن الأخذ بالاحتياط أولى في أبواب الطهارة حتى يدخل المسلم الصلاة وهو مطمئن، فلا يعتريه أثناء صلاته ما يعكر عليه الخشوع فيها من وساوس الشيطان وهواجس النفس.

وإذا شك في الحدث أثناء الصلاة فليضرب عنه صفحاً، وليأخذ باليقين.

فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًافَأَشْكَلَ عَلَيْهِ،أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنْ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا".

والمراد بالمسجد في الحديث الصلاة كما صرح بذلك أبو داود في روايته بدليل ما رواه البخاري ومسلم عن عباد بن تميم عن عمه: أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة؟ فقال: "لا ينفتل – أو لا ينصرف - حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا".

وليس المراد سماع الصوت أو وجدان الريح في التحقق من نقض الوضوء, بل هو مثل لما سواه من النواقض، كخروج قطرة من البول أو المذي أو الودي ونحو ذلك.

وليس سماع الصوت ووجدان الريح شرطاً في نقض الوضوء، بل متى تيقن من حصول الناقض وجب عليه قطع الصلاة وإعادة الوضوء.

ومن أدلة هذه القاعدة أيضاً ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه: "إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا؟ فَلْيَطْرَحْ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَااسْتَيْقَنَثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْت لَهُ صَلَاتَهُ وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لِأَرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ".

ولو تتبعت أبواب الفقه لوجدت صوراً كثيرة من الوساوس التي تعتري الناس في عباداتهم ومعاملاتهم مما لا تطيل الكلامم فيه هنا، ولكن ينبغي أن تعلم أن الوسوسة آفة من الآفات التي يصعب على المرء تلافيها إذا ما استحكمت في العقل، وتمكنت منه، فإنها لو تمكنت منه أخبلته وأفسدت قريحته وانحرفت به عن الجادة، وربما ذهبت به – والعياذ بالله تعالى.

وإذا لم يكن الموسوس مخبولاً فهو ناقص في دينه بسبب جهله بتعاليمه أو بسبب انخراطه في المعاصي، أو بسببهما معاً.

والوسواس – بكسر الواو – هو ما يمليه الشيطان على الإنسان من الأقوال الباطلة، والأفكار الفاسدة، والشبهات المنحرفة، وما يُدخله على فلبه من الأحاديث المضللة، والهواجس الممرضة، والأهواء الجامحة.

وهي من كيده الذي لا يكاد ينقطع، ومكره الذي لا يكاد يزول.

يقول الله عز وجل: { إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ } (سورة فاطر: 6).

ولقد لعب الشيطان بأقوام حتى أخرجهم من الملة، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

وقد تكلمت عن آفات الوسواس وعلاجه في القاعدة التاسعة من الباب الثاني عشر من كتابي "القواعد الفقهية بين الآصالة والتوجيه" فراجعه إن شئت وبالله توفيقك.

* * *

وكلمة أخيرة أقولها لإخواتي حول هذا الحديث الذي هو عمدة في علاج النفوس من الحيرة والتردد والتردي في مزالق الشر من غير رؤية ولا تثبت ولا نظر ولا استدلال – أقول لهم: إن لكم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فقد كان يحسم الشك باليقين ويأخذ بمعالي الأمور ويترك سفسافها، ويأخذ بالاحتياط في أمره كله مع مراعاة التيسير عندما تدعو الضرورة إلى الأخذ به، ومن تتبع سيرته عرف ذلك.

وسيأتي طرف من سيرته العطرة في عدة أحاديث إن شاء الله تعالى.

والله الموفق.

* * *

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم