(بصائر) عام الحزن..

الكاتب : محمد حسين يعقوب

1- كانت تعليمات رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لأفراد المسلمين ألا يواجهوا العدو، وان يضبطوا أعصابهم، فلا يشغلوا فتبيل المعركة او يكونوا وقودها؛ وان أعظم تربية في هذه المرحلة هي صبر ابطال الأرض على هذا الأذى دون مقاومة، حمزة وعمر، وأبو بكر وعثمان، وغيرهم (رضي الله عنهم) سمعوا وأطاعوا، لقوا كل هذا الأذى وهذا الحقد وهذا الظلم، فكفوا أيديهم، وصبروا ليس على حادثة واحدة فقط، او يوما واحدا فقط؛ بل ثلاث سنين عجاف، تحترق أعصابهم ولا يسمح لهم برمية سهم او شجة رأس. 

2- أثبتت الاحداث عظمة الصف المؤمن في التزامه بأوامر قائده، وبعده عن التصرفات الطائشة؛ فلم يكن شيء أسهل من اغتيال ابي جهل، واشعال معركة غير مدرسة وغير متكافئة، لا يعلم مداها إلا الله، ولكن الالتزام بالطاعة عصمة. 

3- كانت الدعوة الإسلامية تحقيق انتصارات رائعة في الحبشة، وفي نجران، وفي ارد شنوءة، وفي دوس، وفي غفار، وكانت تتم في خط واضح سيكون سندا للإسلام والمسلمين، وستكون أيضا مراكز قوى يمكن ان تتحرك في اللحظة الحاسمة، وامتدادات للدعوة تتجاوز حدود مكة الصلدة المستعصية.

4- كانت هذه السنوات الثلاثة في حصار الشعب للجيل الرائد زادا عظيما في البناء والتربية، حيث ساهم بعضهم في تحمل الام الجوع والخوف، والصبر على الابتلاء، وضبط الاعصاب، وتحمل الضغط على النفوس والقلوب، ولجم العواطف عن الانفجار. 

5- كانت بعض الشخيصات في الصف المشرك تبنى في داخلها بالتربية النبوية، وتتأثر بعظمة شخصية النبي (صلى الله عليه وسلم) وتتفاعل في أعماقها مع المبادئ التي يقدمها الدين الجديد؛ لكن سيطرة الملأ وسطوة الكبراء كانت تحول دون إبراز هذا التفاعل وهذا الحب وهذه التربية، وختام قصة الصحيفة يقدم لنا أجلى بيان عن ذلك. 

6- قيام الحجج الدامغة والبراهين الساطعة والمعجزات الخارقة لا يؤثر في أصحاب الهوى وعبدة المصالح والمنافع؛ لأنهم يلغون عقولهم، ويغلقون قلوبهم عن التدبر، ويصمون آذانهم عن سماع الحق، ويغمضون أعينهم عن النظر والتأمل والاهتداء الى الحق بعد قيام الأدلة عليه، فلقد أخبرهم أبو طالب بما أخبر به رسول (صلى الله عليه وسلم) بما حدث للصحيفة من أكل الارضة لها وبقاء اسم الله فقط ((باسمك اللهم)) ورأوا ذلك بأم أعينهم؛ فما آمن منهم أحد، إنه الهوى والكبر الذي يعشي عن الحق، ويصم الآذان عن سماعه. 

7- كانت حادثه المقاطعة الاقتصادية والاجتماعية سببا في خدمة الدعوة والدعاية لها بين قبائل العرب؛ فقد ذاع الخبر في كل القبائل العربية من خلال موسم الحج ولفت انظار جميع الجزيرة العربية الى هذه الدعوة التي يتحمل صاحبها واصحابه الجوع والعطش والعزلة كل هذا الوقت، أثار ذلك في نفوسهم ان هذه الدعوة حق، ولولا ذلك لما تحمل صاحب الرسالة واصحابه كل هذا الأذى والعذاب. 

8- أثار هذا الحصار العرب على كفار مكة؛ لقسوتهم على بني هاشم وبني المطلب، كما أثار عطفهم على النبي (صلى الله عليه وسلم) واصحابه (رضي الله عنهم) فما ان انفك الحصار حتى أقبل الناس على الإسلام، وحتى ذاع أمر هذه الدعوة، وتردد صداها في كل بلاد العرب، وهكذا ارتد سلاح الحصار الاقتصادي على أصحابه، وكان عاملا قويا من عوامل انتشار الدعوة الإسلامية عكس ما أراد زعماء الشرك تماما. 

9- قوة الحق في قوة مبادئه واصوله، وعلى حسب فرب العبد منها يكون تأثيره وتكون تضحيته، فإذا رأى الناس الحق متمثلا في صورة رجال يتحركون به وله؛ فإن الافئدة تهوي إليه وتؤثر وتكون جنديا من جنوده الثابتين، في هذا الان او بعد حين. 

10- الباطل خاو فارغ، لا يملك ألا صولة ذراعه، وعبوسة وجهه، وهمجية غضبه، فإذا ووجه بنصاعة الحق وصلابته أنزوى وتوارى وضعف وزهق:

(لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلد)

(آل عمران: 196) 

11- كثيرا ما تنطوي غيوم العفلة والقسوة على غدران وأنهار من الرحمة، يفجرها ربها إذا شاء؛ ليمضي في خلقه من قدره ما شاء، وقد يستعمل (عز وجل) ظالما كافرا في كشف ما أصاب المؤمنين من ضر وعناء. 

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم