1. المقالات
  2. تدبر حديثًا
  3. الحديث الحادي والعشرون: (رحلة جابر لحديث القصاص)

الحديث الحادي والعشرون: (رحلة جابر لحديث القصاص)

تحت قسم : تدبر حديثًا
205 2020/08/11 2020/08/11
الحديث الحادي والعشرون: (رحلة جابر لحديث القصاص)

عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ:

بَلَغَنِي حَدِيثٌ عَنْ رَجُلٍ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاشْتَرَيْتُ بَعِيرًا، ثُمَّ شَدَدْتُ عَلَيْهِ رَحْلِي، فَسِرْتُ إِلَيْهِ شَهْرًا، حَتَّى قَدِمْتُ عَلَيْهِ الشَّامَ فَإِذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أُنَيْسٍ، فَقُلْتُ لِلْبَوَّابِ: قُلْ لَهُ: جَابِرٌ عَلَى الْبَابِ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَخَرَجَ يَطَأُ ثَوْبَهُ فَاعْتَنَقَنِي، وَاعْتَنَقْتُهُ، فَقُلْتُ: حَدِيثًا بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقِصَاصِ، فَخَشِيتُ أَنْ تَمُوتَ، أَوْ أَمُوتَ قَبْلَ أَنْ أَسْمَعَهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - أَوْ قَالَ: الْعِبَادُ - عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا" قَالَ: قُلْنَا: وَمَا بُهْمًا؟ قَالَ: "لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مِنْ بُعْدٍ كَمَا يَسْمَعُهُ مِنْ قُرْبٍ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ، وَلَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقٌّ، حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ حَقٌّ، حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، حَتَّى اللَّطْمَةُ" قَالَ: قُلْنَا: كَيْفَ وَإِنَّا إِنَّمَا نَأْتِي اللهَ عَزَّ وَجَلَّ عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا؟ قَالَ: "بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ"

رواه أحمد في المسند، والبخاري معلقا في الصحيح، ومتصلا في الأدب المفرد، والحاكم في المستدرك وصحح إسناده ووافقه الذهبي، وحسنه الحافظ في الفتح، وحسنه الألباني والأرناؤوط (تخريج المسند ١٦٠٤٢)


المعاني: 

اعْتَنَقَنِي: الاحتضان، وتقريب العنق من العنق.

يُحْشَرُ النَّاسُ: يخرجون من قبورهم ويُجمعون للحساب والجزاء.

عُرَاةً: بلا لباس ولا ستر.

غُرْلًا: غير مختونين.

الدَّيَّانُ: الذي يقوم على الأمور ويحكم، وهو من أسماء الله عز وجل، معناه الحكم القاضي.

أَقُصَّهُ مِنْهُ: آخذ منه حق من ظلمهم في الدنيا.

اللَّطْمَةُ: ضربة الوجه.

الفوائد (29 فائدة) 

الفوائد العقائدية: 

1. "أو قال: العباد" العباد تشمل هنا المؤمن والكافر، والمقصود هنا هو العبودية الاضطرارية والتي يدخل تحتها جميع الخلق بحكم إنهم مربوبون ومخلوقون لله، وهذا النوع من العبادة لا ينفع صاحبه يوم القيامة، فالثواب والعقاب والجنة والنار إنما تكون على العبادة الاختيارية والتي يصرفها الإنسان ويتقرب بها باختياره إلى الإله، ولا يستحق هذه العبادة إلا الله الواحد الأحد.

2. يحشر الناس كيوم ولدتهم أمهاتهم حفاة عراة غير مختونين وليس معهم أي شيء مطلقا، فالحديث فيه تفسير قوله تعالى

{كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ}

[الأنبياء: 104]

3. استواء الخلق يوم القيامة بلا مناصب ولا أموال ولا أنساب، يسكنهم الهلع والرعب وهول المحشر إلى الله للحساب والقصاص.

4. ثبوت اسم الله الديان. 

5. نداء الله وتكليمه الخلائقَ يوم القيامة بصوت يسمع من بعد كما من قرب

(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)

(الشورى:11)

6. القصاص بين أصحاب الحقوق وظالميهم يوم القيامة.

7. كمال عدل الله وحكمه وحكمته بشمول اقتصاصه لكل مظلوم حتى وإن كان من أهل النار فيقتص لهم من أهل الجنة إن كان لهم حقوق عليهم. 

8. القصاص يوم القيامة لا يقتصر على عظائم الأمور وإنما يدخل فيه كل ما كان ظلما حتى لو كان صغيراً مستحقراً عند الناس كاللطمة.

9. الحسنات والسيئات عملة الآخرة، وبها يتم الاقتصاص.

الفوائد الفقهية: 

1. وجوب رد المظالم في الدنيا. 

2. وجوب التحلل من الذين وقع عليهم الظلم لتكتمل التوبة وإلا ظلت غير مكتملة إلى يوم القيامة.


الفوائد الحديثية: 

1. الإسناد من الدين والتحري والتثبت أمر قرآني وخاصة في الأخبار الغيبية والأحكام الشرعية، وقد سمع جابر الحديث من رجل قبل الارتحال ولكنه طلب التوثق والعلو في السند.

الفوائد العامة: 

1. الرحلة وبذل الجهد والمال في طلب العلم، فالعلم لا يُنال براحة الجسد.

2. وردت روايات أخرى للحديث أن رحلة جابر لم تكن للشام ولكن إلى مصر، وعليها فقد ارتحل من المدينة المنورة لمصر في طلب حديث واحد سمعه بالفعل، ولكن أراد العلو في السند.

3. الفرق الشاسع بين جهود الأوائل وبذلهم وبين تقصيرنا في طلب العلم، رغم عسر أيامهم ويسر أيامنا.

4. أدب جابر وتواضعه رضي الله عنه في الاستئذان.

5. محبة الصحابة لبعضهم محبة في الله.

6. فرحتهم بلقاء بعضهم بعضا وتنزيل عبد الله لجابر بمقام رفيع، حيث خرج اليه مسرعا واعتنقه "فخرج يطأ ثوبه".

7. فضل التزاور في الله والسفر لأجله.

8. من السنة المصافحة باليد عند اللقاء، والمعانقة للقادم من سفر وفي المناسبات والأحداث المميزة كالأعراس.

9. الاستزادة من العلم تستمر حتى الموت وليس لها علاقة بالسن.

10. لا يحصل أحد العلم كله، وأهل العلم في احتياج دائم لعلم بعض بعضا.

11. قد يغيب على الفاضل العالم علم مسألة أو دليلها.

12. شدة الهول تنسي الإنسان غرائزه وشهواته، ففي الحديث الذي رواه مسلم عن عائشة: "يُحْشَرُ النَّاسُ يَومَ القِيامَةِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، النِّساءُ والرِّجالُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ، قالَ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: يا عائِشَةُ الأمْرُ أشَدُّ مِن أنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْض".

13. احتقار أمر الدنيا وما يتنازع عليه الناس فيها، فلا ينفع منها شيء، ولا ينقل منها شيء ليوم القيامة مطلقا إلا الحسنات والسيئات. 

14. خطورة الذنوب المتعلقة بحقوق الآدميين، راجع الحديث رقم 2 (أتدرون من المفلس؟).

الفوائد اللغوية: 

لكلمة "بُهما" عدة معاني:

1. أصحاء، سالمين من عاهات الدنيا، من عمى أو عرج ونحوه، ومن بتر منه عضو من جسده يبعث به.

2. يشبهون البهائم في عدم امتلاك شيء.

3. يشبهون البهائم في عدم النطق، حيث أنهم:

(لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ)

(النبأ:38)

.


المقال السابق المقال التالى
موقع نصرة محمد رسول اللهIt's a beautiful day