عربي English עברית Deutsch Italiano 中文 Español Français Русский Indonesia Português Nederlands हिन्दी 日本の
  
  

   

 

 

يألف ويؤلف
 
كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يألف ويؤلف، فما أن تقع عينك عليه حتى تحبه، فإذا سمعته أحبتته، وإذا حدثته أحببته، وإذا خالطته أحببته، وإذا تعاملت معه في الدرهم والدينار أو في أي من المعاملات المالية؛ على التو تحبه، وإذا سافرت معه في سفر وعاينت أخوته وإيثاره على الفور تحبه ..
 
نعم هو ذا، وهو القائل : « الأرواح جنود مجندة ، فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف »[1] .
 
وقد وصف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ؛ الإيمان بقوله: الإيمان "الصَّبْرُ وَالسَّمَاحَةُ"[2]. ووصف المؤمن بأنه: " يَأْلَفُ وَيُؤْلَفٌ وَلاَ خَيْرَ فِيمَنْ لاَ يَأْلَفُ وَلاَ يُؤْلَفُ، وخير الناس أنفعهم للناس "[3] .
 
***
 
يألف ويؤلف، هذه صفته، صلى الله عليه، هذه النفس الطيبة؛ أبت نفسٌ تحت العبودية أن تخرج من الرق إثارًا لها وضنًا . فزيد بن حارثة كان في الرق، واشترته خديجة ـ رضي الله عنها ـ وأهدته إلى زوجها محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وكانت من أخلاق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع زيد، كيت وكيت وكيت، أو كانت من أخلاق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع زيد ما لا تحصيه الأقلام، أو ، أو ... بل نستطيع أن ندفع العناء عن أنفسنا في ذكر أخلاق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع خادمه ومولاه زيد بذكر موقف زيد حينما خُير بين حياة الرق ـ في بيت محمد ـ أو حياة الحرية في ظل أبيه حارثه، فلم يبال بشيء ما دام في صحبة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
 
 
 
إذ لما علم حارثة بموضع ابنه زيد، وقد وصلتْ الأنباءُ إلى عائلة زيد أن ابنكم المخطوف قد استرق وبيع في سوق عكاظ، فهداهم البحث إلى بيت محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فأقبل حارثة مع نفر من عشيرته إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وطرقوا بابه، وكان زيد إلى جواره، فنادوه : يا زيد ! فلم يجبهم إجلالا منه لرسول الله  ـ صلى الله عليه وسلم ـ وانتظارًا منه لرأيه ، فقال له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
 
"  من هؤلاء يا زيد ؟ " .
 
 فقال : يا رسول الله ، هذا أبي ، وهذان عماي ، وهذا أخي وهؤلاء عشيرتي ، فقال له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " قم فسلم عليهم يا زيد " ..
 
 فقام فسلم عليهم، وسلموا عليه ، وقالوا : امض معنا يا زيد ، قال : ما أريد برسول الله بدلاً ، فقالوا له : يا محمد ، إنا معطوك بهذا الغلام ديات ، فسم ما شئت ، فإنا حاملوها إليك ، قال :
 
 " أسألكم أن تشهدوا أن لا إله إلا الله ، وإني خاتم أنبيائه ورسله" ! فأبوا وتلكأوا وتلجلجوا .. وقالوا : تقبل ما عرضنا عليك يا محمد ؟ فقال لهم :
 
" ههنا خصلة غير هذه ، قد جعلت أمره إليه ، إن شاء فليقم ، وإن شاء فليرحل"..
 
 قالوا : قضيت ما عليك يا محمد !! وظنوا أنهم قد صاروا من زيد إلى حاجتهم ، قالوا : يا زيد ، قد أذن لك محمد ، فانطلق معنا ، قال : هيهات، هيهات، ما أريد برسول الله بدلا ، ولا أوثر عليه والدًا ولا ولدًا ، فأذاروه وألاصوه واستعطفوه ، وذكروا وجد من وراءهم ، فأبى ، وحلف أن لا يصحبهم[4] ..
 
 
إن الذي دفع زيدٌ إلى التمسك بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رغم حياة العبودية؛ لَيُبِيْنُ لنا طبيعةَ هذه النفس الكريمة التي كانت بين جنبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فقد صارت ـ بأخلاقها ـ كالعَلَم الذي في رأسه نار؛ يهوى إليه الناسُ من هنا وهناك، أو كالمغناطيس الذي يجذب قطع الحديد من حوله .
 
إن أخلاق الرفق والرحمة والعفو والتواضع والكرم والشجاعة والبذل ـ تجعل من نفس المرء شمسًا يستدفىء بها الناسُ في قَرّ البرد، وحصنًا يأوي إليه المكروب في وقت الظلم، ومرتفعًا يأوي إليه من أراد الامتناع .. هذه الأخلاق؛ تجعل لنفس المرء سحرًا حلالاً، ورونقًا وجمالاً؛ تَهْوِي إليه أفئدةُ الناسِ، حينها يصير الإنسانُ ـ الذي تخلّقَ بأخلاق " يألف ويؤلف" ـ كالسلطان في الأرض، كالملك، كالرئيس .. كالحاكم الذي يأوي اللهيفُ إلى ظله، ويلجأ الضعيف إلى عدله.
 
لذلك كان حُسْن الخُلق خيْر قَرِين، وكان الأدب خير رصيد، وكان الرفق خير طريق.. فاحرص أخي أن تكون طيب العشرة، حاذق الطُرفة، حسن المفاكهة، مُجيد الدعابة، جميل المعاملة، لين الجانب .. مع حسن السمت، وطول الصمت، وكثرة الوقار، وعمق الحياء، وعلو التواضع.
 
***
 
واعم أن مفتاح التمكن من قلوب الناس؛ في قضاء حوائجهم، والزهد عما في أيديهم .
 
فإذا أردتَ أن تملك قلب إنسان؛ فاقض له حاجه وازهد في نواله.
 
 
 
***
 
واعلم أنه لا سيادة دون إنفاق، ولا ريادة دون بذل، ولا مكانة لحسود، ولا وقار للجوج ـ وكل هذه ـ أي  البخل والحرص والحسد واللجوج ـ من مغاليق قلوب الناس دونك. 
 
***
 
واعلم أن المتكبر قد يملىء السمع والبصر، ويصل صيته في كل مكان، ويشاع ذكره في كل حدب وصوب ـ عدا مكان واحد هو قلوب الناس .
 
توصيات عملية :
 
1ـ الإحسان إلى ضعيف من الضعفاء، ببذل صدقة أو هدية له.
 
2ـ استخدام التقنيات الحديثة مثل الجوال والإنترنت في توثيق الصلة بينك وبين إخوانك، فارسل رسائل المحبة والتهنئة والدعوة من حين لآخر .
 
3ـ لا تبخل أبدًا، فإن البخيل يبغضه الله ويبغضه الناس ويبغضه الأهل ويبغضه الولد .
 
 
-----------------------------------
 
[1] أخرجه البخاري ( 3336)
 
[2] أخرجه أحمد :19435 ، عن عمرو بن عبسة، والحديث في السلسلة الصحيحة برقم 554
 
[3]  أخرجه الطبراني ( الأوسط) :6/58،  والحديث في السلسلة الصحيحة برقم 426
 
[4]انظر القصة في : الحاكم برقم 4946 ، فوائد تمام، برقم 1112، وتاريخ دمشق ج 10، ص 138، وفي سند القصة مقال، ولا بأس من إياردها في سياق السيرة . 



                      المقال السابق                       المقال التالى




Bookmark and Share


أضف تعليق

أنت بحاجة للبرامج التالية: الحجم : 2.26 ميجا الحجم : 19.8 ميجا