عربي English עברית Deutsch Italiano 中文 Español Français Русский Indonesia Português Nederlands हिन्दी 日本の
  
  

   

الدعوة جهرًا
 
خطبة الصفا
 
الإعداد ثم الإعلان، والتربية ثم الانطلاقة، والكمون ثم الحركة، والتخطيط ثم التنفيذ، والعلم ثم العمل .
 
والجرأة في كلمة الحق، والهمة في بلوغ الصعب، ومسؤولية الداعي عن بيته وعائلته، واستخدام أرقى وسائل الإعلام في الدعوة .
 
كلها دروس في خطبة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على جبل الصفا.
 
 
نزلت : { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ }، فخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا فَهَتَفَ  :
 
 " يَا صَبَاحَاهْ !!!"
 
 فَقَالُوا :  مَنْ هَذَا ؟ فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ :
 
 " أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلاً تَخْرُجُ مِنْ سَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ ؟  "  قَالُوا : مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا .
 
 قَالَ : " فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ  "
 
قَالَ أَبُو لَهَبٍ :  تَبًّا لَكَ ! مَا جَمَعْتَنَا إلا لِهَذَا ؟  
 
 فَنَزَلَتْ
 
{ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ }[1]
 
 
 
على جبل الصفا ـ وهو من أعلى جبال مكة ـ كان الإعلان عن الدعوة؛ إذ الدعاة يعتلون أعلى المنابر، والمجاهدون يمتطون أعتق الجياد، والجميعُ يَعدّون ما ستطاعوا من قوة ـ  .
 
وهكذا دومًا أعلام الإسلام، يبتغون من وراء المنبر الإعلامي رفعة الدين وإعلاء كلمة الإسلام؛ وينشرونها من أعلى ربوة، وأسمق مبنى، وأكبر صحيفة، وأشهر مجلة، وأهم قناة فضائية ...
 
 
 
 
 وعلى جبل الصفا، وَجّه النبيُ – صلى الله عليه وسلم – نصحه علنًا لأهله وعشيرته؛ لتَخْلُصَ الدعوة لله من كل العصبيات خلا وشيجة الأخوة الإسلامية .
 
 
 
وعلى جبل الصفا كانت الصيحةُ الأولى بالخطر الذي يتهدد البشرية :
 
"  يَا صَبَاحَاهْ !! "[2]. ولم تكن صيحة تنذر بجيش غازٍ، أو عدو زاحف؛ إنما كانت صيحةٌ تحذر من الخطر الماحق المحدق بالإنسانية؛ وتنذر بالطريق المظلم الذي سلكته البشرية ـ وهي في أحط عصورها ـ من فساد طال المعتقدات والأخلاق والسلوك والمعاملات، وقد أوشكت البشرية أن تغرق في طوفان لا نجاء منه إلى قيام الساعة .. لولا وثبة الداعي، وصيحة الحق: "  يَا صَبَاحَاهْ !! "
 
 
 
وعلى جبل الصفا؛ بدأت الدعوة العلنية صافية ـ ومن حُسْنِ الطالع أن تبدأ صافية على جبل اسمه الصفا ـ جلية لا لبث فيها ولا غبش، واضحة سهلة محددة:" فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ "[3].
 
 
 
 
 
وعلى جبل الصفا، كانت البداية، ليَعْرف فضلها كلُ ساعٍ وزائر، وليذكر أهميتها كل حاج ومعتمر، وفضل الوقفة الصلبة في وجه الباطل، وفضل الكلمة الصادقة في وجه الكذب، وفضل كلمة الحق التي قد تفعل ما لا تفعله الطيارات والدبابات.
 
 
 
 
هذه الوقفة الشجاعة التي وقفها سيد الشجعان؛ لتترنحُ حولها مناقب السادة والقادة من الشجعان على مر التاريخ .. إنها وقفة لا يدرك كنهها سوى الدارس المتبصر لطبيعة المجتمع القرشي في جاهليته .
 
هذا اليتيمُ الذي وقفَ ينادي على أهل بيته وقومه على حد سواء، ويهتف فيهم بهتاف يزلزل معتقدات باطلة، وعادات فاسدة؛ توارثها القومُ جيلاً بعد جيل، وتأصلت فيهم هذه الثقافات؛ حتى أصبحت مصادر أرزاقهم من هذه الأوثان المتراصة حول البيت الحرام .
 
ثَبْتتْ قدمُه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو ينفض هذه الجاهليات عن كاهل البشر، ويعتلي هذه الربوة بخطوات واثقة؛ ربيط الجأش، يتأبط التوكل، فلم يهتز ولم يتلجلج ؛ فأثار انتباههم – في بادىء الأمر- وأشهدهم على أنفسهم – بما عُرف به من الصدق – فقال :
 
" أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلاً تَخْرُجُ مِنْ سَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ ؟  "  هكذا نبه شعورهم، وأيقظ أفئدتهم، وهيئها وفرش لها ليلقي عليهم الكلمة الحقة التي لن ينسوها ..
 
وقد قالوا جميعًا ولم يتردد أحدٌ فيها : " مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا "، فتاريخه أصفى من الشهد، وسيرته خير سيرة، وبره أحسن بر، ومجده أعظم مجد، هكذا عرفوه في شبابه، ولقّبوه بالأمين، هو الذي حقن دماءهم يوم الحجر الأسود، ووَحّدَ صفهم؛ وقد أوشك الناسُ على الاقتتال، وهم الذين ارتضوه حكمًا بينهم في هذا النزاع الخطير . وقد جعل بيته خزانة لأماناتهم؛ فلا تطمئن قلوبهم على أموالهم حتى تكون في بيت محمد – صلى الله عليه وسلم - ، فتقر نفسوهم ويهدأ بالهم، وكأنما ألقوا أموالهم في حصن منيع، أو بئر حفيظ .
 
... فلما كانت هذه شهادتهم فيه، قال قولته؛ يعرّف بنفسه ورسالته في أوجز جملة : " فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ  "
 
وسكتَ الناسُ، وكأنما نقرهم ديك، ووقفوا مليًا يفكرون في هذه الكلمة، وصمتوا ولم يؤيدوا على التو خشيةَ الصناديد الطغاة، وصمتوا حتى يسمعوا ردة فعل السادة الكبار، وبالفعل لم يُسمع  سوى صوت صنديد يمثل الهيئة الرسمية الحاكمة في مكة، فكان الرد القوي الذي يريد أن يربو ويتطاول  ليدفع شيئًا مما أحدثته كلمة الصدق :
 
"  تَبًّا لَكَ ! مَا جَمَعْتَنَا إلا لِهَذَا ؟   "
 
كلمة حق قوية خرجت لها كلمة باطل عتية، فكان الرد الإلهي الحاذم الشديد، الخالد السديد :
 
{ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ }
 
هكذا كان الانطلاق بالقرآن ، والدفاع بالقرآن
 
 
 
 
ولم يعبأ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم – بكلمة أبي لهب اللاهبة الباطلة، ولم يعبأ بمكان عمه ولم يَرُدَّ عليه، وواصل رسول ُالله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كلامه مستفيدًا من فرصة حضور الناس، الذين جاءوا إليه من من كل البطون، فأخذ ينادي عليهم بطنًا بطنًا :
 
 " يَا بَنِى كَعْبِ بْنِ لُؤَىٍّ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ !
 
يَا بَنِى مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ !
 
 يَا بَنِى عَبْدِ شَمْسٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ !
 
 يَا بَنِى عَبْدِ مَنَافٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ !
 
يَا بَنِى هَاشِمٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ  !
 
يَا بَنِى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ !
 
يَا فَاطِمَةُ أَنْقِذِى نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ ـ فَإِنِّى لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلاَلِهَا "[4].
 
وسَوّى نداءُ الإسلامِ بين البعيد والقريب، والوضيع والحسيب ..
 
وكان النداء على أهل البيت وأهل الوطن على حد سواء ..
 
إن مسؤولية المسلم عن أهله أمام الله بادية بينة من أول يوم بدأت فيه الدعوة الجهرية، وذلك حتى لا يحدث ذلك الجُوال ( أو الفصام )؛ وهو ذلك السلوك النكد الصادر من بعض الأدعياء حينما يأمرون بأمر ولا يأتمرون به؛ ولاسيما على نطاق أُسَرِهم. وهؤلاء لا فضيلة لهم ولا أثر؛ إذ كيف يستقيم الظل والعود أعوج!و" كُلُّكُمْ رَاعٍ، وكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عن رعيته"، {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا}[طه132].
 
فكلكم راع ونحن رعية ... وكل سيلقى ربه فيحاسبه
 
 
 
 
يا قارئي ! بمثل هذه الوقفات العظيمة، تمتطي كاهل المجد، وتصطفي كامل السعد، وتحرز الجنة وحسن الذكر .
 
وهل ساد السادة إلا بمثل هذه الوقفات ؟ وهل عرفنا العظماء إلا بهذه الوقفات ؟ وهل نال الصحابة ما نالوا من الشرف والتمكين إلا بمواقفهم ؟
 
 
 
 
نحن في احتياج  لمثل هذه الوقفة ـ وقفة الصفا ـ في كثير من الميادين والدوائر؛ لاسيما في التي كثر فيها الفساد .
 
وقفة وصرخة في أرباب الفساد الأخلاقي؛ أهل العُهر الفني، والفُجْر الفكري، والدُعر الأدبي . وقفة وصرخة في صناع الفسولة والميوعة، رواد السفاهة والبلاهة. وقفة وصرخة في جموع المهرجين في جميع مجالات التهريج .. اكتبْ دومًا واهْتفْ : يا صباحاه .. لا لتخبيل الأمة !!!
 
 
 
توصيات عملية
 
1ـ مدارسة سورة الشعراء
 
2ـ  أحرز موقفًا تجهر فيه بكلمة الحق
 
3ـ إذا دعوت إلى الله فلا تلتفت للمسفهين، وامض، وواصل كلمتك .
 
---------------------
 
[1] أخرجه البخاري: 4589
 
[2] البخاري: 4589
 
[3] البخاري: 4589
 
[4] أخرجه مسلم : 522



                      المقال السابق                       المقال التالى




Bookmark and Share


أضف تعليق

أنت بحاجة للبرامج التالية: الحجم : 2.26 ميجا الحجم : 19.8 ميجا