عربي English עברית Deutsch Italiano 中文 Español Français Русский Indonesia Português Nederlands हिन्दी 日本の
  
  

   

الحديث الحادي عشر: لا تلعنوه، فوالله ما علمت إنه يحب الله ورسوله


وعن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه-:  أن رجلا على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- كان اسمه عبد الله وكان يلقب حمارا، وكان يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد جلده في الشراب، فأتي به يوما فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تلعنوه؛ فوالله ما علمت إنه يحب الله ورسوله  أخرجه البخاري.

 

والله ما علمت أيش عندك؟ إنه يحب الله ورسوله، أي: والله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله. الشاهد في قوله: كان يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيه سماحة خلق النبي صلى الله عليه وسلم، سماحة خلق النبي عليه الصلاة والسلام، رءوف رحيم ومن رأفته أنه يضحك مع أصحابه، ويتبسم معهم ويتبسط التبسط المحمود، أيضا وفيه الرد على من زعم أن الضحك والتبسم لا يليق بأهل العلم والوقار ودعاة الخير، بعض الناس يمنع أو يتحرج من الضحك ديانة، بل وينكر على من ضحك، ويرى أن ذلك مما ينقص الهيبة، وما يخرم المروءة، وهذا من الجهل؛ فالنبي -عليه الصلاة والسلام- كان يضحك ويتبسم ويتبسط مع أصحابه -رضي الله تعالى عنهم- لكن ذكر أهل العلم أن الضحك والتبسم على قسمين:

قسم مذموم: وهو الذي يخرج به الإنسان عن حد المروءة، لا تراه إلا ضاحكا متمسخرا، كثير الضحك في كل مجلس، لا يفرق في جميع الأحوال، فهذا مذموم،  إياك وكثرة الضحك؛ فإن كثرة الضحك تميت القلب  حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.

أما الضحك المحمود: هو الضحك بقدر، فيه إدخال السرور من غير تمسخر أو تنقص، ومما يأتي في بعض السير، بعض التراجم، قولهم عن بعض المترجمين: لم يُرَ ضاحكا أو لم ير يتبسم قط، في الغالب أن أهل العلم ينتقدون هذا الأمر، فيقولون: النبي -عليه الصلاة والسلام- أكمل المؤمنين أخلاقا، وأعظمهم هيبة ومهابة، ومع هذا لم يكن على هذا الهدي، أو على هذا النهج من عدم الضحك والتبسم؛ ولهذا كان من شمائله -عليه الصلاة والسلام- التنوع بحسب حال المخاطبين والمجالس، ومن قرأ في شمائل الترمذي أو في غيرها رأى تنوع أحوال النبي عليه الصلاة والسلام، ودعاة الخير أولى الناس بهذا، في مجلس يتبسطون، فيه دعابة، مجلس فيه حزم، مجلس فيه نوع من الترويح، مجلس فيه علم وجد وإنكار وأمر؛ ولهذا تقرأ في فهارس شمائل الترمذي باب في ضحكه صلى الله عليه وسلم، باب في تبسمه صلى الله عليه وسلم، باب في بكائه صلى الله عليه وسلم، باب في غضبه صلى الله عليه وسلم، باب في فرحه صلى الله عليه وسلم، وهكذا، والحكيم هو الذي يضع الأمور مواضعها، الضحك موطن الضحك، والغضب موطن الغضب.

أما التقطيب والعبوس والنفور من الأنس والترويح فهذا يأباه الإسلام وهدي الإسلام، وفيه أيضا أن غلبة الدعابة على رجل لا تنقص من شخصه، فهنا قال: كان يُضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتمايز الناس يتفاوتون، فقد يغلب على بعضهم الدعابة، كما يغلب على بعضهم الغضب، يغلب على بعضهم الصمت، يغلب على بعضهم الوقار، فالناس أجناس، ونحن نعلم في مجالسنا وفي مجتمعاتنا أناس تغلب عليهم الدعابة، لكن شريطة أن لا تخرج تلك الدعابة إلى محظور شرعي، فهذا الصحابي الجليل كان يضحك النبي عليه الصلاة والسلام.

من المعلوم أن إقرار النبي عليه السلام له دليل على أنه لم يكن في ضحكه يرتكب محظورا، يعني تهكما بأحد، أو قدحا في أحد، لهذا بعض الناس إذا غلب عليه الدعابة فلا ينكر عليه إذا كان بقدر، ولم يجرح أو لم يجرح دعابته بمحظور شرعي، وقوله: كان يلقب في الأول حمارا، جواز تلقيب الرجل باسم الحيوان، أو بأي اسم إذا كان يؤثر فيه، ولم يكن في الاسم محظور شرعي، فبعض الناس يحب هذا اللقب الذي اشتهر به، بل بعض الناس لم يعرف إلا بلقبه، وغاب اسمه، وهنا أذكر أمرا، نَقَدَ بعض الناس من دعاة الشعوبية إطلاق أسماء الحيوانات على العرب، أو تسمي العرب، ليس هذا من دعوة القومية حاش وكلا، لكن فائدة علمية، ذكر ابن قتيبة وغيره، أن العرب لما سمت بهذه الأسماء أخذت أفضل أوصافها فسمت بجحش وبحمار، وبجمل، وبذئب، لقوته، لتحمله، وما شاكل ذلك، كما أن الغراب اسم مشهور في الرواة، وحبيبنا الشيخ فهد قال: وسمت العرب بهذا الاسم لشدة حذره ونباهته، فإذا كان الإنسان حذرا ونبيها، فهذه منقبة، وياما أتعبنا حذر الشيخ فهد وتنبيهه سامحه الله.

أيضا فيه في الحديث قوله: لا تلعنوه، فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله، فيه الإنكار على من خالف منهج الإنكار، قد يكون المنكر المعروف ارتكب خطأ فينكر عليه، ولهذا قد يخطئ الناصح، قد يخطئ المنكر، الرجل الذي كان ينصح أخاه في الحياء، يعظ أخاه في الحياء، هل أقره النبي عليه الصلاة والسلام، أم أنكر عليه، أنكر عليه، قال: دعه، هو ينصح أخاه، قصده سليم، قال:  دعه، فإن الحياء لا يأتي إلا بخير  كذلك هنا أخطئوا في الإنكار عليه، لعنوه، ولو كان قصدهم الإنكار فقد يقع صاحب تغيير المنكر في منكر آخر، لا تلعنوه، أيضا في الحديث الترفق بالمنكر عليه، ولو تكرر المنكر، إذا عُلِمَ منه أنه يحب الخير.

بعض المنكرين إذا رأى الشخص قد تكرر منه المنكر قد يتغير، يفرق بين الأشخاص، بعض الناس تغلبه نفسه، ويُعلم أنه يحب الخير، لكن النفس أمارة بالسوء، بعض الناس لا، تعلم أنه لا يحب الخير، ويتعمد تكرار المنكر، مطاوعة لشيطانه وهواه، ولم يُعرف بحب الخير، فينبغي أن نفرق، ثم أيضا ينبغي على دعاة الخير، أن ينظروا للمنْكَرِ عليهم بنظرة النصح والشفقة، تختلف المنكرات حتى في المنكر العقدي، يقول شيخ الإسلام رحمه الله: ننظر إلى هؤلاء المخالفين بمنهج أهل السنة والجماعة بمنظارين: بعين القدر نرحمهم، بعين الشرع نبغضهم، نبغضهم لأعمالهم، لكن نحمد الله أن عافانا مما ابتلاهم به، وندعو لهم بالتوفيق والهداية، أيضا فيه النهي عن اللعن بغير حق.

وفي الحديث أيضا فيه ذكر ما في صاحب المعصية من خصال الخير، لعل ذلك يكون دافعا له لترك الشر، وأيضا لتذكير المنكرين بالترفق مع المنكر عليه، يشرب الخمر مرارا ويجلد، ثم لما لعن، نهاهم عن اللعن -عليه الصلاة والسلام- وقال:  والله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله  وفيه أيضا أن مرتكب الكبيرة لا يَكفُر، خلافا لمن كفر كالخوارج ومن سار على نهجهم، لا يكفر، الخمر من كبائر الذنوب، وتكرر شربه، ومع هذا لم يكفر، بل يحب الله ورسوله، فعلى دعاة الخير أن يعلموا هذه الأصول وتلك الفروع في مسائل الإنكار، كم من محب للخير جلب على نفسه شرا، وجلب على المدعوين شرا، لعدم فقهه بهذه المسائل الشرعية العظيمة .




                      المقال السابق                       المقال التالى




Bookmark and Share


أضف تعليق

أنت بحاجة للبرامج التالية: الحجم : 2.26 ميجا الحجم : 19.8 ميجا