قُل الْحَقِّ وَلو كَانَ مُرًّا - الجزء الثاني

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل

ثم قال أبو ذر – رضي الله عنه – : زدني.قال: "عليك بالجهاد فإنه رهبانية أمتي".
أي ألزمه واجعله شغلك الشاغل، وعملك الدءوب، وفرغ نفسك له إن استعطت إلى ذلك سبيلا؛ فإن الجهاد رهبانية هذه الأمة، أي عبادتها.
فالرهينة نوع من العبادة يسمى جهاد النفس، يقابله جهاد العدو.والمراد بالجهاد في الحديث النوعان معاً؛ إذ لا يستطيع المسلم أن يجاهد عدوه إلا إذا جاهد نفسه وزجرها عن المحارم، وحملها على الطاعات.
والجهاد في سبيل الله بتوعيه قمة العمل الصالح، فمن نظر في كتاب الله – عز وجل – وسنة نبيه – صلى الله عليه وسلم – عرف أن للمجاهد في سبيل الله ثواباً لا يعدله ثواب من صلى وصام ولم يشترك معه في الجهاد وهو قادر عليه.
قال تعالى – في سورة النساء: { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } (95-96).
وقال – جل وعلا – في سورة الحديد: { لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } (آية:10).
وقد أكد الله هذا الوعد الكريم بقوله – جل وعلا – في سورة التوبة: { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } (آية: 111).
ويقول الله – جل شأنه – في سورة الصف: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } (سورة الصف:10-13).
وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم – سئل: أي العمل أفضل؟قال: "إيمان بالله ورسوله".قيل: ثم ماذا؟قال: "الجهاد في سبيل الله".
وروى الترمذي عن معاذ بن جبل – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال في حديث طويل: "رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ".وروى البخاري عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رجلاً جاء إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد.
قال: "لا أجد", ثم قال: "هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر".
قال: ومن يستطيع ذلك!
وروى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه- أيضا، قال سمعت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: "مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ والله أعلم بمن يجاهد في سبيله - كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ، وتوكل الله للمجاهد في سبيله بأن يتوفاه أن يدخل الجنة، أو يرجعه سالماً مع أجر أو غنيمة"
وروى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لَغَدْوَةٌ أَوْ رَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا"والأحاديث في فضل الجهاد كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية.* * *قال أبو ذر – رضي الله عنه – زدني.قال: "أحب المساكين وجالسهم".ومعنى أحب المساكين: تودد إليهم، وانظر إلى محاسنهم، وتغاض عن مساوئهم، فإن ذلك يمكنك من حبهم بعض الشيء، وأسأل الله تبارك وتعالى – أن يرزقك حبهم، فإن الحب والبغض بيد الله تعالى ليس للعبد دخل في تحصيله.
ومجالستهم قربة إلى الله تعالى؛ فهم أحبابه وأولياؤه إذا كانوا راضين بقضائه وقدره.
وهي دليل على التواضع، والسماحة، والتجرد من الأثرة وحب الذات.
ولا تعني هذه الوصية مجالستهم فحسب بل تعني ما يترتب عليها من التعرف على أحوالهم، وقضاء حوائجهم، وإدخال الأنس والسرور عليهم، ومشاركتهم آلامهم وآمالهم.
هذا هو ما يلزم من مجالستهم، مع ما في ذلك أيضاً من الاقتداء برسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقد كان يجالسهم ويعتني بهم، ويتبسم في وجوههم، ويؤنسهم بحسن حديثه، امتثالاً لقوله تبارك وتعالى – في سورة الكهف: { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا } (آية: 28).
والمسكين هو الذي لا يملك قوت يومه – على الصحيح من أقوال الفقهاء كالمالكية ومن نحا نحوهم.
بدليل قوله تعالى في سورة البلد: { يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ } (آية: 15).
أي صاحب متربة، وهي الفقر الشديد، ومن قولهم: التصقت يده بالتراب؛ أو التصق التراب بيده من شدة الفقر.
وسمى مسكيناً لسكون نفسه عن مجاراة الأغنياء واللحاق بأصحاب الأموال.
والسكون ضد الحركة، ومن معانيه: الذلة. إلا أن الذلة نوعان:ذلة لله، وهي إظهار الافتقار إليه دون سواء، ويسمى صاحبها: الفقير إلى الله – أي الذي يعلم ذلك من نفسه، فيظهره بكل صورة من صور الخضوع والتواضع.
وذلة إلى الناس وهي الطامة الكبرى، ولا تكون هذا الذلة إلا من الكافرين والمنافقين.
قال تعالى: { وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ } (سورة المنافقون: 8)* * *ثم قال أبو ذر – رضي الله عنه – يا رسول الله: زدني.قال: "انظر إلى من هو تحتك ولا تنظر إلى من هو فوقك؛ فإنه أجدر أن لا تزدري نعمة الله عليك".
وهذه الوصية قد تقدم ذكرها. وخلاصتها: أن نعم الله تعالى كثيرة لا تحصى، وأن أصغر نعمة منها لا يعرف قدرها إلا المنعم – جل شأنه - .
وأن الله – عز وجل – قد قسم بين الناس هذه المنعم بنسبة مئوية وفق عدله وحكمته.
فإن زاد فلان في كدا، نقص في كذا، وبالعكس عند غيره، فما من مرفوع في جهة إلا وهو مخفوض في جهة، وما من إنسان أعطى شيئاً إلا وحرم من شيء آخر، ولا يوجد إنسان أعطاه الله كل شيء هو في حاجة إليه، فما تم شيء إلا وأخذ في النقصان.
ما استكمل المرء من حاجاته طرفاً إلا وأدركه النقصان من طرف
يقول الله – عز وجل -: { نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } (سورة الزخرف: 32).
والقسمة تقتضي العدل – كما هو معروف – والمعيشة كلمة جامعة لكل ما يؤتاه المرء من النعم في هذه الحياة الدنيا حتى ما تميز به من عقل لبيب، وذكاء نادر وقول سديد.
وقد قالوا: "ذكاء المرء محسوب عليه" أي هو داخل في القسمة.
ولفظ البعض في الآية مبهم، فالجميع مرفوع في جهة ومخفوض في جهة – كما أشرنا – لكي يستخدم كل منهم صاحبه فيما تخصص فيه.
والمؤمن لا يحتقر نعمة الله عليه مهما كانت صغيرة، لإنه لا ينظر إلى النعمة في ذاتها، ولكنه ينظر إلى المنعم – عز شأنه - .
ولو نظر إليها لا ينظر إليها بعين مجردة، ولكن ينظر إليها بقلبه الحي وضميره اليقظ، فيستعظمها بعد أن تلوح له آثارها البعيدة التي لا يعلمها إلا أولو الألباب.
والمؤمن لا ينظر إلى من فوقه في الغنى والجاه والمنصب ولكن ينظر إلى من دونه في ذلك فيزداد شكراً لله دائماً.
أما ضعيف الإيمان أو من لا إيمان له فإنه يظل ينظر إلى من فوقه حتى يموت، فلا يصبر ولا يشكر ولا يستمتع بما لديه من النعم مهما كانت عظيمة، ويصاب قطعاً بداء الحسد، وهو داء قتال يفتك بصاحبه فتكاً ذريعاً سريعاً، ويحرمه من كل متع الحياة فيعيش عيشة ضنكا، ويحشر يوم القيامة أعمى؛ لأنه لم يذكر الله، ولم يرض بقضاء الله، ولم يصبر على بلائه، ولم يشكره على نعمائه، فهل بعد هذا الكفر من كفر!!
ولقد قالوا في الحكم: لا تعاقب الحاسد فإن حسده قد عاقبه.
وقال الشاعر:فاصبر على كيد الحسـود فناره ترمي حشاه بالعذاب الخامدتضفو على المحسود نعمة ربه ويذوب من كمد فؤاد الحاسد
وقال آخر:اصبر على غيظ الحسود فإن صبـرك قاتلهكالنـــار تــأكل نــفســـها إن لم تجد ما تأكلهوقانا الله وإياكم شر الحسد والحاسدين.* * *قال أبو ذر – رضي الله عنه – قلت: يا رسول الله زدني.قال: "قُل الْحَقِّ وَلو كَانَ مُرًّا".وهذه وصية لا يقوي على تنفيذها إلا الأشداء من المؤمنين.
والأشداء هم الذين حملوا أرواحهم على أكفهم، وباعوا أنفسهم لخالقهم، واستعذبوا الموت في نصرة الحق ودعوة الناس إلى اتباعه وإقامته على النحو الذي يحبه الرب ويرضاه.
هم الذين قال الله فيهم: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } (سورة المائدة: 54).
وخير الناس في ذلك وأحقهم بهذه الأوصاف العلية هم أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم- ، فهم الذين قال الله فيهم: { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ } (سورة الفتح: 29).
وهذه الوصية ترجمة لقوله تعالى في سورة النساء: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } (سورة النساء: 135).
وقوله جل وعلا: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } (سورة المائدة: 8).
وقول الحق إنما يكون في المواطن التي لا تؤدي إلى التهلكة، فلا يقال الحق للعدو، بل يقال ما فيه خذلان له وإفساد لخططه وتضليل لسعيه؛ لأن الحرب خدعة، كما جاء في الحديث الصحيح.
ولا يقال الحق لظالم إذا كان في قوله هلاك لبريء، ولكن يقال قولاً فيه نصرٌ له وتبرئة لساحته بأسلوب حكيم لا يظهر فيه الكذب الصريح، وهو ما يسمى بالتعريض، ولا يقر على نفسه بشيء فيه هلاكه أو هلاك ماله بغير حق.
بخلاف ما لو كان يستحق أن يقتص منه، فإنه عندئذ يكون الإقرار برهاناً على صحة الإيمان وصدق اليقين.
وهذا ما يعنيه ربنا جل شأنه بقوله: { وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ }.
والشهادة تؤدي على وجهها من غير تحريف ولا أدنى تزييف إن كان فيها إحقاق حق وإبطال باطل.
أما إن كان يترتب عليها ظلم بين للأبرياء فإنها لا تؤدي أصلاً، فلا ينبغي أن تشهد على قضية فيها جور فتكون من الظالمين.
والصدق في الأقوال والأفعال أمر لابد منه، ولكن للضرورة أحكام.
قال جماعة من الفقهاء: يباح الكذب في أمور ثلاثة ورد بها نص صريح عن المعصوم – صلى الله عليه وسلم- .
أولها: الصلح بين المتخاصمين، مثل أن يلقى كلاً منهما، فيقول له: إن صاحبك الذي خاصمته كان يثنى عليك بالأمس ويظهر لك الود والمحبة والإخلاص، وما أشبه ذلك من الكلام الذي يصدر عفو الخاطر فيطيب الخاطر ويذهب الغيظ ويمهد للعفو والمصالحة.
ثانيها: الحرب، من أجل الخدعة والمكيدة، كان يقول لمن يعلم أنه ينقل الأخبار للعد: غداً يأتينا مدد كثير، وغداً نفعل كذا وكذا مما يدخل الرعب في قلوب الأعداء ويثبط هممهم ويضعف من عزائمهم "والحرب خدعة".
ثالثها: الكذب على الزوجة ليرضيها، كان يعدها وعداً حسناً بتحقيق بعض مطالبها، أو يذكر لها أنه يحبها وأنه معجب بها، وأنها تمتاز عن غيرها بكثير من الأوصاف الحسنة، ومجاملة لها دون أن يبالغ في ذلك حتى لا تغتر بنفسها فيكون قد دفع مفسدة بمفسدة أخرى ربما تكون أشد منها.
ولكل حال مقال يليق به، والدليل على ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن أم كلثوم – رضي الله عنها – أنها سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو يقول: "لَيْسَ الْكَذِب الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ وَيَقُولُ خَيْرًاوَيَنْمِي خَيْرًا".
ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث: الحرب والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها".
قال الإمام النووي في شرح هذا الحديث: قال القاضي: (لا خلاف في جواز الكذب في هذه الصور، واختلفوا في المراد بالكذب المباح فيها ما هو؟
فقالت طائفة: هو على إطلاقه، وأجازوا قول ما لم يكن في هذه المواضع للمصلحة، وقالوا: الكذب المذموم ما فيه مضرة، واحتجوا بقول إبراهيم - عليه وسلم-: { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ }(سورة الأنبياء: 63) و { إِنِّي سَقِيمٌ } (سورة الصافات: 89). وقوله: "إنها أختي". وقول منادي يوسف – عليه السلام – : { أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ } (آية: 70).
قالوا: ولا خلاف أنه لو قصد ظالم قتل رجل هو عنده مختف وجب عليه الكذب في أنه لا يعلم أين هو.
وقال آخرون منهم الطبري: لا يجوز الكذب في شيء أصلاً.
وقالوا: وما جاء من الإباحة في هذا المراد به التورية واستعمال المعاريض لا صريح الكذب، مثل أن يعد زوجته أن يحسن إليها ويكسوها كذا وكذا، وينوي إن قدر الله ذلك، وحاصله أن يأتي بكلمات محتملة يفهم المخاطب منا ما يطيب قلبه.
وإذا سعى في الإصلاح نقل عن هؤلاء إلى هؤلاء كلاماً جميلاً، ومن هؤلاء إلى هؤلاء.
وكذا في الحرب بأن يقول لعدوه: مات إمامكم الأعظم، وينوي إمامهم في الأزمان الماضية، أو غداً يأتينا مدد – أي طعام ونحوه – هذا من المعاريض المباحة فكل هذا جائز، وتأولوا قصة إبراهيم ويوسف وما جاء من هذا على المعاريض والله أعلم.
وأما كذبه لزوجته وكذبها له فالمراد به إظهار الود والوعد بما لا يلزم ونحو ذلك.
فأما المخادعة في منع ما عليه أو عليا أو أخذ ما ليس له أو لها فهو حرام بإجماع المسلمين. والله أعلم).
أقول: إن الكذب على الزوجة من أخطر الأمور التي تهدم بيت الزوجية وتحطم كيان الأسرة؛ لما يحدثه من زعزعة في الثقة التي على أساسها تبنى الحياة الزوجية وتستمر طيبة صافية.
ومن هنا يجب على كل من الزوجين أن يكون صادقاً في أٌقواله وأفعاله مع الآخر حفاظاً على صفاء المودة ودوام العشرة واستقرار الأمور.
وإن كان لا بد من الكذب لدفع مفسدة أو جلب مصلحة عظيمة فليكن ذلك بالتعريض، وإن لنا في المعاريض لمندوحة عن الكذب.
قال الإمام الغزالي في كتاب الإحياء: فهذه الثلاث (يعني الحرب، والصلح، والزوجة) ورد فيها صريح الاستثناء، وفي معناها ما عداها إذا ارتبط به مقصود صحيح له، أو لغيره.
أما ما له فمثل أن يأخذه ظالم ويسأله عن ماله، فله أن ينكره، أو يأخذه سلطان فيسأله عن فاحشة بينه وبين الله تعالى ارتكبها فله أن ينكره، أو يأخذه سلطان فيسأله عن فاحشة بينه وبين الله تعالى ارتكبها فله أن ينكر ذلك فيقول: ما زنيت وما سرقت.
عن ابن عمر – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: "مَنْ ارتكب شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ".
وذلك أن إظهار الفاحشة فاحشة أخرى، فللرجل أن يحفظ دمه الذي يؤخذ ظلماً وعرضه بلسانه، وإن كان كاذباً.
وأنا عرض غيره فبأن يسأل عن سر أخيه فله أن ينكره، وأن يصلح بين اثنين، وأن يصلح بين الضرات من نسائه، بأن يظهر لكل واحدة أنها أحب إليه.
وإن كانت امرأته لا تطاوعه إلا بوعد لا يقدر عليه، فيعدها في الحال تطييباً لقلبها، أو يعتذر إلى إنسان وكان لا يطيب قلبه إلا بإنكار ذنب وزيادة تودد، فلا بأس.
وقال رحمه الله: ولكن الحد فيه (أي الواجب أن يراعيه الإنسان) أن الكذب محذور.
ولو صدق في هذه المواضع تولد منه محذور، فينبغي أن يقابل أحدهما بالآخر ويزن بالميزان القسط، فإذا علم أن المحذور يحصل بالصدق أشد وقعاً في الشرع من الكذب، فله أن يكذب. وإن كان ذلك المقصود أهون من مقصود الصدق فيجب الصدق.
وقد يتقابل الأمران بحيث يتردد فيهما.
وعند ذلك يكون الميل إلى الصدق أولى؛ لأن الكذب يباح لضرورة أو حاجة مهمة، فإن شك في كون الحاجة مهمة فالأصل التحريم فيرجع إليه.
ولأجل غرض إدراك مراتب المقاصد ينبغي أن يحترز الإنسان من الكذب ما أمكنه.
وكذلك مهما كانت الحاجة له فيستحب له أن يترك أغراضه ويهجر الكذب، فإذا تعلق بعرض غيره فلا يجوز المسامحة لحق الغير والإضرار به) ا. هـ.
وصفوة القول أن الكذب آفة الآفات وملمة الملمات، لا ينبغي أن يلجأ إليه المؤمن إلا عند الضرورة القصوى، وليحرص كل الحرص إن وقع في مأزق أن يتخلص منه بالتعريض لا بالكذب الصريح.
والتعريض معناه: أن يقول كلمة تحتمل أكثر من معنى، فيتوهم السامع أنه يريد كذا وهو في الواقع يريد غيره.
فالتعريض جائز لدفع الظلم, وحماية للنفس والعرض، لا في سائر الأمور.
ولا ريب أن الحكيم يستطيع في كثير من الأحيان أن يحسن التخلص من المآزق التي يقع فيها بنفسه أو يوقعه فيها غيره.
والحكمة كنز لا يفنى.قال تعالى: { يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } (سورة البقرة: 269).* * *وبعد هذه الإطناب في شرح قوله صلى الله عليه وسلم: "قُل الْحَقِّ وَلو كَانَ مُرًّا" نجد أنفسنا أمام وصية أخرى هي من أجمع الوصايا في محاسبة النفس ومعرفة عيوبها وإحصائها، والاعتبار بما عند الغير، والاتعاظ بكل ما يبعد عنه شبح الغرور والرياء وحب الظهور وتتبع عورات الناس، والنظر إلى مساوئهم.
قال أبو ذر – رضي الله عنه -: قلت: يا رسول الله، زدني.قال: "ليردك عن الناس ما تعلمه من نفسك.ولا تجد عليهم فيما تأتي.
وكفى بك عيباً أن تعرف من الناس ما تجهله من نفسك، وتجد عليهم فيما تأتى".
ومعنى الفقرة الأولى من هذه الوصية: انظر في عيوب نفسك وحاسبها على أخطائها وخطاياها ومزالقها وزلاتها، فإنك لو فعلت لاشتغلت بعيوبك عن عيوب الناس، ولم تشتغل بالنظر إلى عيوبهم ولا بلومهم على ذنوبهم.
فمن نظر في عيبه استعظم زلة نفسه. كما يقول ابن المقفع.
ومعنى الفقرة الثانية: لا تعب عليهم ولا تغضب منهم في شيء صدر منهم وهو يصدر منك؛ فإن ذلك عدوان منك عليهم، وغفلة منك عما فيك.
ومعنى الفقرة الثالثة: كفاك عيباً أن تعرف من الناس عيوباً هي فيك وأنت تجهلها.
فهذا أمر يدعو إلى العجب والدهشة حقاً، ويدل على عدم رجاحة العقل، وينبئ عن سوء الخلق وحب الذات، والرغبة في التجريح، وإثارة البغضاء من غير داع يقتضي ذلك.
وأنت ترى أن هذه الفقرات الثلاثة ترمي كلها إلى شيء واحد: هو اشتغال المرء بإصلاح نفسه.
ومن البلاغة النبوية أن هذه الفقرات محبوكة حبكة فنية، كل فقرة تؤكد الأخرى وتُسلمك إليها.
فالأولى: أمر بترك التطلع إلى عيوب الناس بلطف وحنان.يفهم هذا من لام الأمر، فهو يدل على ذلك وزيادة.وقوله: "ليردك" فيه إشعار بأن التطلع إلى العيوب عدوان ينبغي أن يرده المعتدي عن نفسه.
وهذا الأسلوب أبلغ من قوله: اترك الناس وشأنهم، أو تخلي عن تجريحهم ونحو ذلك.
والفقرة الثانية: تنهي عما يترتب على الاشتغال بعيوب الناس، فإن من اشتغل بعيوبهم رأي منهم ما يسوؤه ويغيظه ويغضبه، مع أنه من الشر ما يأتونه، وما كان أغناه عن هذا وذاك.
والنهي بعد الأمر توكيد له وإضافة عليه؛ فإن المرء ينبغي أن يتخلى تماماً عن العدوان، ويحذر أن يكلف نفسه جهداً في تحري عيوبهم؛ فإن أقل ما فيه أنه سيخرج عليهم وفي نفسه شيء منهم، وهو أمر يقعد المرء عن طلب المعالي, ويعوقه عن الوصول إلى مرضاة الله – عز وجل-، ويجلب عليه من الشر ما هو في غنى عنه.
والفقرة الثالثة: توكيد للأولى والثانية بصورة أبلغ لا تترك في الناس ذرة في حب التطلع إلى عورات الناس، والنظر إلى ما يعابون به أو يعاتبون عليه.
إن هذه الوصية تدعو إلى المثالية في أسمى صورها وأرقى معانيها، وهي سلامة القلب تماماً من كل ما يعكر صفوه، ويكدر جلوة الإيمان فيه.
وهذه الوصية بفقراتها الثلاثة ترجمة لقوله تعالى في سورة الحشر: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } (آية: 18).
فانظر كيف أمر بالتقوي مرتين في الآية، وأمر بينهما بمحاسبة النفس على ما قدمته ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.
فالأمر الوسط ينشأ عن طلب الوقاية من عذاب الله، والأمر الثالث توكيد للأول والثاني وغاية لهما.
وبيان ذلك بأسلوب أوضح: أن المسلم إذا طلب الوقاية من عذاب الله جد في فعل الطاعات وترك المعاصي، ووظف نفسه عاملاً عند خالقه ومولاه في ليله ونهاره.
وهذا بلا شك يدفعه إلى محاسبة نفسه على ما فرطت فيه، وعلى ما هي مقبلة عليه، وعلى ما اقترفته من الخطايا.
فإذا ما حاسب نفسه اكتشف مدى ما صدر منه من إفراط وتفريط، فبادر إلى طلب الوقاية مرة أخرى من مغبة ما وقع فيه، وتلاشى كثيراً مما ساءه من عمله.
وهكذا يظل المؤمن يتقلب بين الخوف والرجاء حتى يتمكن من كبح جماح نفسه فتخضع له وتستسلم، وتترقى في سلم الكمال حتى تطمئن بذكر الله، وترضى بقضائه وقدره، وتتفانى في طاعته والانقياد إليه.
وعندئذ يناديها ربها إذا ما حان أجلها بقوله جل شأنه: { يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي } (سورة الفجر: 27-30).* * *قال أبو ذر – رضي الله عنه - : ثم ضرب بيده على صدري" فقال: "يا أبا ذر، لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكف، ولا حسب كحسن الخلق".
وهذه الخاتمة خلاصة الخلاصة، وصفوة الصفوة، لم تبق شيئاً يسأل عنه سائل، فقد جمعت خصال الخير كلها وأتت على مصادره جميعاً.
(أ) فلا أدل على عقل العاقل من تدبيره للأمور، وحسن تصرفه فيها على حسب مقتضياتها وفق مبادئ الشرع الحكيم. نعم لا عقل كالتدبير.
والعقل ما عقل المعاني، وفقه المرامي، وأدرك الحكمة فيما يفعل وفيما يذر.
(ب) ولا ورع كالكف عن المحارم والشبهات، بل والجائزات إن كانت تؤدي إلى المحرمات أو الشبهات.
وقد ذكر الإمام الغزالي أن درجات الورع أربعة:الدرجة الأولى: درجة العدول: وهم الذين يكتفون بالحلال الخالص، ويكفون عن الحرام قليله وكثيره.
والدرجة الثانية: هي درجة الصالحين: وهم الذين يتركون المتشابهات خوفاً من الوقوع في المحرمات.
والدرجة الثالثة: درجة المتقين: وهم الذين يتركون الجائزات إذا خافوا أن تؤدي بهم إلى الوقوع في المحرمات أو في الشبهات.
الدرجة الرابعة: درجة المقربين: وهم الذين يكتفون من دنياهم بما يسد الرمق ويستر العورة، وهم الأنبياء والمرسلون والصديقون الذين صحبوهم وتأثروا بهم عن قرب وملازمة.
(جـ) ولا حسب يفخر المرء به – إن كان له الحق في الفخر – أعظم من حسن الخلق.
فأكرم الناس يوم القيامة أحسنهم خلقاً، وأحب الناس إلى الناس من خالقهم بخلق حسن، وقد مر بك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ".
وجماع الخلق الحسن في قوله تعالى: { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } (سورة الأعراف: 199).
وقوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } (سورة النحل: 90).
اللهم اهدنا إلى أحسن الأخلاق، وأعنا على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك.* * *

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم