تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
"تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ".
كان النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يُعلم أصحابه كيفية الدعاء والدعوات اللاتي يلهجوا بهن؛ ليجعلوهن من أسباب قضاء الحاجات عند الطلب، إذ من المعلوم أن الدعاء وحده لا يكفي في بلوغ المرام وتحقيق المآرب، بل لا بد معه من العمل الذي كلفناه عند إرادة ما ينفعنا في ديننا ودنيانا.
فمن أراد الرزق – مثلاً – سعى إليه، وتكلف الصعاب من أجل الحصول عليه متعمداً في سعيه على الله – تبارك وتعالى -.
فالدعاء بلا سعي يكون من باب التواكل لا من باب التوكل، فالتوكل – كما قال العلماء - : هو الاعتماد على الله تعالى والثقة به مع مباشرة الأسباب.
فلا ينبغي أن يعتمد العبد كل الاعتماد على الدعاء وحده، بل يجعله عبادة من العبادات وقربة من القربات، يعبر به عن افتقاره التام إلى خالقه ومولاه، وعجزه الكامل عن تحقيق رغباته دون عون منه جل شأنه.
وكان أصحاب النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يعملون بالتجارة والزراعة والرعي وغير ذلك مما يتعيشون منه، ويجدون في طلب الرزق بشتى الحيل المشروعة، ويتجشمون الصعاب في ذلك، ولا يحول ذلك بينهم وبين الدعاء، كما لا يحول الدعاء بينهم وبين السعي في طلب المعاش.

وهذا ما يقضي به المنهج الإسلامي، فهو منهج يعبر عن الواقع بصدق، ويحمل الناس بتشريعاته العامة والخاصة على العمل الصالح والتعاون البناء على البر والتقوى، والسعي الجاد في جنبات الأرض وأماكن الرزق فيها، ويأمرهم بتحصيل ما فيه نفعهم في دينهم ودنياهم بمختلف الأسباب، ومن بينها الدعاء.

فإذا أوصانا الرسول – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بهذه الوصية، أو بما يماثلها، وجب علينا أن نضع في اعتبارنا ما قد ذكرناه، ولا نكون كالذين يتقاعسون عن المعالي، ويتخلفون عن طلب المعاش بأسبابه المعروفة، ويعتكفون في المساجد والخلوات، ويقولون: اللهم ارزقنا. وقد علموا أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، والذين لا يأخذون حذرهم مما ينبغي أن يحذروه، ولا يطلبون الشفاء من الأمراض بالأدوية التي يصفها الأطباء.
نعم، لا ينبغي أن نكون مثلهم في التواكل؛ لأن في التواكل تعطيل للأسباب التي أمرنا الله أن نأخذ بها في جميع شئوننا الدينية والدنيوية.
وقد مر بنا بيان ذلك عند حديث: "لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ، وَفِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنْ الْأَسَدِ" فارجع إليه؛ فإن في شرحه كلاماً نفسياً.
والآن نلقي الضوء على هذا الحديث، وهو – كما ترى – واضح لا يحتاج منا إِلا إلى وقفة قصيرة ندرك من خلالها عظمة هذا الدعاء في نفوس المؤمنين وحلاوته التي يجدونها في قلوبهم عندما يلهجون به، فنقول:
"جَهْدِ الْبَلَاءِ": عسره ومشقته وقسوته، وعدم القوة على احتماله، وفقدان الحيلة في الخروج عنه والتخلص منه، وضيق الصدر عن مواجهته، والعجز عن إدراك ما معه من المنح وما بعده من الثواب على تحمله؛ فإن البلاء هو الامتحان، والامتحان يكون بالخير والشر، كما قال – جل شأنه -: { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } (سورة الأنبياء: 35).
فقد يكون الغنى بلاءٌ على صاحبه، يشقى به طول حياته، ولا يستمتع بشيء منه، ولا يعمل فيه بما يرضي الله – عز وجل -، فيشقى به في الآخرة كما يشقى به في الدنيا، ويُسأل يوم القيامة عنه – من أين جمعه وفيم أنفقه -، ومن نوقش الحساب هلك، فلا يحسدن أحداً غنياً على غناه إذن، بل يرثى لحاله، ويدعو بالخلاص من شر ماله، وقد يكون الفقر شراً وبيلاً على صاحبه؛ إذ يجلب عليه كثيراً من المصائب التي قد لا يكون قادراً على مواجهتها فضلاً عن تحملها.
وقد يكون العكس، بأن يكون الغني خيراً لصاحبه "ونعم المال الصالح مع الرجل الصالح" كما جاء في الأثر.
وقد يكون الفقر خيراً لصاحبه، ومن يدري!، فرب محنة أعقبت منحة.
وعلى المسلم أن يتلقى البلاء بالرضا؛ حتى يسهل عليه تلقيه وتخطيبه والانتفاع منه على نحو من الأنحاء؛ فإن العاقل من يستلهم الدروس المفيدة من المحن والبلايا، فليحرص على ما ينفعه، ويتخذ الأسباب الكفيلة برد الشر عنه وجلب الخير إليه بما اكتسبه من التجارب والمعايشة، مستعيناً في ذلك بالدعاء، فهو تاج يتوج المرء به عمله، ويقدمه بين يدي عمله – أيضاً – لتقوية ظهره على تحمل الصعاب في تحقيق الآمال وبلوغ السؤال.
فالرضا أولاً، والتعقل ثانياً، والعمل ثالثاً، ثم الدعاء في أول الأمر وآخره،
إذا لم يكن من الله عون للفتى فأول ما يجنى عليه اجتهاده
فالرضا ركن من أركان الإيمان، والتعقل رأس الحكمة، والعمل عبادة والدعاء مخها.
واعلم أن البلاء والدعاء يمتلجان، فالبلاء نازل، والدعاء صاعد، والصاعد إلى الله يمحو – بإذنه – النازل على عبده؛ فالدعاء وسيلة من الوسائل التي ترفع البلاء أو تخففه.
والدعاء لا يرد القدر، ولكنه يجعل المقدور محتملاً، يصيب الإنسان حتماً، ولكن الله بفضل دعائه يخففه عنه، حتى يكون عليه برداً وسلاماً.
والله لطيف بعباده، وهو أرحم بهم من أنفسهم على أنفسهم.
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "وَدَرَكِ الشَّقَاءِ" هو بفتح الراء وسكونها، ومعناه: لحوق الشقاء بالعبد في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معاً.
والشقاء: ضد السعادة، وهو نوعان: شقاء حسي، وشقاء معنوي.
وإن شئت قلت: شقاء ظاهر، وشقاء باطن.
أما السعادة فنوع واحد، هي شعور المرء بطمأنينة القلب ورضا النفس، وهذا لا يتأتى إلا بذكر الله والإيمان بقضائه وقدره.
{ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } (سورة الرعد: 28).
والعبد حين يتعوذ بالله من "وَدَرَكِ الشَّقَاءِ" ينبغي أن يجمع همته على تلافي كل ما يؤدي إليه من المعاصي والمخالفات.
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها
إن السفينة لا تجري على اليبس
فالدعاء – كما قلنا – ليس هو كل الأسباب المحققة للرجاء، ولكنه واحد منها، أو هو في الطريق إليها.
وبين البلاء والشقاء عموم وخصوص، فكل شقاء بلاء، وليس كل بلاء شقاء.
فقد يبتلي المرء بمحنة فيصبر ويشكر، فتنقلب المحنة منحة.
{ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ } (سورة البقرة: 155-157).
وأما "وَسُوءِ الْقَضَاءِ" فالمراد به المقضي، أي الفعل الواقع على الإنسان، وليس المراد القضاء بمعنى الحكم؛ فقضاء الله عدل لا ظلم فيه، وخير لا شر فيه، فالشر مضاف إلى من وقع عليه القضاء لا إلى القضاء نفسه، فليعلم العبد ذلك فيحسن الأدب مع الله في الدعاء؛ فإن الله – عز وجل – يقضي لعبده بقضاء يرى العبد أنه شر عليه وهو عين الخير له؛ وذلك لأن عقله قاصر ونظره محدود. ولو علم العبد الغيب لرضي بالواقع واختار ما اختاره الله له.
وقد مر بنا في الأحاديث السابقة كثير من آداب الدعاء فتتبعه فيها هنا وهناك، وبالله توفيقك.
وأضرب لك هنا مثالاً لبيان الفرق بين القضاء والمقضي فأقول:
حكم طبيب ماهر أن فلاناً من الناس ينبغي أن تجري له عملية جراحية فوراً؛ للقضاء على مرض عضال، وأقره على ذلك جمع من الأطباء، فهذا التقرير الطبي قضاء عادل، وحكم صحيح، وضرورة لابد منها، وهو خير للمريضن ولكن المريض وهو المقضي عليه سيجد في إجراء العملية آلاماً شديدة، وهذه الآلام في ذاتها شر على المقضي عليه، ولكنها في الواقع خير له، فهل يقال بعد ذلك: إن في القضاء شراً.
ولذلك لا أرضى لمن يقنت في صلاته أن يقول: "وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شر مَا قَضيت" إلا إذا أراد بالقضاء المقضي – كما ذكرت.
ولما كان أكثر الناس لا يفقه هذا المعنى، كان من الأولى ألا يدعو بذلك إلا في خاصة نفسه، لأنه مسئول عمن وراءه، فلا ينبغي أن يدعو إلا بما يعرفون، وإلا عرضهم لسوء الأدب مع الله جل شأنه وعز جاهه.
وأما "شَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ"، فإنها شر في الظاهر يلحق بالبلاء، ولكنه نوع يلحظ العبد انفصاله أحياناً عنه، ويعده شراً مستقلاً، فيكون ذكره في الدعاء حينئذ من باب الاستطراد والإطناب، وهو أمر محمود في الدعاء.
وذكر شراح الحديث أن سفيان الثوري – رحمه الله – قد روى هذا الحديث، وأخرجه عنه البخاري، وصرح رحمه الله أنه زاد واحدة، ورجح كثير منهم أنها هي "شَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ".
وهذه الرواية رواها البخاري في كتاب الدعوات عن أبي هريرة – أيضاً – بلفظ: "كَانَ رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَتَعَوَّذ مِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ، قال سفيان: الحديث ثلاث زدت أنا واحدة لا أدري أيتهن هي"
وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ معناها: فرحُهم بما يصيبه من شر وما يلقاه من عسر وحرج، وهو أمر يغيظ المصاب ويقلقه، فيزيده بلاءً على بلائه وشقاء على شقائه.
نسأل الله السلامة والعافية.

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم