قُل الْحَقِّ وَلو كَانَ مُرًّا

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل

 
عن أبي ذر – رضي الله عنه – قال:  قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: "كَانَتْ أَمْثَالًا كُلَّهَا..
 
أيها الملك المسلط المبتلى المغرور إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكني بعثتك لترد عني دعوة المظلوم، فإني لا أردها وإن كانت من كافر...".
 
وعلى العاقل ما لم يكن مغلوباً على عقله أن يكون له ساعات:
فساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكر فيها في صنع الله عز وجل، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب.
 
وعلى العاقل: أن لا يكون ظاعنا إلا لثلاث: تزود لمعاد، أو مرمة لمعاش، أو لذة في غير محرم.
 
وعلى العاقل: أن يكون بصيراً بزمانه، مقبلاً على شأنه، وحافظاً للسانه.
 
ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه"
قلت: يا رسول الله، فما كانت صحف موسى عليه السلام؟.
قال: "كانت عبراً كلها...
عجبت لمن أيقن بالموت ثم هو يفرح.
عجبت لمن أيقن بالنار ثم هو يضحك.
عجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب.
عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم اطمأن إليها.
عجبت لمن أيقن بالحساب غداً ثم لا يعمل".
قلت: يا رسول الله، أوصني.
قال: :"أوصيك بتقوى الله فإنها رأس الأمر كله".
قلت: يا رسول الله، زدني.
قال: "عليك بتلاوة القرآن وذكر الله عز وجل، فإنه نور لك في الأرض وذخر لك في السماء".
قلت: يا رسول الله، زدني.
قال: "إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب، ويذهب بنور الوجه".
قلت: يا رسول الله، زدني.
قال: "عليك بالجهاد، فإنه رهبانية أمتي".
قلت: يا رسول الله، زدني.
قال: "أحب المساكين وجالسهم".
قلت: يا رسول الله، زدني.
قال: "انظر إلى من هو تحتك ولا تنظر إلى من هو فوقك؛ فإنه أجدر أن لا تزدري نعمة الله عليك".
قلت: يا رسول الله، زدني.
قال: "قل الحق وإن كان مراً"
قلت: يا رسول الله، زدني.
قال: "ليردك عن الناس ما تعلمه من نفسك، ولا تجد عليهم فيما تأتي، وكفى بك عيباً أن تعرف من الناس ما تجهله من نفسك، وتجد عليهم فيما تأتي".
 
ثم ضرب بيده على صدري فقال: يا أبا ذر، لا عقل كالتدبير ولا ورع كالكف، ولا حسب كحسن الخلق".
 
كان أبو ذر – رضي الله عنه – حريصاً على طلب العلم من منبعه الأصيل، وكان شديد التطلع إلى معرفة أخبار الأولين لما فيه من العظات والعبر.
 
وكان رضي الله عنه رقيق القلب والمشاعر، طيب النفس وحسن الخلق، وقد جعل الآخرة مبلغ علمه، ومنتهى أمله.
 
لقد توجه يوماً بهذا السؤال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم "مَا كَانَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ"؟.
 
أي: أي شيء تضمنته هذه الصحف زيادة على ما جاء في القرآن الذي أنزل عليك؟
 
لأنه قد نزل من القرآن بمكة بعض ما في هذه الصحف مما لا يخفى على أمثاله.
 
من ذلك ما جاء في قوله تعالى: { أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى  وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى } (سورة النجم: 36-49).
 
ومن ذلك أيضاً ما جاء في قوله تعالى: { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى  بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى } (سورة الأعلى: 14-19).
 
وليس ما جاء في القرآن هو كل ما جاء في صحف إبراهيم وموسى، ولكن القرآن قد أحاط بما جاء فيها من الأصول العامة التي اتفقت عليها جميع الشرائع السماوية.
 
وفي القرآن الكريم من المواعظ ما يكفي ويشفي، ولكن أبا ذر أراد المزيد من العلم بما في هذه الصحف، ولا حرج عليه في ذلك ما دام يتلقى ما فيها من علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 
وقد استجاب النبي صلى الله عليه وسلم لرغبته في ذلك فأنبأه ببعض ما في صحف إبراهيم وموسى.
 
وهو لا يخرج عما جاء في القرآن الكريم؛ لأن القرآن يهيمن على سائر الكتب السماوية، ولم يترك منها صغيرة ولا كبيرة إلا نبأنا بها أو أشار إلى مضمونها في قواعد كلية وأحكام جامعة، وحكم بالغة، وأمثال توضيحية تعكس ما مرت به الإنسانية في تاريخها من نوازع الخير والشر.
*     *     *
قال رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : "كَانَتْ أَمْثَالًا كُلَّهَا".
 
أي كانت عظات وعبراً تهدي إلى الله – عز وجل -، وتدعو الناس إلى ما فيه صلاح أمرهم في الدنيا وخلاصهم في الآخرة.
 
والمثل في اللغة: هو ما يبرز المعاني المعقولة في صور محسة، وينزل منزلة الحكمة التي تعبر عن المعاني الكثيرة بألفاظ موجزة بليغو مقنعة للعقول، ممتعة للعواطف يتناقلها الناس جيلاً بعد جيل.
 
ويطلق أحياناً على القصة برمتها لما فيها من إبراز المناحى الإنسانية والقيم الخلقية والقواعد السلوكية.
 
يقول الله عز وجل: { وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ } (سورة النور:34).
 
ثم ذكر النبي – صلى الله عليه وسلم – بعض هذه الأمثال فقال: " أيها الملك المسلط المبتلى المغرور، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكني بعثتك لترد عني دعوة المظلوم، فإني لا أردها وإن كانت من كافر".
 
ولعل المراد بالملك الذي ورد ذكره في هذه الصحف هو التمروذ بن كنعان الذي ورد ذكره في قوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } (سورة البقرة: 258).
 
وهو المبتلى المغرور بحق، وهل هناك أعظم بلاءً وأشد جرماً من ملك آتاه الله الملك ليشكر فإذا به يطغى ويكفر ويدعي أنه يحيي الموتى.
 
يقول له ربه: "إني لم أبعثك" أي لم أعطك الملك لتجمع حطام الدنيا وتملأ به خزائنك، وتمنع الناس من حقهم فيه، وتسلط عليهم بجبروتك الفاني، وفتقتل من شئت منهم، وتسجن من شئت منهم، وتسلب مال من شئت، وتمنحه لمن شئت.
 
وإنما بعثتك – أي أوجدتك – من العدم، وقويتك لترد عني دعوة المظلوم برفع الظلم عنه، فإني لا أرد له دعوة دعا بها عليك وعلى أمثالك من الظلمة ولو كان كافراً.
 
وهذه الحكمة البالغة تحذرنا من عواقب الظلم الوخيمة، فإن الله – عز وجل – حكم عدل، وقد حرم الظلم على نفسه وهو ملك الملوك وجعله بين عباده محرماً، وأعلن أنه مع المظلوم مهما كان حاله، فلابد من أن ينصره ولو بعد حين، ودعوته ليس بينها وبينه حجاب، كما مر في حديث سابق.
*     *     *
ثم قال: "وعلى العاقل ما لم يكن مغلوباً على عقله أن يكون له ساعات: فساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكر فيها في صنع الله عز وجل، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب".
 
والعاقل: هو الذي قد أوتى الحكمة ففهم بها مغزى ما يراه وما يسمعه، وعرف ما يضره وما ينفعه.
 
وليس المراد بالعاقل في هذا الحديث من ليس به جنون، بدليل قوله: "ما لم يكن مغلوباً على عقله" أي بسبب هوى جامح أو تيار منحرف أو تقليد جائز، أو تعصب أعمى.
 
واعلم أن مراتب العقل أربعة: عقل ولزع، وعقل مدرك، وعقل حكيم، وعقل رشيد.
 
أما العقل الوازع: فهو الذي يحمل صاحبه على حفظ نفسه ونسله، وعقله وماله من غير بصيرة بأمور دينه.
 
يقول الله – عز وجل – في شأن هؤلاء: { يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ } (سورة الروم: 7).
 
وأما العقل المدرك: فهو الذي يقدر الأمور قدرها، ويعرف أبعادها، ويدرك ما وراء المعاني من الأهداف والمرامي، ويعرف الكثير من أمور دينه ودنياه.
 
وصاحب هذا العقل إنسان قد ارتفع بعقله إلى مستوى محمود يغبطه عليه من هو دونه.
 
وأما العقل الحكيم: فهو الميزان الذي لا يكاد يخطئ؛ لأنه قد أبصر الحكمة في مظانها فسعى إليها، واستمسك بها، وحكم على الأشياء حكماً يوافقها.
 
وأصحاب هذا العقل هم أولوا الألباب الذين أثنى الله عليهم في كثير من آياته، وجعلهم من خيرة خلقه، وقصر عليهم التدبر والنظر في آياته القرآنية وآياته الكونية.
 
والحكمة: هي وضع الشيء في موضعه.
ووضع الشيء في موضعه هو التوفيق بعينه.
 
والتوفيق لا يكون إلا من الله، يمنحه لمن اتصف بثلاث خصال وردت على لسان شعيب عليه السلام.
 
قال الله تعالى حكاية عنه: { قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } (سورة هود: 88).
 
وهذه الخصال الثلاثة هي: إرادة الإصلاح بقدر الطاقة، والتوكل على الله عز وجل، والإنابة إليه.
 
والحكمة أيضاً هي: البصيرة النافذة والحجة القاطعة، والخير الكثير والعلم الوفير، والرأي السديد والقول الرشيد وما في معنى ذلك.
 
يقول الله عز وجل: { يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } (سورة البقرة: 269).
 
وأما العقل الرشيد: فهو المعصوم من الخطأ، وهو عقل الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
 
فالأنبياء يجتهدون في الأمور التي لم ينزل فيها وحي، فيصيبون في الغالب الأعم، فإن أخطأوا في شيء صحح الوحي لهم المسار.
 
وخطؤهم في الاجتهاد لا يعدو أن يكون خلاف الأولى، فهو لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً.
 
فالعاقل اللبيب الحكيم يقسم أوقاته إلى ساعات متساوية:
 
فساعة يخلو فيها بنفسه يناجي ربه – يدعوه بأسمائه الحسنى، ويذكره في نفسه تضرعاً وخيفة.
 
وساعة يخلو فيها بنفسه لمحاسبتها عما أقترفته في يومها ويؤنبها على تقصيرها في حق ربها، ويعاهدها على إدراك ما فات، والتخلص من شهواتها وملذاتها في سبيل طاعة ربها ومرضاته.
 
فمن حاسب نفسه الفيتة الفيتة استطاع أن يتخلص من أوزاره بالتوبة النصوح أولاً بأول، ووفي نفسه من الإصرار على الذنب، والتمادي فيه، وبذلك يكون قد استحق ما وعد الله به التائبين، في مثل قوله تعالى: { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ } (آل عمران: 135-136).
 
وساعة يسرح بخواطره، ويسبح بعقله في خلق السماوات والأرض وفي خلق نفسه ليفتح لنفسه أبواباً واسعة من العلم والمعرفة بخالق هذا الكون ومدبره، فكلما تفكر الإنسان في ملك الله وملكوته أدرك من الحقائق الكونية ما يكون برهاناً له على وحدانية الله وقدرته.
 
والله – عز وجل – يدعونا في كتابه العزيز إلى التفكر بوصفه عبادة من أجل العبادات وأعظمها ثواباً، وأكثرها فائدها في ترسيخ المعتقد وتصحيح النية وإصلاح الطوية.
 
يقول الله – عز وجل - : { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } (سورة آل عمران: 190-191).
 
ويقول – عز وجل - :{ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا   تُوعَدُونَ } (سورة الذرايات: 21-22).
 
ويقول – عز وجل- : { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } (سورة فصلت: 53).
 
وساعة يقضي فيها مآربه الخاصة والعامة من مأكل ومشرب وغير ذلك.
 
فللرب حق، وللبدن حق، وللأهل حق، وعلى العاقل أن يعطي كل ذي حق حقه بالعدل والسوية، ولكن ينبغي أن يعطي ربه النصيب الأوفى من وقته، فيقدم لنفسه عملاً يدخره عنده، وهو الذي لا تضيع عنده الودائع.
 
يقول الله – عز وجل - : { مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } (سورة النحل: 96-97).
 
وحق الله هو في الحقيقة حق للعبد ليس لله فيه حاجة، فسبحان من لا تنفعه طاعتنا ولا تضره معصيتنا.
 
فقد جاء في الحديث القدسي: "يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا.
يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا.
يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ.
يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ.
*     *     *
قال: "وعلى العاقل: أن لا يكون ظاعناً – أي مسافراً – إلا لثلاث" أي ثلاثة مقاصد نافعة:
(أ) "تَزَود لمعاد": أي تزود للدار الآخرة، وهي الدار التي فيها معادهم ومردهم إلى الله تعالى.
 
والدنيا كما نعلم مزرعة للآخرة، وعمر الإنسان فيها هو رأس ماله، فإن ضيعه فقد ضيع كل شيء، وإن اغتنمه فقد أفلح في دنياه وآخرته.
 
فقد قال الله عز وجل -: { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ } (سورة البقرة: 197).
 
والتقوى هي طلب الوقاية من عذاب الله تعالى باتباع الأوامر واجتناب النواهي.
ولا خير في سفر لا طاعة فيه، ولا خير في دنيا بلا دين، ولا خير في علم لا ينفع.
 
فمن كان ذا عقل ودين فليتزود من دنياه لآخرته ولو أدى به الأمر إلى قطع المسافات البعيدة، أو اقتحام السبل المخيفة.
 
(ب) "أو مرمة لمعاش": أي مصلحة أو وظيفة أو صنعة يتعيش منها.
قال في المعجم الوسيط: (رم الشيء رما، ومرمة: أصلحه وقد فسد بعضه).
 
والسعي إلى المعاش عبادة من أعظم العبادات يثاب العبد عليها إن جعل سعيه كله لله.
(جـ) "أو لذة في غير محرم": كاستمتاع الزوج بزوجته، والزوجة بزوجها ونحو ذلك من متع الحياة التي أحلها الله – عز وجل -.
*     *     *
ثم قال:
(أ) "وعلى العاقل: أن يكون بصيراً بزمانه": أي ذا خبرة بأحوال الناس ومتطلبات العصر، وما تقتضيه الظروف من التصرفات المادية والمعنوية، وما تدعو إليه الضروة من اليسر ورفع الحرج ودفع المشقة إلى غير ذلك من العادات والمعاملات والمستجدات، وعلاقة الشعوب بعضها ببعض، ومعرفة ما يصلح الفرد والمجتمع على ضوء ما جاءت به الشرائع السماوية.
 
(ب) "مقبل على شأنه": لإصلاح نفسه ورعاية شئون أهله، والاشتغال بما ينفعه في دينه ودنياه.
 
(جـ) "وحافظاً للسانه" من اللغو – وهو الكلام الذي يضر ولا ينفع – ومما فوقه من الآثام كالكذب والغيبة والنميمة، وغير ذلك من آفات اللسان.
 
واللسان صغير الجرم كبير الجرم، يوقع صاحبه في مآزق لا يمكنه التخلص منها، ويؤدي به إلى السقوط في المهالك التي لا يكون له مخرج منها.
 
"وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي جَهَنَّمَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ".
 
(د) "ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه" وذلك لأن الإنسان يتكلم أكثر مما يعمل، فلو حاسب نفسه على ما تكلم به في الليل والنهار لكف لسانه عن أكثر الكلام، واقتصر منه على ما يجلب له خيراً أو يدفع عنه ضراً.
 
وميزان العاقل في كلامه، فإن قل كلامه كان حكيماً وإلا فهو أحمق.
 
قال ابن المقفع: من قل كلامه حمدت عاقبته، ومن عرف بالكذب لم يصدقه أحد.
وقد تقدم الكلام عن آفات اللسان فراجعه.
*     *     *
ثم قال أبو ذر: قلت يا رسول الله، فما كانت صحف موسى عليه السلام؟
 
قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : "كانت عبراً كلها".
ثم ساق له أمثلة منها:
(أ) قال: "عجبت لمن أيقن بالموت ثم هو يفرح".
 
ولعل المراد بالفرح هنا: الاغترار بالدنيا، والعجب بالنفس، والتفاخر بالأموال والأنساب.
 
أما الفرح المعتاد والذي لا يخرج بالإنسان عن حد الاعتدال فلا يراد هنا.
 
فالمؤمن يفرح بنصر الله مثلاً، كما قال – جل شأنه – في سورة الروم: {غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ } (آية 2-4).
 
وقال جل وعلا: { قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } (سورة يونس: 58).
 
والشرائع السماوية كلها متفقة في الأصول العامة، والفرح الشديد ينافي أصول الأخلاق إذ من شأن المؤمن أن يجعل لفرحه حداً ينتهي إليه بحيث لا يصل به إلى حد البطر والغرور والعجب.
 
قال تعالى: { مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ } (سورة الحديد: 22-23).
 
أي لا تفرحوا بما آتاكم فرحاً يؤدي بكم إلى ما لا تحمد عواقبه.
 
قال تعالى في قصة قارون: { إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ } (سورة القصص: 76).
 
والفرح بكسر الراء هو شديد الفرح إلى حد الغرور والخيلاء.
 
(ب) ثم قال: "عجبت لمن أيقن بالنار ثم هو يضحك".
 
ولعل المعنى كيف يضحك على نفسه بطول الأمل، ويمنيها بالجنة ولم يعمل لها عملاً.
 
ترجوا النجاة ولم تسلك مسالكها                إن السفينة لا تجري على اليبس
 
ولو علم العبد ما أعده الله للعصاة يوم القيامة لطالت أحزانه، وما ضحك في حياته كلها إلا قليلاً.
 
(جـ) ثم قال: "عجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب".
أي يتعب نفسه بالهم والحزن والتفكير فيما مضى وفيما هو آت.
 
كيف ينصب وكيف يغضب من آمن بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه؟
 
(د) ثم قال: "عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم اطمأن إليها".
أي ركن إلى ما فيها من المغريات، ومال إلى الشهوات، واعتمد على ماله أو جاهه ومنصبه، وغفل عن الموت وهو أقرب إليه من شراك نعله، وغفل أيضاً عن تقلبات الحال، فإن دوام الحال من المحال، كما قال الحكماء.
 
(هـ) ثم قال: "عجبت لمن أيقن بالحساب غداً ثم لا يعمل".
أي: لا يعمل عملاً صالحاً يقربه إلى الله تعالى، ويدفع عنه مغبة السوء في الدنيا، وسوء العاقبة في الآخرة.
 
وما دام العبد قد أيقن بالحساب الأخروي فقد أيقن بالموت بالضرورة، وبالتالي لا يجد نفسه مشغولاً عنهما بشواغل الدنيا، فكلما ذكر الحساب قصر أمله فيها، وقلت رغبته في جمع حطامها، وكلما ذكر الحساب حاسب نفسه على إفراطها وتفريطها، وبذلك يكون قد تخلص من المعوقات الأربعة إلى حد كبير.
 
وهذه المعوقات الأربعة ذكرها الشاعر الحكيم في قوله:
إني بُليت بأربــع مــا سلطوا                   إلا لشــدة شقــوتي وعنـــائي
إبليس والدنيا ونفسي والهوى                   كيف الخلاص وكلهم أعدائي
 
والعاقل هو أكثر الناس للموت ذكراً، وأحسنهم لما بعده استعداداً كما جاء في الحديث الصحيح.
 
هذه هي الوصايا التي وردت في صحف إبراهيم وموسى قد اختصرنا القول فيها لنفرغ إلى ما جاء على لسان خير البرية؛ فإنه جامع لكل ما تضمنته الكتب السماوية بأسلوب حكيم بليغ، يقتحم أعماق القلوب المؤمنة ويسكن في شغافها ويستغنى به العقلاء عما سواه.
*     *     *
قال أبو ذر – رضي الله عنه – ثم قلت: يا رسول الله، أوصني.
فأوصاه الرسول – صلى الله عليه وسلم – بجملة من الوصايا هن من أمهات التقويم الفردي والإصلاح الاجتماعي؛ لأنهن من أجمع الوصايا التي وردت بمعانيها في التوراة والإنجيل والقرآن، وكأني بها لم تترك صغيرة ولا كبيرة إلا اشتملتها في أسلوب مشرق بدوره صلى الله عليه وسلم.
 
أولى هذه الوصايا قوله – صلى الله عليه وسلم: "أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ  فإنها رَأْسِ الْأَمْرِ كُلِّهِ"
 
أي: فإنها الإسلام كله.
قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ  فِي سَبِيلِ اللَّهِ".
 
والإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله لعباده، وفطرهم عليه وتعبدهم به وجعل الخير كل الخير في اعتناقه، ويسر السبيل إليه بإرسال النبيين مبشرين ومنذرين ودعاة مرشدين.
 
وإذا نظرنا إلى معنى التقوى عرفنا أنها طب القلوب ودواؤها، وعافية الأبدان وشفاؤها، وروح الحياة وريحانها، وأمها الحكمة في أسمى مظاهرها وأرقى معانيها.
 
فمن تحلى بها فقد فاز فوزاً عظيماً في الدنيا والآخرة.
يقول الله – عز وجل - : { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ } (سورة النور: 52).
 
ويقول جل شأنه: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ } (سورة الطلاق: 2-3).
 
والتقى رجل ملأ الإيمان شغاف قلبه فهذب خلقه ونقي سريرته، وأذهب نوازع الشر من قلبه، فكان بنفسه رحيماً، وللناس ودوداً محباً، لا يحمل لأحد منهم ضغناً، ولا يضمر في نفسه إلا الخير.
 
قالت عائشة – رضي الله عنها – : "لله در التقوى ما تركت لذي غيظ شفاء".
 
وقد تقدم الكلام عنها مستوفياً في قوله – صلى الله عليه وسلم-: "اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ"
*     *     *
  الحقيقة فهو تمنى زوال نعمة الغير، وهو غير مقصود هنا قطعاً.
 
نسأل الله أن يوفقنا لتلاوة القرآن وحفظه وحسن تدبره والعمل به.
*     *      *
قال أبو ذر – رضي الله عنه - : يا رسول الله زدني.
قال: "إياك وكثرة الضحك، فإنه يميت القلب، ويذهب بنور الوجه".
 
وكان أبو ذر يستزيد الرسول – صلى الله عليه وسلم – فيزيده من وصاياه الحكيمة ما شاء الله أن يزيده، فقال له: "إياك والضحك" أي أحذر كثرته، فإن كثرته تميت القلب، أي تحول بينه وبين الخشوع عند سماع الذكر، والسكينة عند نزول البلاء، والطمأنينة عند اشتداد الخطر، وتضعف من قواه الإيمانية حتى يصير خلواً من الإيمان، والعياذ بالله.
 
وبذهاب الإيمان يذهب نور الوجه وبهاؤه؛ لأن الوجه إنما يستنير بنور الإيمان المنعكس من القلب فيكون وجيهاً بوجاهته، ومظلماً بظلمته.
 
وما سمى الوجه وجهاً إلا لأنه يعبر عن القلب، ويكون منه بمنزلة المرآة التي تعكس ما يقابلها.
 
والضحك مثله كمثل الدواء إذا زاد عن حده انقلب إلى         ضده.
فقد كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يضحك، وكان ضحكه تبسماً.
وكان يمزح ولا يقول إلا حقاً.
 
وكان أصحابه يمزحون أمامه فلا يعيب عليهم إذا كان المزاح قليلاً، ولم يكن فيه تجريح لأحد، ولم يكن بالقبيح من القول.
 
وهذا معروف من سيرته العطرة. وسوف يكون لنا معها وقفه في موضع آخر إن شاء الله.
*     *     *
 

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم