انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل

 
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: "تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ".
النصرة والنجدة جبلة في العرب عرفوا بها في تاريخهم كله، فهم يتميزون عن غيرهم بالنخوة والغيرة والحمية والشجاعة والإيثار.
 
فقد كانوا يعتزون كل الاعتزاز بالعصبية ويتفاخرون بالأحساب والأنساب ويسارعون في الدفاع عن الأعراض الحرمات دون تردد أو تمهل. تشهد لهم بذلك آثارهم التي خلدوها في أشعارهم وسجلوها في سيرهم وملاحمهم.
 
لكن يؤخذ عليهم أنهم كانوا لا يلتزمون العدل في أحكامهم، إذ لم يكن لهم دستور يحتكمون إليه ولا دين سماوي يرجعون إليه، فكانت الغلبة للقوى والسيادة للغنى، والرئاسة لمن هو أقوى عصبية وأكثر مالاً وأعز نفراً.
 
ولهذا انعدمت الضوابط التي تحكم تصرفاتهم في الحرب والسلم، فهم لا يسالمون من سالمهم إلا إذا كان المسالم نداً لهم، ولا يقفون منه موقف المحايد بل يغتنمون الفرصة للانقضاض عليه والنيل منه رغبة في السيطرة على ما لديه، وحباً لتملك ما معه، فكانت القبيلة تغير على أختها بغتة فتقتل رجالهم وتسبي نساءهم وزراريهم، ولا يعترض عليهم معترض إلا إذا كانت هناك قبيلة أخرى بينها وبين المعتدي عليها نسب أو مصاهرة، فعندئذ قد تدفعهم النخوة والحمية إلى الدفاع عنهم إن استطاعوا ذلك.
 
وقد تنشأ الحرب بينهم سنين عدداً فتأكل الأخضر واليابس وتقضي على عظماء الرجال وخيرة الأبطال.
 
وجاء الإسلام ليضع حداً لهذه الفوضى التي ضربت أطنابها على شبه الجزيرة العربية، فنشر السلام بينهم وأقام العدل فيهم، ووضع الضوابط للتعامل فيما بينهم، وأرشدهم إلى استغلال طاقاتهم البشرية فيما يعود عليهم بالنفع العاجل والآجل، وحد لهم الحدود التي يجب ألا يتجاوزوها، ورسم لهم المعالم التي ينبغي أن ينتهوا إليها، وحد من عصبيتهم المجنونة وحميتهم الآثمة، وغيرتهم المزمومة، وثورتهم العارمة التي كانت تهب لأتفه الأسباب من آن لآخر على الضعفاء منهم.
 
وأحق الله الحق وأبطل الباطل، وأحيا في الناس الفطرة التي فطرهم الله عليها، وردهم إلى الإنسانية المثالية التي كان عليها أتباع المرسلين فسعدوا بهذا الدين في الدنيا والآخرة.
وفي هذه الوصية قاعدتان للعدل بين الظالم والمظلوم.
 
الأولى: منع العدوان، والثانية: رد العدوان.
 
فقول – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا" معناه واضح في الثانية غامض في الأولى؛ لهذا سألوا عن كيفية نصرته ظالماً، فأجابهم رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بما أزال الغموض ودفع الإشكال قال: "تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ"، أي: تجعل يدك فوق يديه التي يضرب بهما لتمنعه من ضرب صاحبه، وفي ذلك نصرة له.
 
إذ ربما يقتل أخاه أو يجرحه جرحاً بالغاً فتقع التبعة عليه، ويقتص منه وربما تقوم الحرب بسبب ذلك فلا تضع أوزارها إلا بعد أن يقع من الشر ما لا يعلمه إلا الله.
 
والظالم في ساعة الغضب لا يدري ماذا يفعل، فعلى من يقدر على منعه أن يخلصه من ظلمه ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ولا يبطئ في ذلك حتى يدرك الخطر قبل وقوعه وإلا كان آثماً مشاركاً للظالم في ظلمه.
 
وفي مثل هذه الساعة التي يشتبك فيها الظالم بالمظلوم تظهر الشهامة والمروءة والنخوة فيمن كان حاضراً مشاهداً للمعركة.
 
وبمقدار السرعة في فض النزاع وتخليص الظالم من ظلمه تقاس شجاعة الرجال وهمة الأبطال؛ فالشجاع هو الذي يقدم على نجدة الطرفين بكل ما أوتى من قوة جسمية وعقلية، مراعياً في ذلك ما يقتضيه الموقف من التصرفات التي تدفع الشر قبل وقوعه بأقل الخسائر وبأيسر الطرق، مع إدراك ما يترتب على ذلك من العواقب العاجلة والآجلة بالنسبة له وبالنسبة للظالم والمظلوم.
ويؤخذ من هذه الوصية فوق ما ذكرنا أمران:
 
الأمر الأول: أن قوله: "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا" يدل على الوجوب مع القدرة على ذلك، فهو خطاب للقادرين على النصرة لا للعاجزين عنها، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه لا يجب إلا على من كان قادراً على ذلك بيده أو بلسانه على ما تقدم بيانه في وصية سابقة.
 
فإن لم يكن المرء قادراً على نصرة الظالم أو المظلوم ولو بالنصح والوعظ فلينكر ذلك بقلبه، وليدع للظالم بالهداية وللمظلوم بالنصر والحماية. وبذلك يكون قد أدى ما عليه.
 
فالطاعة على قدر الطاقة، والتكليف بالمحال محال.
 
يقول الله عز وجل: { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا } (سورة البقرة: 286).
 
الأمر الثاني: التسوية في النصرة بين الظالم والمظلوم بحيث يعدل بينهما فيدافع عن كل واحد منهما بما يمليه عليه ضميره، من غير هوى في نفسه ولا ميل لأحدهما دون الآخر.
 
فهو كالحكم بينهما يقول للظالم أنت ظالم، أو لا تظلم فلاناً فإنه رجل لا يضمر لك السوء ولا يحب لك إلا الخير، ونحو ذلك من الكلام اللين الذي يمتص به غضبه ويرد إليه عقله، ويحذره من عاقبة الظلم بالحكمة والموعظة الحسنة.
 
(ولكل حال مقال)، والحكيم من يضع الأمور في موضعها ويتصرف وفق مقتضيات الظروف والأحوال.
 
ثم يقبل على المظلوم فيهدئ من روعه، ويطيب نفسه بما يفتح الله عليه من الكلمات الطيبات، فالمسلم أخو المسلم لا يحقره ولا يخذله، والمؤمنون في توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.
 
والتعاون على البر والتقوى أصل من أهم أصول الدين، وهو الأساس الذي ينبغي أن يتعامل الناس عليه فيما بينهم.
 
ونصرة الظالم والمظلوم من باب التعاون على البر والتقوى بلا شك، فليحرص كل مسلم على أن يكون في خدمة أخيه المسلم وفي نجدته ومعونته دائماً متى كان قادراً على ذلك؛ فالله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
 
نسأل الله لنا ولكم الهداية والتوفيق.
 

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم