اللهم إني طلمت نفسي

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل
المقال مترجم الى : English

  

 عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه - أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي. قَالَ: "قُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ". 


*     *     *


كان أبو بكر – رضي الله عنه – كثير الدعاء لا يكاد يكف عنه في ليل أو نهار، وكان يخشى الله خشية لا يدانيه فيها أحد من أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – فقد كان اتقاهم بعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم.


وفيه نزل قوله تعالى: { وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى } (سورة الليل: 17-21).


ومناقبه كثيرة مشهورة.


سأل الرسول – صلى الله عليه وسلم – يوماً أن يعلمه دعاء يواظب عليه في صلاته، فعلمه هذا الدعاء الوارد في الحديث، وهو دعاء جامع لخيري الدنيا والآخرة.


"فقال: قُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا... إلخ" أي: وقع مني من الخطايا ما لا يحصى ولا عدده، ولا يعلم عواقبه وبوائقه إلا أنت، وهو اعتراف ينبغي أن يقدمه العبد عند كل دعاء يرجو فيه العفو والرحمة والمغفرة.


وهذا الاعتراف إذا صدر من القلب وجرى به اللسان كان خير وسيلة يبتغيها العبد إلى ربه – عز وجل – لنيل ما يرجوه منه – تبارك وتعالى - .


والعبد الصالح يكثر من هذا الاعتراف؛ لما فيه من إظهار العبودية في أسمى صورها، وإظهار الافتقار إلى الخالق – جل شأنه – في أجل معانيه.


ولا سيما إذا كان ذلك في صلاته فالصلاة صلة وثيقة بين العبد وربه، يظهر له فيها كمال خضوعه وذله وتمسكنه وتواضعه، ويلصق جبهته وأنفه بالأرض إجلالاً لعظمته، وامتثالاً لأوامره مهما كان شأنه، ومهما كان جاهه ومنصبه.


والسجود هو أعظم المواطن التي يستجاب فيها الدعاء.


روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : "أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا فِيه الدُّعَاءَ".


وروى مسلم أيضا عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - كَشَفَ السِّتَارَةَ وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ. أَلَّا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا. فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ – عز وجل-، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ؛ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ".


وهذا الاعتراف بظلم النفس سنة الأنبياء والمرسلين؛ وأتباعهم من الصالحين المقربين.


فأما كلمات تلقاها آدم من ربه حين أكل من الشجرة هو وزوجه حواء، فتاب بها عليه، قوله تعالى – حكاية عنهما في سورة الأعراف: { قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } (آية 23). 


وموسى – عليه السلام – حين وكز المصري فقتله توجه إلى الله – عز وجل – فور وقوع هذا منه بخالص الدعاء، وقدمه بهذا الاعتراف؛ لكي يكون وسيلة لرفعه، وقبوله: { قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } (سورة  القصص: 16).




وهو لم يقصد قتله ولا إيذاءه، ولكن كان يقصد منعه من ظلمه لأخيه الذي هو من شيعته، وإنما عده ذنباً من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، وقد وقع منه ذلك قبل النبوة، والأنبياء معصومون من الذنوب قبل النبوة وبعدها, منزهون عن كبيرها وصغيرها، كما هو الراجح عند جمهور الفقهاء.


وقد اعترف يونس عليه السلام بظلمه لنفسه حين خرج من قريته (نينوي) من غير إذن ربه، ودعاء في بطن الحوت، فاستجاب الله له فكشف عنه الغم، ووعد كل مؤمن يلهج بهذا الدعاء أن ينجيه كما نجاه، قال تعالى: { وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ  فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ } (سورة الأنبياء: 87-88).


وبلقيس ملكة سبأ قد اعترفت بظلمها أمام سليمان – عليه السلام قبل أن تعلن إسلامها: { قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } (سورة النمل: 44).


*     *     *


وقوله – صلى الله عليه وسلم – "وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ" اقتباس من قوله تعالى: { وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ } (سورة آل عمران: 135).


ومغفرة الذنوب محوها بعد العفو والصفح عنها، فمن تاب تاب الله عليه، وأنسى الحفظة ذنوبه، وأنسى كذلك معالمه وجوارحه، وبدل سيئاته حسنات، وأدخله الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين بفضله ورحمته.


وطلب المغفرة من الله تعالى توبة نصوح إذا ما صحبها إقلاع عن الذنب، وندم على فعله، وعزم على إدراك ما فات من الواجبات، ورد المظالم إلى أهلها، مع الوثوق التام بفضل الله تعالى، والطمع في مغفرته وعدم اليأس من رحمته.


وقد ذكرت أركان التوبة النصوح في وصية سابقة، وبينت أن أركان التوبة التوبة من التوبة، بحيث لا يكف المؤمن عن طلبها في صلواته وخلواته، وجميع أركانه.


ولقد كان الرسول – صلى الله عليه وسلم – يتوب إلى الله ويستغفر من ذنبه في اليوم مائة مرة، فكيف بنا نحن العصاة المذنبين.


وذنب النبي – صلى الله عليه وسلم – من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، كما قال جمهور العلماء، على ما تقدم بيانه.


وكلما ترقى المؤمن في درجات الصالحين شعر بخطورة الذنب فبادر إلى الاستغفار منه قبل وقوعه وبمجرد ميله إليه.


ولما كان أبو بكر – رضي الله عنه – من أعظم المؤمنين إيماناً وأصدقهم يقيناً وأقواهم عزماً، وأشدهم حرصاً على ابتغاء مرضاة ربه في أقواله وأفعاله – كان إذا دخل في الصلاة يُسمع لصدره في الصلاة أزيز كأزيز المرجل لشدة خشيته من الله وخوفه من عذابه.


وكان يقول: لو وضعت إحدى قدمي في الجنة والأخرى خارجها ما أمنت مكر الله.


وصدق أبو بكر - رضي الله عنه وأرضاه – في ذلك؛ فقد قال الله - عز وجل:   { أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ } (سورة الأعراف: 99).


وكان من فرط تواضعه لله، وشدة خوفه منه لا يرى لنفسه فضلاً على أحد، ولا يبرئ نفسه من الذنب، ولا يزعم أنه أتقى المسلمين، ولا أقواهم إيماناً، مع أن لو وزن إيمانه بإيمان الأمة لرجحها، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم.


والتواضع أول صفة من صفات عباد الرحمن، كما دل على ذلك قوله تعالى: { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا } (سورة الفرقان: 63).




قال الشيخ منصور الآبي في كتابه – نثر الدر - : "لما أرادوا أبا بكر للخلافة، قال: علام تبايعونني، ولست بأقواكم ولا أتقاكم؟. أقواكم عمر، وأتقاكم سالم.


وكان إذا مُدح يقول: "اللهم أنت أعلم مني بنفسي، وأنا أعلم منهم بنفسي، اللهم اجعلني خيراً مما يحسبون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون" ا.هـ.


*  * *

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم