إِنِّي أُحِبُّكَ فِي اللَّهِ

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل

 

 
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أَنَّ رَجُلًا كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ هَذَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمْتَهُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أَعْلِمْهُ، قَالَ: فَلَحِقَهُ، فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّكَ فِي اللَّهِ فَقَالَ، أَحَبَّكَ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي لَهُ".
الحب في الله عز وجل غاية لا يدركها إلا من سلمت سريرته، وحمدت سيرته، وحسن معدنه، وفقه في دينه، وسلمت فطرته من المؤثرات البيئية الضارة والأهواء الضالة، وهذا في الرجال عزيز نادر وجوده في هذا الزمان، لكن أمثاله في الصحابة كثير، وفي التابعين عدد لا بأس به.
 
فخير القرون قرن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم تكون أثرة وفتنة وشر لا يُدرك مداه ولا يعرف منتهاه.
 
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثم الَّذِينَ يَلُونِهم ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثم يجيء أقوام تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ". 
 
لقد كان أصحاب النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصحاب قلوب كبيرة سلمت من كل ما يعكر صفو الإيمان، ويكدر جلوة اليقين، فتآخوا على الحب – اجتمعوا عليه وتفرقوا عليه، وعاشوا به متعانقين يؤثر بعضهم بعضاً على نفسه بما لديه ولو كان في أشد الحاجة إليه.
 
ولقد تحقق الإخاء بينهم بكلمة الله عز وجل فانصهر المهاجرون بعضهم في بعض، وانصهر الأوس والخزرج بعضهم في بعض، ثم انصهر المهاجرون والأنصار في بوتقة واحدة، فتعاونوا جميعاً بالحب على البر والتقوى، وائتلفت قلوبهم على كلمة سواء فكانوا جميعاً يداً واحدة على من عاداهم.
 
وما كانوا يستطيعون ذلك من تلقاء أنفسهم قطعاً، ولكن الله عز وجل قد ألف بين قلوبهم فكانوا بنعمته إخواناً، بكل ما تحمله الأخوة من معنى.
 
ولقد امتن الله على نبيه عليه الصلاة والسلام بهذا الائتلاف الذي ليس له مثيل في التاريخ فقال: { وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ  وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } (سورة الأنفال: 62-63).
 
ولما كان الحب أسمى شيء في الحياة أوصى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإظهاره والتعبير عنه بالأقوال والأفعال الدالة عليه؛ ليتعمق في النفوس أكثر وأكثر، ويؤتي ثماره اليانعة بين المحبين فقال: "إِذَا أَحَبَّ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَلْيُخْبِرْهُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ".
 
لأنه إذا أخبره بأنه يحبه بادله حباً بحب وقرباً بقرب، ونشأت بينهما علاقات طيبة وصلات وثيقة، كثيراً ما تؤدي إلى التعاون البناء بينهما وبين أسرتيهما.
 
وهذا الحديث يحمل معنى الحديث الذي نحن بصدد شرحه وإيضاح معانيه الخفية ولطائفه البيانية؛ فالحديث قد يكون ظاهر المعنى واضح الدلالة على مقصوده ولكن يكون في طياته أسرار خفية، لا يقع عليها إلا الراسخون في العلم.
 
فهناك فرق بين فهم المعنى وفقهه.
 
فالفهم هو إدراك معاني الألفاظ ودلالتها على نحو قاصر عن إدراك ما وراء المعاني من مقاصد ومرامي، بخلاف الفقه فإنه هو إدراك المعاني الدقيقة ومعرفة أسرارها وآثارها وأبعادها، وقد قلت في كتابي أصول التفسير: إدراك المعاني فهم، وإدراك المرامي فقه.
 
يقول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهُّ فِي الدِّينِ". يعني يجعله ذا علم غزير وخبرة واسعة بأصول العقيدة والشريعة.
 
والناس متفاوتون تفاوتاً كبيراً في فهم النصوص الشرعية، فمنهم من يقف عند النص ولا يعدوه مع أن هناك قرائن كثيرة تدل على تخصيصه أو تقييده؛ وذلك لجهله بفنون الاستنباط الصحيح والاجتهاد الواعي.
 
ومنهم من ينظر إلى روح النص ومفهومه على ضوء ما جاء في نصوص أخرى تخصصه أو تقيده، أو تفصل إجماله أو تدفع إشكاله، ولذلك قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ؛ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ".
 
ومعنى نضر: أظهر على وجهه البهجة والسرور، وجعله مستنيراً بنور الإيمان.
 
وتعالوا بنا الآن نلقي الضوء على هذا الحديث.
يروي أنس بن مالك قصة رجل كان عند النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَرَّ رَجُلٌ عَلى مجلسه: فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ هَذَا الرجل، لعله يدعو له بدوام حبه أو يدعو لمن يحبه أو يدعو لهما معاً بمزيج من الحب والألفة، فزاده النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علماً في مجال الحب وأراه آثاره وأوصاه بخير وصية تعمق هذا الحب وتوجهه الوجهة الصحيحة فقال عليه الصلاة والسلام: "أعلمته؟" أي هل أخبرته أنك تحبه بلسان الحال أو بلسان المقال؛ حتى يبادلك حباً بحب؟ فقال الرجل: لا.
 
قال الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أعلمه؟" أي قم فأخبره بأنك تحبه؛ فإن الحب أمانة يجب أن تؤديها، وتأديتها إظهارها لمن تحبه.
 
قال أنس: "فلحقه"، أي قام إليه حتى أدركه تنفيذاً لأمر النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واستجابة لمطلبه العظيم.
 
فلما أدركه وصافحه قال: "إِنِّي أُحِبُّكَ فِي اللَّهِ"، أي أحبك حباً خالصاً لوجهه الكريم لا لأمر آخر من أمور الدنيا.
 
فقال الرجل: "أَحَبَّكَ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي لَهُ".
 
وهي دعوة خير له من الدنيا وما فيها؛ لأنها وقعت في وقت كان الرجل مشغولاً بتنفيذ أمر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكانت هذه الدعوة جزاء له، فلا بد أن تقع موقع القبول من قبل الله عز وجل، لأن كلاً منهما يعمل لوجه الله خالصاً.
 
وقد صدرت هذه الدعوة عن حب فدلت على أنهما متحابان في الله من غير أرحام تجمعهما أو أغراض دنيوية تحيط بحبهما.
 
ولو صدقا في هذا الحب لكانا من السبعة الذين يُظِلُّهُمْ اللَّهُ بظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ.
 
ولقد كان جواب هذا الرجل في قمة الأدب؛ إذ لم يقل له بلسان المقال: وأنا أحبك؛ لأن هذا الاعتراف منه بحبه على هذا النحو لا يبلغ من صاحبه أعماق قلبه، ولا ينزل من نفسه منزلة القبول الحسن، بخلاف ما قاله الرجل؛ لأنه يدل على أمرين متلازمين:
 
الأمر الأول: الإخبار بأنه يحبه بأسلوب حكيم.
 
والثاني: الدعاء له بأعظم ما يبتغيه المسلم في دنياه وآخرته؛ إذ ليس هناك مطلب أعظم من حب الله عز وجل.
 
إنه قمة المطالب كلها على الإطلاق؛ لأن الله عز وجل إذا أحب عبداً رفعه مكاناً علياً، ووفقه إلى طاعته وأعانه على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأدخله جنته مع عباده الصالحين المقربين.
 
والحب لله هو الجامع بين المحبين على الهدى في الدنيا، والجامع لهم في أعلى عليين في جنة عرضها السماوات والأرض.
 
وقد جاء في الصحيحين عن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أن أعرابياً قال لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: متى الساعة؟, قال له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ما أعددت لها؟" قال: حب الله ورسوله، قال: "أنت مع من أحببت".
 
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ لِجَلَالِي؟ الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي".
 
والحب في الله له ثمرات يانعة يجنيها المتحابون ما دام الحب بينهم قائماً.
 
ومن أعظم ثمراته الشعور بحلاوة الإيمان تسري في القلوب سريان الدم في العروق فتنتعش وتطمئن.
 
يقول النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في الصحيحين عن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ، بَعد أَن أَنْقَذَهُ الله مِنْه، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ". 
ويؤخذ من هذا الحديث: أن من أحب إنساناً لغرض من أغراض الدنيا فليتخلص من هذا الغرض الدنيوي، ويخلص حبه لله عز وجل حتى ينال درجة المحبين في الله، وتحصل له ثمرات هذا الحب ويجد حلاوته في قلبه.
 
وأنه إذا أحب إنساناً لله، فليخبره بذلك ليتعمق الحب بينهما أكثر وأكثر.
 
وأنه إذا أخبر المحب من يحبه فليقل له: أنا أحبك في الله حتى؛ لا يظن به الظنون.
 
وعلى المحبوب أن يدعو للمحب بما دعا به هذا الرجل لما قال له: إِنِّي أُحِبُّكَ فِي اللَّهِ.
 
وبهذا يكون قد أدى كل محب لمن يحب حقه، والله فوقهما يسمع ويرى ويعلم السر والنجوى، ولديه الجزاء الأوفى في الدرجات العلى.
 
وإذا رأى رجل إنساناً يحب آخر فليقل له: هل أعملنه بحبك له؟ كما سأل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرجل، فإن قال له: لا. فليقل له: أخبره بذلك حتى يؤدم بينكما ويزداد الصفاء والوفاء في ظل الحب البريء من الأغراض الدنيوية.
واعلم – يا أخي – أن الحب في الله له أمارات تدل عليه.
 
جماعها في التعريف الذي وضعه العلماء له؛ إذ قالوا: الحب في الله هو الذي لا ينقص بالإساءة ولا يزيد بالإحسان.
 
وذلك لخلوه من الأغراض الدنيوية.
 
وقد كنت لا أتصور صدق هذا التعريف، وأقول في نفسي: كيف لا ينقص الحب بالإساءة ولا يزيد بالإحسان، إن هذا غير معقول.
 
ثم أحببت إنساناً حباً شديداً خالصاً لله تعالى فمرض هذا الإنسان الذي أحبه كل الحب، فكنت أتمنى أن يموت ليستريح رأفة به وإشفاقاً عليه، وكنت في الوقت نفسه أتمنى أن يعيش لاستمتع بوجوده وما كنت أفضل أمنية على الأخرى، وكان هذا الإنسان لصيق الصلة بي، وقد أضر بي مرضه كثيراً فما نقص حبي له ولا تأثر أبداً بهذا الضرر، فأبقيت يومها أن هذا التعريف صحيح، لأن الحب في الله له صفة الدوام والكمال، فإن لم يكن كذلك فلا يكون حباً خالصاً لله. فما أعظم هذا الحب، وما أجمل آثاره وثمراته. ومن ذاق عرف.
 
نسأل الله عز وجل أن يرزقنا حبه وحب من يحبه إنه سميع مجيب.

 

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم