لَا تُبَاشِرُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل
المقال مترجم الى : English

 

 
عَنْ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لا تُبَاشِرُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، فَتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا، كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا". 
بعث الله رسوله محمداً – عليه الصلاة والسلام – مُعلما ومتمماً لمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، كما هو معلوم لدينا.
 
ومن مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم أن يغض المسلم بصره عن النظر إلى ما لا يحل له النظر إليه، ويحجم عن مباشرة ما لا يحق له مباشرته، ويكف عن ذكر ما لا ينبغي له ذكره، يستوي في ذلك الرجل والمرأة.
 
وهذا الحديث ليس خاصاً بالمرأة كما يبدو لغير المتأمل، ولكن الرسول – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –  وجه النهي إليها لأن الغالب من أحوال النساء أنهن يجتمعن في المكان فتكشف كل واحدة للأخرى عما تحت ثيابها دون استحياء أو خجل، وتحدثها عن نفسها وعن زوجها فتقص عليها ما يفعله بها وتفعله به، وتكشف لها عن الكثير من الأسرار الخفية؛ فتعلم كل امرأة من أختها ما قد يخفى على زوجها مع طول عشرته لها.
 
لهذا وجه الرسول – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – هذا النهي؛ ليكفكف من شر هذه العادة المغروسة في طباعهن، ولعلهن يجدن في هذه الوصية ما يردعهن عن التمادي في هذا السلوك المخزي والمشين.
فقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "لَا تُبَاشِرُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ" معناه: لا تنام معها في ثوب واحد؛ فذلك يفضى إلى ما لا تحمد عواقبه، فقد تؤدي بهما هذه المباشرة إلى تلك العادة السيئة وهي السحاق، وقد تتعرف من خلال هذه المباشرة على ما خَفِيَ من محاسنها ومساوئها الخفية، فتحسدها فيما تمتاز به عنها، وتحتقرها فيما تستنكره منا، ويُملى لها الشيطان من خلال ما وقع لها من الانطباعات التي رسخت في ذهنها أن تحدث زوجها بكل ما علمت به منها من الأوصاف الجسدية والأحوال النفسية، والسلوكيات الخُلُقية والميول الجنسية، وغير ذلك مما كان الزو في غنى عنه، وكانت هي أيضاً في غنى عن معرفته لو كان لها قلب حي وضمير يقظ، وحياء فطري وطبع سليم.
 
وهذا النهي للتحريم – كما هو ظاهر – ودليله قوله تعالى: { وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ } (سورة النور: 31).
 
غض البصر عن العورات كلها واجب، فلا يباح للمرأة أن تنظر إلى عورات الرجال ولا إلى عورات النساء، إلا لضرورة ملحة، يستو في ذلك عورات المسلمين وغير المسلمين، فالعورة هي العورة، يفتتن بها كل من الرجل والمرأة، فلا ينبغي لكل مسلم ومسلمة أن ينظر إلى عورات غير المسلمين والمسلمات، إلا عند الضرورة الملحة – كما أشرنا – وذلك درءاً للفتنة ودفعاً للمفسدة.
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : "فَتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا، كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا". من متعلقات هذا النهي ومن توابع مقاصده، فالنهي عن المباشرة ي ذاتها للتحريم – كما عرفت – يتعلق به ما يفضي إليه تعلق العلة بالمعلول، كما جاء في رواية الترمذي: "لَا تٌبَاشِرُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ حَتى تَصِفَهَا لِزَوْجِهَا، كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا". 
 
حَتى" هنا قد تكون للتعليل، أي: من أجل أن تصفها لزوجها إلى غاية غير محمودة، وهي اطلاع زوجها عن طريقها إلى عورتها بطريق الخبر، فيتجسم الخبر في نفسه، حتى يخيل إليه كأنه ينظر إليها.
 
والمعنى الأول تؤيده رواية أبي دواد: "لَا تُبَاشِرُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، فَتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا، كَأَنَّمَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا"، فاللام للتعليل كما ترى، أي: لا يكن هدفها من المباشرة ذلك.
 
وكلا المعنيين مراد؛ فإن النهي منصب على الأمرين معاً: المباشرة والوصف.
 
وعلى النهي عن المباشرة قد عرفناها آنفاً.
 
وعلة النهي عن وصفها لزوجها متشعبة، تذهب النفس في تحليلها مذاهب كثيرة، فتصور ماذا يحدث لو وصفت زوجة لزوجها، صديقة من صدايقاتها أو جارة من جاراتها، وبالغت في الوصف بحكم تجاذب أطراف الحديث بينهما، وحديث الزوجين ذو شجون كما هو معلوم.
 
فالمرأة التي تصفها الزوجة لزوجها قد تكون أجمل منها، فيتعلق قلب الزوج بها، فينصرف عنها إليها، والقلب مع من يُحب، وما سمي القلب قلباً إلا من تقلبه، فتكون هي السبب في هذا التحول الخطير، الذي قد يؤدي إلى عواقب وخيمة لا يدرك مداها، وللشيطان حيل خبيثة وخطوات منكرة.
 
قول أن يثبت الحب للحبيب الأول إذا كان الحبيب الأول هو السبب في ذلك، وعلى الباغي تدور الدوائر.
 
أليست هذه المرأة قد خالت أختها، وأماتت ضميرها، وغوت زوجها، وجنت على نفسها؟!
 
بلى، فإنها شيطانية، أوحى إليها الشيطان بما فعلت، فزلت وأزلت، وضلت وأضلت، والجزاء من جنس العمل.
 
وقد تكون المرأة التي وصفتها لزوجها دميمة لا تخشى على زوجها من أن يتعلق بها قلبه، ولكنه قد يحتقرها، وقد يُحقرها في عين زوجها إذاكانت بيتهما صلة، وتحقير المسلم جرم عظيم.
 
وربما يؤدي تحقيرها في عين زوجها إلى طلاقها، ولها منه أولاد، وقد يؤدي طلاقها فوق خراب البيت إلى احتدام النزاع والخصام بين أسرته وأسرتها، إلى أخر ما هناك من ويلات كان السبب الأول والأخير في وقوعها تلك المرأة المشئومة التي لم تتمثل هذه الوصية النبوية، لحماقتها وضعف إيمانها وقلة حيائها.
 
فما أعظم هذه الوصية التي تحفظ للرجال والنساء حرماتهم من أن تنال، وتصون أعراضهم عن القيل والقال، وتحمي المجمتع من الخلاف العائلي والتفكك الأسري والأنهيار الخُلُقي بوجه عام.
 
نسأل الله السلامة والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

 

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم