اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ - التولي يوم الزحف و قذف المحصنات

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل

الموبقة السادسة: التولي يوم الزحف، وهو كبيرة من الكبائر إلا إذا كان القصد منه التحيز إلى فئة من المسلمين ليستعينوا بهم على الكر للقتال، أو كان القرار خدعة لجلب العدو إلى مكان يتمكن فيه من دحره وهزيمته.
 
قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } (سورة الأنفال: 15-16).
 
فالثبات في ميدان القتال من أعظم الواجبات وهو شرف المؤمن وبرهان صدقه مع الله تبارك وتعالى.
 
والفرار جبن وخور، وإيذاء للمسلمين وخيانة لهم، فإنه يحدث في الصفوف الفرقة، ويفت في العزائم ويضعف الهمم، ويشجع العدو على الإغارة على من ثبت من المسلمين، بل كثيراً ما يكون الفرار وبالاً على الفارين، فقد يكون سبباً في قتلهم شر قتلة، فيموتون كما يموت الجبناء ليس لهم في الدنيا ذكر، وليس لهم في الآخرة من نصيب إلا اللعنة وعذاب النار.
والفلاح كل الفلاح في الثبات وحسن الثقة بالله والاعتصام به في مثل هذه المواطن، وطلب العون منه، فهو خير ناصر وخير معين.
 
يقول الله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } (سورة الأنفال: 45-46).
 
فقد أمر الله في هاتين الآيتين بما يحقق لهم النصر ويعظم لهم الأجر ويضاعف من إيمانهم وثقتهم بأنفسهم واعتزازهم بدينهم في جو من الإخاء والتعاون البناء.

 
الأمر الأول: الثبات أمام العدو، وهو الصدق عند اللقاء، بمعنى أنهم يكرون ولا يفرون، يقدمون ولا يحجمون، يتناصرون ولا يتخاذلون، وقد أثنى الله على هؤلاء الذين كانوا لا يهابون العدو في أشرس مواطن القتال طلباً للنصر والشهادة وإرضاء له جل شأنه فقال: { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا  لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ } (سورة الأحزاب: 23- 24)
 
وقال عز من قائل: { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } (سورة التوبة: 111).

 
والأمر الثاني: هو الإكثار من ذكر الله ولا سيما لقاء العدو؛ فإن الذكر يعينهم على القتال ويدفعهم إلى طلب الشهادة في سبيل الله، ويزجرهم عن القرار من وجه العدو في الوقت الذي يكون الثبات فيه من أوجب الواجبات.
 
ولقد كان أصحاب النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يكثرون من الذكر وتلاوة القرآن من بداية سيرهم إلى أرض المعارك حتى ينتهي القتال ويتخذون منه زاداً يبلغهم مقاعد الأبرار في الوقت الذي تزيغ فيه الأبصار وتبلغ فيه القلوب الحناجر.

 
والأمر الثالث: طاعة الله عز وجل، فإنها سبب من أعظم أسباب النصر.
 
والذنوب سبب من أعظم أسباب الهزيمة. والتقوى خير الزاد، وهي العدة لمن صدق الله في مثل هذه المواطن.
 
فإذا كان للعدو قوة ومنعة وعدة وعتاد ونحن أقل منهم شوكة وعدداً ومدداً فلن نغلبهم إلا بالتقوى، فإن تخلينا عنها غلبونا قطعاً لعدم التكافؤ بين الجيشين.
 
فنحن وإن كنا قلة في العتاد والعدد فمعنا ربنا الذي لا يأتي النصر إلا منه.
 
وهو القائل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } (سورة محمد:7).
 
أي إن تنصروا دين الله بطاعته والجهاد في سبيله فإنه لا يتخلى عنكم، ولا يسلمكم لعدوكم أبداً، { وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } (سورة الأنفال: 10).

 
والأمر الرابع: الاتحاد وعدم التنازع؛ فإن الاتحاد قوة والتفرق ضعف وخذلان، وهو سبب من أهم أسباب الفشل وذهاب الريح وهي القوة.
 
الأمر الخامس: الصبر عند المكاره ومواجهة الصعاب بصدر رحب وقلب مطمئن، والحرص على إحراز النصر بالروح والدم.
 
ولاشك أن الصبر في مواطن القتال يعين على الثبات والاستمرار في المعارك حتى نهايتها من غير تبرم أو جزع.
 
ولقد كان أصحاب النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – من أعظم الناس صبراً وجلداً في مواطن الجهاد، وكان الاستشهاد عندهم هو الأمل المنشود والعز المنتظر، لما علموا من فضله وعظيم ثوابه.
 
وقد كان شعارهم (احرص على الموت توهب لك الحياة).
 
إنهم كانوا يوقنون بالقدر ويستسلمون له ويرضون به غاية الرضا، وهذا اليقين هو الذي يثبت أقدامهم ويربط على قلوبهم ويجعلهم أكثر إقداماً على اقتحام صفوف العدو، وإلقاء الرعب في قلوبهم.
 
كان علي – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – يقول وهو يصول ويجول في ميادين المعارك:
    من أي يومي من الموت أفر               يوم لا قدر أو يوم قدر
    يـــوم لا قــــدر لا أرهبـــــه                ويوم قدر لا يغني المفر
 

الموبقة السابعة: قذف المحصنات.

وهي كبيرة من أعظم الكبائر جرماً، وأشدها خطراً، وأعظمها ضرراً على المجتمع المسلم الذي يتميز عن سائر المجتمعات بالطهر والنبل، والخلق الفاضل، والسلوك الحميد.
 
ومعناه في اللغة: الرمي بالحجارة وغيرها.
 
ومعناه في الشرع: الرمي بالزنا.
 
قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ  يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ } (سورة النور: 23- 25).
 
والمراد بالمحصنات هنا العفيفات، ورميهن معناه اتهامهن بالزنا وهن غافلات عن ذلك بعيدات عنه كل البعد.
 
كما قال القائل:
هن الحرائر ما هممن بريبة                كظباء مكة صيدهن حرام
 
ومعنى لعنوا: طردوا من رحمة الله تعالى في الدنيا والآخرة.
وقوله تعالى: { يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ }.
 
معناه: يوفيهم حسابهم ويجزيهم على قذفهم المحصنات الغافلات المؤمنات الجزاء الذي يستحقونه كاملاً غير منقوص.
 
وفي ذلك أبلغ ردع لأولئك الذين يحوضون في أعراض الناس بألسنتهم ويحبون أن تشيع الفاحشة في المجتمع المسلم.
 
والمتتبع للآيات التي نزلت في حديث الإفك يتبين له كيف عمل الإسلام على قطع ألسنة السوء وسد الباب على الذين يلتمسون للبرآء العيب، ومنع ضعاف النفوس من أن يجرحوا مشاعر الناس ويلغوا في أعراضهم.
 
وحذرهم أشد تحذير من أن يقول أحدهم في أخيه قولاً فاحشاً، أو يحب أن يقال على أحد من المسلمين قولاً فاحشاً.
 
والآيات التي تحدثت عن الإفك تبدأ من قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ } وتنتهي بقوله تعالى: { أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } (سورة النور: 11- 26).
 
وقد نزلت هذه الآيات في شأن عائشة حين رماها بعض الظلمة بالفاحشة مع صفوف بن المعطل – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – فكان درساً قاسياً لأولئك الأفاكين وأمثالهم ممن يحبون أن تشيع الفاحشة في الدين آمنوا، وتطهيراً لقلوب المؤمنين والمؤمنات، وتطييباً لنفس عائشة أم المؤمنين – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – وتطييباً لنفس صفوان بن المعطل - – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – وتنزيهاً لهما عن الدنايا صغيرها وكبيرها وتبشيرهما بأعظم بشرى يتمناها كل مسلم، وهي المغفرة والرزق الكريم.
 
وقذف المحصنين كقذف المحصنات إجماعاً وإنما جاء النص في الحديث على المحصنات دون المحصنين لأن قذف النساء أكثر من قذف الرجال وأكثر ضرراً، وأشد خطراً وأسوأ عاقبة.
 
فالمرأة يضيرها كثيراً ما يقال فيها ويضير زوجها وأولادها وأسرتها وقبيلتها بخلاف الرجل؛ فإن تضرره بالقذف أقل. وهذا أمر لا يحتاج إلى بيان.
 
والقذف يقارب الزنا في الإثم؛ ولهذا كان حده الجلد.
 
يقول الله عز وجل: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } (سورة النور: 4).
وبعد؛ فإن هذه الوصية الجامعة قد وضعتنا على طريق الخير والهدى وجنبتنا مواطن الشر والردى، وسمت بنا عن الرذائل كلها على الجملة؛ فإن هذه الموبقات السبع هي أمهات الكبائر وينبوع الرذائل، من اجتنبها فقد سلم من الآفات التي تفتك بالقلوب وتذهب نورها، وتقضي على مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، وتحبط الأعمال الصالحة بالغة ما بلغت.
 
ومن الواجب على الدعاة المرشدين أن يعلموا الناس فحوى هذا الحديث ويأمروهم بحفظه حتى يكون لهم مصباحاً يهتدون به إلى وقاية أنفسهم من الوقوع في مهالك لا يمكنهم التخلص منها.
 
والله هو الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم