أمرنا رسول الله بسبع ونهانا عن سبع - الجزء الخامس

الكاتب : الدكتور / محمد بكر إسماعيل

هذا وللسلام آداب ينبغي مراعاتها، منها:

(أ) أن يحرص كل مسلم على أن يكون هو البادئ بالسلام، لقوله صلى الله عليه وسلم كما في سنن أبي داود والترمذي عن أبي أمامة: "إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِاللَّهِ مَنْ بَدَأَهُمْ بِالسَّلَامِ".

وفي رواية أخرى للترمذي عن أبي أمامة - رضي الله عنه - : قيل يا رسول الله، الرجلان يلتقيان أيهما يبدأ بالسلام، قال: "أولاهما بالله تعالى".

(ب) لكن يستحب أن يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير، والصغير على الكبير، كما جاء في كتب السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(ج) ويستحب إعادة السلام على من تكرر لقاؤه ولو على قرب، بأن دخل ثم خرج ثم عاد في الحال، أو حال بينهما حائل كشجرة ونحوها.

فقد روى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِذَا لَقِيَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ فَإِنْ حَالَتْ بَيْنَهُمَا شَجَرَةٌ أَوْ جِدَارٌ ... أَوْ حَجَرٌ ثُمَّ لَقِيَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ".

(د) ويستحب المسلم إذا دخل بيته أن يسلم على من في البيت، فإن لم يكن فيه أحد سلم على نفسه، لقوله تعالى: { فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً } (سورة النور: 61).

وقد روى الترمذي في سننه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا بُنَيَّ إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَهْلِكَ فَسَلِّمْ يَكُنْ بَرَكَةً عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ".

(هـ) ويستحب السلام على الصبيان لتعويدهم على إلقائه ورده، ولغرس نوازع الرجولة فيهم.

روى البخاري ومسلم أن أنس بن مالك – رضي الله عنه - : "مرَّ على صبيان فسلم عليهم، وقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله".

(و) ويستحب السلام على المحارم من النساء، وعلى الأجنبية أيضاً، إذا لم يخش منها الفتنة، ولهن أن يسلمن على الرجال بهذا الشرط.

فقد روى البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد – رضي الله عنه – قال: " كَانَتْ فينا امرأة – وفي رواية: كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ - تَأْخُذُ مِنْ أُصُولِ السِّلْقِ فَتَطْرَحُهُ فِي قِدْرٍ وَتُكَرْكِرُ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ، فَإِذَا صَلَّيْنَا الْجُمُعَةَ انْصَرَفْنَا وَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا فَتُقَدِّمُهُ إِلَيْنَا".

وروى أبو داود عن أسماء بنت يزيد – رضي الله عنها – قالت: "مر علينا النبي صلى الله عليه وسلم في نسوة فسلم علينا"

وفي رواية للترمذي: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمًا وَعُصْبَةٌ مِنْ النِّسَاءِ قُعُودٌ فَأَلْوَى بِيَدِهِ بِالتَّسْلِيمِ".

(ز) واختلف في السلام على الكافر على قولين، والأصح الجواز؛ لعموم قوله تعالى: { وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } (سورة النساء: 86).

ولعموم قوله تعالى أيضا: { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } (سورة الممتحنة: 8).

وقد رجع القرطبي الجواز على المنع عند تفسير قوله تعالى في سورة مريم { قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي} (سورة مريم: 47).

فإذا ألقى عليك السلام كافر، فقل: وعليكم السلام، واقصد بذلك الملائكة الذين معه.

ويجوز أن نبدأهم بالسلام أيضاً لما أخرجه الطبري من طريق ابن عيينة قال: "يجوز ابتداء الكافر بالسلام، لقوله تعالى: { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ... الآية } وقول إبراهيم – عليه السلام – لأبيه: سلام عليك".

وروى البيهقي أن أبا أمامة – رضي الله عنه – كان يسلم على كل من لقيه، فسئل عن ذلك، فقال: إن الله تعالى جعل السلام تحية لأمتنا أمانا لأهل ذمتنا.

وقيل: يسلم المسلم على الكافر لو كان له حاجة عنده، فإن لم يكن له حاجة كره.

والأحاديث الواردة في عدم الرد عليهم إلا بقوله: وعليكم، محمولة على أن اليهود كانوا إذا حيوا مسلما لم يقولوا له: السلام عليكم، ولكن يقولون: السام عليكم.

أخرج مالك في الموطأ عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الْيَهُودَ إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَحَدُهُمْ فَإِنَّمَا يَقُولُ السَّامُ عَلَيْكُمْ، فَقُلْ: عَلَيْكَ".

وأخرج البزار وابن حبان في صحيحه عن أنس: مر يهودي بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فسلم عليهم فرد عليه أصحابه، فقال: "هل تدرون ما قال" قالوا نعلم سلم علينا، قال: "فإنه قال: السام عليكم، أي تسامون دينكم ردوه" أي قولوا: وعليكم، يعني بمثل ما قلتم.

ومعنى تسامون دينكم: تخسرون، وقيل السام: الموت.

وسماحة الإسلام تقتضي أن يعامل أهل الكتاب بالحلم، واللين، والحكمة إذا عاشوا بيننا على العهد، ولم يغدروا بنا.

وقد أباح الله لنا أن نأكل ذبائحهم، وأن نتزوج من نسائهم، فقال جل شأنه في سورة المائدة { الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } (سورة المائدة: 5).

وعليك أيها الأخ المسلم أن تسأل نفسك، لو أن رجلاً من أهل الكتاب دعاك إلى طعامه، ورحب بك وحياك، وأدخلك بيته وأكرم مثواك، وألقى عليك السلام فماذا تقول له وهو يعلم أن هناك حديثاً يمنع المسلم من رد السلام على اليهود والنصارى، فماذا يكون حاله معك بعد هذا؟ إنه سينقبض صدره ويضيق بك ذرعاً، بالإسلام أيضاً، وينفر منه ومن معتنقيه.

وكيف لو كان هذا الداعي إلى طعامه أباً أو أخاً لزوجتك الكتابية، أفكنت تفعل معه هذا باسم الإسلام؟.

أظن أنك معي في أن هذا العمل يتنافى مع البر والإقساط للذين أمرالله بهما في الآية السابقة من سورة الممتحنة، والآية التي في سورة النساء.

فأي حديث ورد في النهي عن إلقاء السلام ورده على أهل الكتاب فهو محمول على من كان يقول: السام عليكم، أو هو محمول على من بيننا وبينه عداوة، كيهود المدينة، فإنهم كانوا يتربصون بالمسلمين، ويدبرون لهم المكائد، ويضمرون لهم السوء ليلاً ونهاراً، فكان على المسلمين أن يعاملوهم بالمثل.

فكن – يا أيها المسلم – سمحاً مع المسلمين وغيرهم فأنت عنوان دينك، وأنت الدال عليه والداعي إليه بخلقك الفاضل وسلوكك النبيل.

* * *

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم