أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل

 
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "أَوْصَانِي خَلِيلِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثٍ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَرْقُدَ".
هذا الوصية لم تكن لأبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بوجه خاص كما هو ظاهر، ولكننا نفذت من خلاله إلى سائر المؤمنين والمؤمنات.
 
وهي من الوصايا التي يتعلم منها المسلم الحزم والعزم وأخذ نفسه بالقوة في التجارة مع الله عز وجل، وتدريبها على فعل ما تكره؛ تهذيباً لها، وتقويماً لسلوكها، وزجراً لها عن الميل إلى الشهوات والركون إلى الخمول والكسل، والغفلة عن الذكر في أوقات العمل.
أن صيام ثلاثة أيام من كل شهر فسنه متبعة، لم يتركها أحد من الصالحين إلا لعذر، وهي أقل ما يستحب فعله في جميع الشهور سوى شهر شعبان؛ فإن كثرة الصيام فيه أشد استحباباً منها في غيره.
 
وصيام ثلاثة أيام من كل شهر تعدل صيام الدهر كله، كما جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد، وابن حبان عن أبي ذر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "مَنْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ فَقد صَامَ الدَّهْرَ كُلُّهُ".
 
وذلك لأن الحسنة بعشر أمثالها، وكل يوم من الأيام الثلاثة يمثل ثلث الشهر، فإن واظب على صيامها في كل شهر كان كمن صام الدهر كله.
 
ولكن هذا التشبيه لا يعني المساواة من جميع الوجوه، فتشبيه شيء لا يعني أنه مشارك له في جميع الأوصاف، بل يكفي أن يكون مشابهاً له في وصف أو وصفين.
 
ومن المعلوم بداهة أن من صام الدهر لله تعالى كان أعظم أجراً من الذي صام ثلثيه، فكيف بمن صام ثلاثة أيام منه.
 
والتشبيه هنا لتحصيل الكفاية والاقتصار على ما يمكن فعله بلا مشقة.
 
واعلم أن الثواب يكون على حسب الإخلاص في العمل، فرب عمل يسير يحصل العامل من روائه على أجر كبير، والعكس صحيح.
 
{ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ } (سورة الرعد: 8-9).
 
ولا يشترط أن يكون الصوم من أول الشهر أو من وسطه، بل له أن يصوم متى شاء، ولا يشترط أن تكون متتابعة.
 
فعن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالت: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، قَالَتْ معاذة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: مِنْ أَيِّهِ كَانَ يَصُومُ؟ فَقَالَتْ: لَم يَكَن يُبَالِي مِنْ أَيِّهِ كَانَ يَصُومُ".
 
وقيل: يستحب أن تكون هذه الأيام الثلاثة في الليالي المقمرة، وهي المبينة في حديث قتادة بن ملحان قال: "كَأنَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا أَنْ نَصُومَ الْبِيضَ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ، وَقَالَ: هُنَّ كَصوم الدَّهْرِ"
وأما ركعتا الضحى ففضلها كبير وأجرها عظيم؛ لأنها صلاة يغفل عنها كثير من الناس؛ لاشتعالهم بأمور الدنيا، فهي تشبه في الفضل الصلاة في جوف الليل؛ لأنها تقام والناس نيام، فعنصر الإخلاص في هذه وتلك متوفر في الغالب والأجر إنما يكون بقدر الإخلاص في العمل كما أشرنا.
 
وقد وردت في فضل صلاة الضحى أحاديث كثيرة منها ما رواه مسلم في صحيحه، عن أبي ذر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنْ الضُّحَى".
 
ويبدأ وقتها من بدء حل النافلة، وهو مقدار ارتفاع الشمس رمحاً أو رمحين وينتهي وقتها قبل وقت الظهر.
 
والرمح يقدر بستة أمتار في رؤية العين، وقدر الفلكيون الوقت الذي تحل فيه النافلة بنحو نصف ساعة من طلوع الشمس، وينتهي وقتها قبل الظهر بأربع دقائق فلكية؛ لأن هذا الوقت تكره الصلاة فيه، ويسمى وقت الاستواء، وبعده تميل الشمس إلى الغرب، فإذا مالت درجة فقد وجب الظهر، والدرجة الشمسية تقدر بأربع دقائق.
 
وأقل ما يجزئ في صلاة الضحى ركعتان، فمن شاء اكتفى بها، ومن شاء صلى أكثر إلى اثنتى عشرة ركعة.
 
فقد ثبت أن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاها أربعاً، وصلاها ثمانياً، وصلاها أكثر من ذلك.
 
فعن أم هانيء رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "صَلِّي سجدة الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، يُسَّلمُ مِن كُل رَكْعَتَيْنِ". 
 
وعن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالت: "كَانَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلي الضُّحَى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ويزيد مَا شَاء الله".
 
واعلم أن صلاة الضحى تعين التائبين على تجديد التوبة وتصحيح النية والإخلاص في العمل والتحرر من الغفلة وكسر جماح الشهوة.
 
ولهذا سماها النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاة الأوابين، وهم الذين تابوا ورجعوا إلى الله وأنابوا إليه واطمأنت نفوسهم بذكره، فلم يكن للشيطان عليهم سلطان.
 
روى مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده، عن زيد بن أرقم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَهْلِ قُبَاءَ وَهُمْ يُصَلُّونَ فَقَالَ: "صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ إِذَا رَمِضَتْ الْفِصَالُ".
أي إذا طلعت الشمس وانتشر ضوؤها واشتد حرها على الفصال، وهي أولاد الناقة، جمع فصيل.
 
وقد ذكر الفصال بالذات لأنها لا تقوى على حر الشمس الخفيف لصغرها.
وأما صلاة الوتر فإنها سنة مؤكدة، لا ينبغي على المسلم تركها، ولشدة توكيدها قاربت الواجب، فكانت حقاً على المسلم أن يؤديها قبل أن ينام، حتى لا يضيعها.
 
قال علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الوتر ليس بحتم كالصلاة، ولكنه سنة سنها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 
وقد أوصى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبا هريرة بأن يوتر قبل أن ينام لعلمه بحاله.
 
وأوصى أبا الدرداء أيضاً بذلك؛ لعلمه بحاله.
 
فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي الدرداء رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: " أَوْصَانِي حَبِيبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثٍ، لَنْ أَدَعَهُنَّ مَا عِشْتُ: بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَبِأَنْ لَا أَنَامَ حَتَّى أُوتِرَ".
 
والوصية تتعلق بصلاة الوتر في ذاتها بغض النظر عن كونها قبل النوم أو بعده. وكل امريء يرى ما يصلح له فيفعله.
 
فإن كان من أهل الحزم أوتر قبل أن ينام.
وإن كان من أهل العزم أخره حتى يستيقظ من نومه في السحر.
 
فعن جابر بن عبد الله رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ ثُمَّ لِيرقُد، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِر اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ آخِره؛ فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ".
ويبدأ وقت الوتر من صلاة العشاء ويمتد إلى طلوع الفجر الصادق، ويصليه المسلم بعد صلاة العشاء.
 
فإن صلاة قبل أن يصلي العشاء، لا يصح عند أكثر العلماء؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  "اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ وِتْرًا".
 
ومن أوتر في أول الليل ثم بدا له أن يصلي فليصل ما شاء، ولا يوتر مرة أخرى عند أكثر أهل العلم؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ".
 
نسأل الله لنا ولكم الهداية والتوفيق.

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم