اسْقِهِ عَسَلًا

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل

 

 
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ، فَقَالَ: "اسْقِهِ عَسَلًا"، ثُمَّ أَتَى الثَّانِيَةَ فَقَالَ: "اسْقِهِ عَسَلًا" ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: "اسْقِهِ عَسَلًا"، ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، فَقَالَ: "صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ، اسْقِهِ عَسَلًا، فَسَقَاهُ فَبَرَأَ".
اشتهر النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بين أصحابه بالطب والحكمة، فكان يعرف كيف يُشخص الداء ويصف الدواء، وتلك بصيرة من بصائره، التي خصه الله بها دون سائر الخلق، فكان – صلوات الله وسلامه عليه – يفتح صدره لمن جاءه يسأله عن أي شيء يتعلق به حكم شرعي أو نفع دنيوي خاص به أو بواحد من إخوانه، فيجيبه إجابة مقنعة، يسعد بها ويعتبرها وحياً من الله إليه بواسطة الإلهام أو بواسطة جبريل – عليه السلام – ويعمل بما يوصيه به ويرشده إليه.
 
وهذا هو رجل من أصحابه يشكو إليه وجع بطن أخيه، فيصف له العسل، فيذهب الرجل فيسقي أخيه عسلاً، فلا يراه قد برئ من مرضه، فيأتي إليه ثانية وثالثة فيقول له في كل مرة: اسقه عسلاً، ثم أتاه الرابعة فقال: فعلت، أي سقيته عسلاً فلم يبرأ، فقال رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ، اسْقِهِ عَسَلًا" فذهب الرجل ولم ييأس من رحمة الله، ولم يشك أدنى شك في هذه الوصية النبوية فسقى أخاه عسلاً فبرئت بطنه بإذن الله – عز وجل.
 
هذا هو معنى الحديث إجمالاً، ولنا فيه نظرات.
 
النظرة الأولى في أفضل أنواع العسل، والمراد به هنا عسل النحل الخالص الخالي من الغس، وهو أنواع ثلاثة بحسب الخلايا.
 
فهناك الخلايا الجبلية وعسلها أجود أنواعه، وهناك الخلايا الشجرية وعسلها جيد، والخلايا الصناعية وعسلها أقلها جودة.
 
وقد رتب الله هذه الخلايا ترتيباً بحسب الأفضلية، فقال جل شأنه: { وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ  ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } (سورة النحل: 68-69).
 
والوحي في الآية إلهام من الرب جل شأنه إلى النحل كل النحل في جميع العصور – إلهاماً فطرياً يوافق الحكمة التي من أجلها خلق.
 
فقد سخره الله لمنفعة الإنسان في كل زمان ومكان وجعله الله في الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته وعظيم صنعته.
 
فللنحل نظام دقيق في أحواله كلها؛ فهو مملكة قائمة بذاتها، لها أوضاعها الخاصة التي حار العلماء في إدراك مسالكها وسلوكها، وأسرارها، وآثارها.
 
ونحن هنا لا نتكلم عن النظام الفريد الذي تتخذه النحل ديدنها في السبل التي تسلكها عن النظام الفريد الذي تتخذه النحل ديدنها في السبل التي تسلكها، وفي البيوت التي تبنيها، وفي الوظائف التي تشغلها؛ فهذا له مجال آخر.
 
وإنما نتكلم عن هذا الشراب المبارك الذي يخرج منها فتقول:
 
إن البيوت التي تعملها بنفسها يكون عسلها أجود لأنها تتخذها بإلهام يفوق إلهام الإنسان، وبقدرة تفوق قدرته، وبخبرة أقوى من خبرته في هذا المجال الذي يخصها؛ ولأنها تتصرف في بنائها بما يوافق فطرتها وظروفها، وأحوالها النفسية.
 
والذي يبنى بيته بنفسه على هواه أفضل من بيت يبنيه له غيره على هواه؛ لأنه مهما بذل فيه الآخر من جهد في تحري الدقة وفق المواصفات المتفق عليها لن يصادف هوى الذي يسكن فيه مئة في المئة. بل لابد أن يفوته شيء لم يجعله في حسبانه لجهله به، أو تهاونه فيه.
 
من هنا كانت الخلايا الصناعية لا تروق النحل كما تروقه البيوت التي يبنيها بنفسه، فلا يكون عسله بالجودة التي تكون في الخلايا الجبلية والشجرية.
 
ولهذا أخر الله هذه البيوت التي يصنعها الإنسان بعقله القاصر؛ ونظره المحدود عن النوعين السابقين في الذكر.
 
أضف إلى ذلك ما يفعله الإنسان بهذا العسل الذي يقع بين يديه من تخليط يقلل من قيمته الغذائية والدوائية.
والنظرة الثانية في هذه الوصية في أمر الرجل الذي ظل ثلاثة أيام وأكثر يشرب عسلاً، ولم تبرأ بطنه.
 
فقد قرأت في بعض الكتب أن العسل إذا شربه المبطون أحدث له استطلاقاً – أي إسهالاً – تخرج معه الجراثيم المسببة للمرض شيئاً فشيئاً حتى يبرأ تماماً.
 
فالعسل فيه شفاء ما، بقدر ما، في وقت ما، لمرض ما، وشخص ما، وليس فيه شفاء كله في التو والساعة لجميع الأمراض، ولكل الناس كما يتوهم بعض من لا فقه لهم بالقرآن والسنة، والطبيعة البشرية.
 
فهم يحسبون أن التنكير في قوله تعالى: { فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ } للتعميم والحق أن للإبهام؛ والإبهام معناه الإخفاء. والإخفاء قد يكون للتقليل أو للتكثير أو للتعظيم. والإبهام هنا للتعظيم بلا شك، فتذهب النفس في تأويله كل مذهب؛ وهو الأمر الذي يفتح للعلماء أبواباً كثيرة للتأمل والنظر في كشف منافعه الخاصة والعامة.
 
والذي ثبت لدينا وأيده الواقع هو: أنه شفاء لكثير وكثير من الأمراض المستعصية، ولكن ليس لجميع الأمراض، ولا لجميع الأشخاص. بل هو كما قلنا فيه شفاء ما، بقدر ما... إلى آخر ما ذكرنا.
وفي هذه الوصية يتجلى لنا يقين الرسول – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بأن العسل هو العلاج الناجح لأمراض البطن بوجه عام.
 
فالرجل يتردد عليه ثلاث مرات لعله يجد لأخيه دواءً لبطنه غير العسل فلا يصف له إلا العسل، وما ذاك إلا لأنه يرى أنه هو الدواء الفريد الذي ينبغي أن يتناوله من أصيب بطنه بمرض من الأمراض التي كانت متفشية في عصره بوجه خاص، وفي العصور الأخرى على الجملة.
 
وهذا لا يمنع أن يكون هناك أدوية أخرى غير العسل، ولا يمنع أيضاً أن يكون هناك أمراض أخرى غير التي كانت متفشية في عصره لا ينفع العسل علاجاً لها. إذ ليس في القرآن ولا في السنة ما يدل على التعميم.
 
حق ولو قال الله – تبارك وتعالى – فيه شفاء من كل داء؛ لأن لفظ "كل" لا تدل على الجميع، ولكنها تدل على الأكثرية. كما جاء في قوله تعالى حكاية عن داود وسليمان – عليهما السلام-: { وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ } (سورة النمل: 16) أي من كل شيء نحن في حاجة إليه من علم، وطعام وشراب، وكساء.
 
وكذلك قول الهدهد لسليمان عن ملكة سبأ: { وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ  عَظِيمٌ } (سورة النمل: 23) أي أوتيت نعماً كثيرة، ولم تؤت جميع النعم.
 
وهذا مما يطول شرحه، فلا يقولن قائل: إن الرسول – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لم يجد دواء يعالج أمراض البطن جميعها إلا العسل.
 
صحيح أن النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لم يسأل الرجل عن نوع المرض الذي أصاب أخاه في بطنه؛ وذلك لأن الأمراض يومئذ كانت محدودة ومشهورة، وأدويتها بسيطة يعرفها – أو يعرف أكثرها – كثير من الناس، ولا سيما طبيب الأطباء محمد صلوات الله وسلامه عليه.
 
وخلاصة القول في هذه المسألة – أننا في حاجة ماسة إلى فهم اللغة العربية من نحو، وصرف، وبلاغة وغيرها.
 
وفي حاجة إلى معرفة القواعد الفقهية، والبحوث المتعلقة بالعموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، وغير ذلك مما هو منشور في كتب الأصول، وفي كتب علوم القرآن.
 
وإني أهيب بالمتخصصين في علم الحديث أن يهتموا كثيراً بفقه الحديث أكثر من اهتمامهم بالأسانيد ورجالها؛ فإن الحديث يعرف الصحيح منه والضعيف بعرضه على كتاب الله تعالى أكثر مما يعرف بالأسانيد.
 
فكم من حديث صح سنده ولم يصح متنه، وهذا كلام شرحه يطول، وليس هذا موضعه.
 
فلنكتف بما ذكرناه – في هذه الوصية – مما فتح الله به علينا، وهو الفتاح العليم.
 

 

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم