1. المقالات
  2. من وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم
  3. مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ

مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل
389 2019/12/24 2020/11/01

 
عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ، وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ".
أبناؤنا هم فلذات أكبادنا، وقرة أعيننا، وشفعاؤنا عند الله – عز وجل – يوم القيامة، وهم امتداد لنا في أعمالنا الصالحة بعد موتنا، وهم خلفنا في إتمام ما بدأنا في حياتنا؛ لذا كان من الواجب علينا أن نعتني عناية خاصة بتربيتهم الجسمية والروحية والعقلية، وتنشئتهم على الخلق الفاضل والسلوك النبيل، ونغرس فيهم حب الله ورسوله.
 
وقد أوصانا الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك في أحاديث كثيرة، كان منها هذا الحديث الذي يعتبر – في نظري – من أهم الوصايا التربوية التي تتعلق بالنشئ.
 
وذلك لأن الصلاة عماد الدين، وركنه الركين، وهي الصلة الوثيقة بين العبد وربه – عز وجل -، كما بينا في وصية سابقة. ولها من الفضائل الكثيرة ما عرفناه، وما لم نعرفه.
 
وسنتكلم هنا عن الثمرات التي يجنيها أبناؤنا في صغرنا، وبعد بلوغهم؛ لنعرف كيف كانت هذه الوصية من أمهات الوصايا التربوية بالنسبة لهم ولآبائهم، ولكل من له صلة بهم.
 
فمن الصلاة يتعلم الصغير كيف يعني بنظافته، ويهتم بصحته من خلال الوضوء، وتحرى النجاسات التي قد تعلق ببدنه، أو بالثوب الذي يلبسه، أو بالمكان الذي يصلي فيه.
 
ومن الصلاة يتعلم القراءة والتسبيح والتحميد والتكبير، وسائر أنواع الذكر والدعاء، ويتصل قلبه بخالقه ومولاه اتصالاً يفوق اتصاله بأبويه. وتتعمق هذه الصلة بينه وبين ربه حتى يحبه ويأنس به، وتتعلق روحه بالصلاة حتى تملك عليه مشاعره، وتملأ فراغ وقته، ويجد فيها من المتعة ما لا يجده في غيرها.
وعندئذ يتخلص من تهور الطفولة وسفهها، فيتحول نشاطه من مجرد اللغو واللعب والعبث بالأشياء الرخيصة والنفسية، إلى نشاط آخر مليء بالحيوية الجادة. ويسبق عقله سنه، فتدركه الرجولة المبكرة، فيزداد بها جداً ونشاطاً في ميادين العمل النافع، ويشعر بقيمته في الحياة، ولا سيما لو صحب أباه في المسجد، وصلى مع الجماعة، وصافحة الكبار، وحياه الصغار، واستمع إلى تلاوة القرآن، وسمع من دروس العلم، وانغمس في هذا الجو الروحي، وتعلق قلبه بالمساجد، وتعود على ارتيادها.
 
وإذا ما بلغ الحلم يكون مهيأ لتلقي التكاليف الشرعية بصدر رحب وقلب مطمئن، فلا يشق عليه القيام بها على وجهها؛ لأن الصلاة صقلت مواهبه، وعمقت تجاربه، وتعلم منها كيف يكف عن المعاصي، ويقبل على الطاعات؛ لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتكفكف من ألاعيب الهوى الجامح الذي ينتاب الصبي في سن المراهقة، وعند البلوغ.
 
أضف إلى ذلك أنه عرف كثيراً من أحكام الصلاة وغيرها من أبيه وأمه، وممن استمع إليهم في المسجد، فإذا ما أداها بعد البلوغ تقع صحيحة مقبولة في الغالب.
 
وهو بذلك يعتبر مسلماً مخضرماً – إن صح التعبير –، إذ الطفولة تشبه الجاهلية إلى حد كبير.
ولما كان الطفل لا يتعقل الأوامر ولا يعرف جدواها قبل سبع سنين – قال عليه الصلاة والسلام: "مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ، وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ" أي مروهم بها أمراً حاسماً بالحكمة والموعظة الحسنة مع الترغيب فيها بأسلوب لا يشق عليهم فهمه، ومن غير دخول في التفاصيل.
 
وهذا الأمر إنما يأتي بعد تدريب عليها وهو في سن الخامسة أو الرابعة، فقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ، وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ" يشير إلى ذلك من طرف خفي إذ الأمر بالشيء لا يصدر إلا بعد أن يعلم المأمور كيف يقوم بتنفيذ ما أمر به على النحو المرضي. فتأمل هذا تجده صحيحاً.

 
والطفل يحاكي أباه في الصلاة وهو ابن سنتين، فيركع بركوعه ويسجد بسجوده، وهو لا يدري لم يفعل هذا ولكنه يحاكيه فيه بطبعه؛ إذ من طبعه المحاكاة المجردة عن أي اعتبار في هذا السن.
 
لكن كلما تقدم في السن أدرك شيئاً ما مما يراه ويسمعه من أبويه وغيرهما حتى إذا بلغ السابعة من عمره حصل له نوع إدراك خاص لما يراه ويسمعه، واستطاع أن يفسر ذلك تفسيراً يناسب عقله.
 
وأقل ما يعرفه في هذا السن أن ما يفعله يسمى صلاة، وأن هذه الصلاة تؤدي لله – عز وجل – وأن لها أفعالاً خاصة وأوقاتاً خاصة. إلى غير ذلك من الأحكام التي يفتح الله بها عليه.
 
ولا تقل إن الطفل قبل سبع سنين لا يعرف كيف يصلي؛ وإلا كيف يفسر إدراكه لما يلقى إليه في المدرسة وهو في سن السادسة من عمره؟ بل كيف يتعلم الكثير من الظواهر التي يراها في الكتب وغيرها وهو في رياض الأطفال وسنه يؤمئذ أربع سنين أو خمس سنين؟!.
 
ولو درسنا التطور الطفولي والمراحل التي يمر بها الطفل لعرفنا أن سن السابعة هو السن الذي يعقل فيه الطفل الأوامر والنواهي ولكن لا يستطيع إدراك معناها وفحواها وكيفية تنفيذها إلا إذا تعلمها قبل هذا الأمر.
 
والرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حكيم معلم، وطبيب ملهم، ونبي مرسل يوحي إليه، فلابد أن نعتني كل العناية بدراسة الأساليب التي يخاطبنا بها في أوامره ونواهيه ووصاياه وتوجيهاته حتى لا نفرط في فهم أي حرف يكون له معنى في الجملة، ونسأل أنفسنا عن النظر فيما يروى لنا عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فنقول: لماذا عبر بهذا الحرف بالذات دون غيره من الحروف؟ ولماذا قدم كذا وأخر وكذا؟ ولماذا حذف كذا وذكر كذا؟... إلى غير ذلك مما يُعني به علماء البلاغة وفقه اللغة.
وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ" يحتمل معنيين متلازمين.
 
الأول: أضربوهم على التقصير في إقامتها، أو التفريط في تأديتها في أوقاتها، أو التفريط في تأديتها مستوفية الأركان والشروط والسنن والمستحبات.
 
والثاني: أضربوهم على تركها بالكلية.
 
وهذا وذاك صحيح؛ لأن تركها بالكلية دليل على قسوة قلبه ورعونته وخبث طبعه وطويته، وإيذان بأنه لو ترك وشأنه لطغى وفجر؛ لأنه ترك عبادة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتعصم من أقامها عن الزيغ والضلال والغفلة عن ذكر الله.
 
وأما تأديتها في غير وقتها أو التقصير في إقامتها على النحو المطلوب فإنه دليل على سفهه وخفة عقله واستخفافه بالعبادة، وحبه للهو واللعب وميله للخمول والكسل.
 
فهذا وذاك لابد أن يقوم بأسلوب الترهيب بعد أن فشل أبواه في تقويمه بأسلوب الترغيب لمدة ثلاث سنوات، ولا سيما أنه في سن المراهقة، وهي السن المشرفة على سن التكليف؛ فربما يبلغ وهو في العاشرة من عمره كما يحدث لبعض الأطفال في كثير من البلاد.
 
روى أن عمرو بن العاص بلغ وهو في سن العاشرة وأنجب ابنه عبدالله وهو في سن الحادية عشرة.
 
وهذا الترهيب لا ينبغي أن يكون قاسياً في باديء الأمر، بل يأخذه بشيء من الشدة بالقدر الذي يحتمله ولا يضره، فالإذن بالضرب ليس معناه القسوة فيه؛ إذ لو أراد القسوة لوصفه بها، فعدم وصفه بها يجعلنا نطلقه على الأقل لا على الأكثر فنضربه ضرباً غير مباح لا يكسر عظماً ولا يدمي جلداً، وذلك بحسب حال الطفل الصحية والمعنوية.
 
وأبوه بصير به وبحاله، فليفعل معه من الشدة ما يمليه عليه ضميره، وتحكم به أبوته الحانية، وليكن أبوه كالطبيب الذي يشخص الداء بحكمة ويعطي الدواء بحكمة { وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا } (سورة البقرة: 269).
وفي الحديث أمر آخر وهو: التفريق بينهم في المضاجع إذا بلغوا سن العاشرة، بأن يجعل لكل منهم فراشه الخاص به، ينام عليه وحده إن أمكن ذلك.
 
فإن لم يمكن خولف بينهم، بأن يجعل رأس هذا في جانب ، ورأس ذاك في الجانب الآخر.
 
وذلك حرصاً على أخلاق الأولاد، ومنعاً لحدوث شيء يخل بالأدب؛ فإن الشيطان يستحوذ على الصبيان في هذه السن، فيسول لهم أشياء لا ينبغي فعلها.
 
والرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حكيم، لا ينطق عن الهوى، ويجب علينا أن نأخذ أوامره ونواهيه مأخذ الجد والاعتبار ويستوي في هذا البنين والبنات، لأن اللفظ في الحديث عام، وهو قوله: "مُرُوا أَوْلَادَكُمْ". فالأولاد جمع ولد، والولد لفظ يطلق على كل مولود ذكراً كان أم أنثى.
 
ثم إن التفريق بين الأولاد الذكور يشعرهم بالرجولة المبكرة ويجعلهم أكثر اعتماداً على أنفسهم، ويحول بينهم وبين القلق الذي قد يحدث نتيجة احتكاك كل منهما بالآخر، أو إحداث أصوات تجلب الخوف لأحدهم وغير ذلك مما يحدث غالباً لمن نام بجوار الآخر.
 
والخير في التوسعة لمن كانت لديه التوسعة.
 
وما يقال في الذكور يقال في البنات مع الفارق؛ فإذا نامت كل صبية وحدها كانت أكثر اعتماداً على نفسها ووجدت من الراحة وحدها في نومها أكثر مما تجده مع الأخرى.
 
والتفرقة بين الأولاد في المضاجع من بداية سن العاشرة إلى ما شاء، لا في سن السابعة كما يحلو للبعض أن يفعل؛ فإنهم قبل العاشرة يكونون في مأمن مما قد ذكرنا.
 
اللهم إلا إذا بدا للأم أو للأب أن أحد الأبناء قد تحدثه نفسه بشيء مخل بالأدب، أو ظهرت عليه أمارة تدل على ذلك – وهذا نادر – فإنهما يعزلانه برفق عن سائر إخوته وأخواته دون أن يشعراه بشيء يحرجه أو يزعجه، والنادر لا حكم له على كل حال.
 
ولا بأس إذا لم تكن هناك سعة أن يناموا جميعاً على فراش واحد ويكون لكل منهم غطاء يخصه.
 
والأمر على كل حال مجرد إرشاد وتوجيه وليس أمراً يقتضي الوجوب فيما يبدو لنا، إلا إذا غلب على الظن حدوث ما لا تحمد عواقبه، فعندئذ يجب التفريق بينهم دفعاً للمفسدة.
والله تعالى أعلم

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم

موقع نصرة محمد رسول اللهIt's a beautiful day