الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ

الكاتب : الدكتور/ محمد بكر إسماعيل

عَنْعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍوقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَالرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْالرَّحْمَنُ ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ الرَّحِمُ شُجْنَةٌ مِنْ الرَّحْمَنِ فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعَهُ اللَّهُ".

* * *

هذا الحديث يفيض براً، وعطفاً، وحناناً من قلب هذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كل من يتلقى وصاياه الحكيمة ونصائحه الغالية بالقبول الحسن، ويرهف السمع إلى كل كلمة تخرج من فمه الطاهر، فيعيها ويتدبرها، ويستعين بالله على العمل بكل ما سمع ووعى.

فمحمد صلى الله عليه وسلم – كما نعلم ونعتقد – رسول حكيم رءوف رحيم، قد تفجرت من قلبه الزكي السليم ينابيع الرحمة، فسالت أودية بقدرها في قلوب المؤمنين المخلصين، فعاشوا بها يتراحمون فيما بينهم تحت مظلمة الإيمان متآخين متحابين، يجتمعون على حب الله.. تبارك وتعالى – ويتفرقون عليه، فكانوا متحابين، يجتمعون على حب الله.. تبارك وتعالى – ويتفرقون عليه، فكانوا مثلاً لا مثيل له في تطبيق الشريعة السمحة التي جاء بها هذا الرسول الكريم صلوات الله وسلامة عليه.

وكانوا صورة حبة من حياته السامية – صلى الله عليه وسلم – حتى بدا للناس أنهم نجوم الهدى، ومصابيح الإسلام لكل من أراد الهدى ورغب في الإسلام.

إن الرسول صلى الله عليه وسلم هو المثل الأعلى في جميع المثل العليا، قد تجسدت فيه كل آيات النبل والخلق الرفيع، فكان أسوة لأصحابه ولمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

الرحمة هي الأصل الأصيل لهذا الدين الحنيف، وهي كلمة واسعة الدلالة لا تقتصر على رقة القلب ولين الجانب كما يتصور بعض من لا خبرة لهم بلغة الشرع.

إنها صنو العدل، تلازمه ويلازمها، ولا ينفك أحدهما عن الآخر بحال فبالعدل قامت السماوات والأرض، وبالرحمة يسود الحب والوفاء، والأمن والرخاء.

ولو ذهب العدل لاختلت الموازين المادية والمعنوية، ولو ذهبت الرحمة ما تعايش الناس على الأرض يوماً من الزمان. على أن الرحمة والعدل إذا بقى أحدهما بقى الآخر، وإذا ذهب أحدهما ذهب الآخر بالضرورة، فلا عدل بلا رحمة ولا رحمة بلا عدل.

ولذلك يجب علينا أن نفهم الحديث على النحو الواسع الذي يحتمله لفظ الرحمة، فلا تقصره على العطف والحنان، والبر والصلة، بل نحمله على عمومه كما سيتضح لنا من خلال شرح هذا الحديث الذي يعتبر أصلاً جامعاً لخصال الخير كلها.

* * *

قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْالرَّحْمَنُ" معناه واضح لا يحتاج إلى بيان، لكننا نقف هنيهة عند قوله: "الرَّاحِمُونَ" لنعرف من هم على وجه الحقيقة. فنقول: "الرَّاحِمُونَ" وصف لموصوف من رجال ونساء تأصل في موصوفه بحيث صار علماً عليه، فإذا قيل: قال الراحم، أو ذهب الراحم عرف أنه فلان؛ لأنه لاشتهاره بالرحمة أصبحت الرحمة له كالاسم الذي سماه به أبوه وأمه.

يقول النحويون: الراحم اسم فاعل يدل على الثبات والدوام، ويؤيد عليه علماء البلاغة فيقولون: هو صفة لموصوف ثابت عنه فاستغنى عن ذكره بها. كقوله تعالى: { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } إذ المعنى: ولا تزر نفس وازرة وزر نفس أخرى.

ونخلص من هذا إلى أن الراحم هو الذي من شأنه الرحمة، لا تفارقه ولا يفارقها – هكذا ينبغي أن يفهم مدلول هذا الوصف، فلا يقال لمن رحم مرة وهو رحيم، أو هو راحم، فتأمل ذلك ولا تكن عنه من الغافلين.

أما قوله صلى الله عليه وسلم: "يَرْحَمُهُمْالرَّحْمَنُ" فإنه يوحى بعظمة الرحمة الصادرة ممن اتسعت رحمته، فالرحمن هو العلم الثاني للذات العلية، ومعناه صاحب الرحمة التي وسعت كل شيء، وما دام هو كذلك فإن رحمته بالرحماء تكون عظيمة موصولة لا تنقطع، فهو يرحمهم ما داموا متصفين بهذا الوصف.

"وإن الله لا يمل حتى تملوا" كما جاء الحديث الصحيح. أي لا يزال يعطيكم ويعطيكم من الأجر على أعمالكم الصالحة ما دامت موصولة الحلقات.

والفعل المضارع: "يرحمهم" يدل على التجدد والحدوث والاستمرار.

* * *

والرحمن – كما قلنا – هو العلم الثاني للذات العلية، ترد إليه أكثر الأسماء الحسنى الرحيم، والكريم، والرءوف، والبر، والحليم، والفتاح، والباسط، والتواب،... إلى آخر الأسماء التي فيها معنى الرحمة.

والرسول صلى الله عليه وسلم بليغ، يعبر عن المعاني بأسلوب يشع منه نور النبوة، فقد آثر التعبير بهذا الاسم ليشعر المؤمن من خلال ذكره بأنه أمام فيض لا ينقطع من الرحمة التي لا منتهى لأصولها وفروعها.

فلو قال: "الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْالله" لكان صواباً ولكنه لا يوحي بالمعنى الذي يريد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعمقه في نفوس المؤمنين.

والرسول صلى الله عليه وسلم إنما يقتدي في ذلك بالقرآن الكريم، فينسب كل صفة لموصوفها، وكل فعل لفاعله، بحيث يظهر من ذكره بالوصف مدى تأثيره في الفعل، أو في المفعول به.

فقولك مثلاً: "يرحمني الرحمن" أبلغ من قولك: "يرحمني الله"، وإن كان كلا القولين صحيح.

وتأمل قول الرجل الصالح الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، وتتبع حديثه مع قومه لتعرف أن القول السديد هو ما وعظ النفوس وعظاً بليغاً، وأثر فيها تأثيراً عميقاً، وقف عند قوله تعالى: { إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ } (سورة يس: 23). فإنه يوحي بأن الرحمن لا يريد الضر أبداً، ولا يأمر به، ولا يليق به – جل شأنه – مع المؤمنين بالذات، فهو رحمن واسع الرحمة، ولا سيما بمن تعرض لها.

فهذاالرجل – وهو حبيب النجار – كان رحيماً لقومه، يبغي لهم الهدى، ويرجو لهم الدار الآخرة، فكيف يريده الله بالضراء، ولكنه داعية ينتقي من العبارات ما تحيا بها النفوس المريضة، وترق لها القلوب القاسية.

اقرأ هذه الآيات في سورة يس من قوله تعالى: { وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ } (آية: 20) إلى قوله: { قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ } (آية 26: 27) وتدبرها لتعرف أن الأسلوب القرآني معجز لا يقبل التحدي، ولتعلم من خلال ذلك العلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد حاكى القرآن في أسلوبه، فكان أسلوبه معجزاً أيضاً، لكن دون إعجاز القرآن.

وقد أوتى الرسول صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم خصوصية له، فضله الله بها على جميع الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.

* * *

وقوله – صلى الله عليه وسلم – بعد هذا التمهيد: "ارْحَمُوامَنْفِي الْأَرْضِيَرْحَمْكُمْ مَنْفِي السَّمَاءِ" استجلاب لعواطف المؤمنين، واستدرار لحنانهم على إخوانهم؛ إذ هم رحماء فيما بينهم بمقتضى إيمانهم، كما قال – جل وعلا – في وصفهم: { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } (سورة الفتح: 29). فهو تذكير بالرحمة لمن لا ينساها مبالغة في الحث على مداومتها، والحرص على زيادتها ونموها حتى يبلغ فيها الرجل منهم حد الإيثار.

* * *

ولقد وصف الله الأنصار – رضوان الله عليهم – بأنهم بلغوا فيه الغاية مع إخوانهم من المهاجرين، ووصف المهاجرين أيضاً بأوصاق لا تقل عن أوصافهم شأناً: فقال – جل شأنه - : {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } (سورة الحشر: 8- 9).

ووصف الذين اتبعوه بإحسان بما يدل على حبهم لإخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان إذ يسألون الله – عز وجل – ألا يجعل في قلوبهم شيئاً من الغل لإخوانهم، ويدعون ربهم أن يغفر لهم ولإخوانهم بظهر الغيب، وهو الأمر الذي يدل على أن التراحم بين المؤمنين موصول لا ينقطع حتى لا يبقى على الأرض مؤمن.

قال تبارك وتعالى عقب الآيتين السابقتين: { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } (سورة الحشر: 10).

وينبغي أن نعلم أن هذا الخطاب النبوي ليس قاصراً على المؤمنين، ولكنه خطاب عام ينتفع به المسلمون وغير المسلمين ممن له دين سماوي، فالرحمة أصل من أصول الدين الذي ارتضاه الله لعباده، وفطرهم عليه، واعتصم به المؤمنون، فهو خطاب للمؤمنين بالأصالة ولغيرهم بالتبعية، ليعلم كل من له دين سماوي أن محمداً – عليه الصلاة والسلام – جاء متمماً للرسالات السماوية ومؤيداً لها، وتميزت شريعته الغراء بالسماحة، واليسر والرحمة، والعدالة المطلقة، والمساواة التامة بين الناس في الحقوق العامة، فهو – كما أشرنا من قبل – رسول الرحمة والسلام.

* * *

وقوله – صلى الله عليه وسلم – في ختام الحديث: "الرَّحِمُشُجْنَةٌمِنْ الرَّحْمَنِ فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعَهُ اللَّهُ" يفيد أن أولى الناس بالرحمة هم الأرحام، وغيرهم في ذلك تبع، فهو من باب التنبيه على وجوب العناية بهم، وإسداء الخير لهم، ورعاية حقوقهم، والمبالغة في برهم والإحسان إليهم، والعطف عليهم، وتحمل ما يصدر عنهم من أذى بصبر وجلد.

وهو – صلى الله عليه وسلم – بقوله هذا يدعو إلى واجب من أعظم الواجبات الاجتماعية؛ لأن الفرد لبنة في بناء الأسرة، والأسرة لبنة في بناء المجتمع، وبصلاح الفرد تصلح الأسرة، وبصلاح الأسرة يصلح المجتمع.

وما سميت الأسرة أسر إلا لارتباطها وتعاونها وانتمائها، فهي مأخوذة من الأسر، وهو الشد بالحبل ونحوه – كما جاء في كتب اللغة – فكل واحد من أفراد الأسرة مشدود إلى الآخر، مرتبط به، مشارك له آلامه وآماله رضى بذلك أم أبى.

ومنه قوله تعالى: { نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا } (سورة الإنسان: 28).

أي أحكمنا ربط مفاصلهم بالأعصاب والعروق.

وعليه نفهم معنى الرحم، فنقول: هي كل مجتمع تجمعهم صلة النسب أو المصاهرة ولو من بعيد.

وتوسع الحنفية ومن نجا نحوهم في معناها، فقالوا: أفراد القبيلة في قبيلة أخرى رحم بأن كانوا يسكنون معهم، وأبناء القرية في المدينة رحم، وأبناي القطر في القطر رحم, والعرب في بلاد العجم رحم، والمسلمون في بلاد غير المسلمين رحم.

وهذا التوسع محمود على كل حال، غير أن الرحم لفظ إذا أطلق أريد بخ أولاً القرابة من جهة النسب أو المصاهرة قربت أو بعدت، وما سواها مما ذكره الحنفية وغيرهم يقاس عليها باعتبار أن الغرباء يحتاجون إلى التواصل والتراحم فيما بينهم اعتماداً على أي دعامة من الدعامات التي تربط الناس بعضهم ببعض.

ويرى علماء الاجتماع أن الأسرة لها معنى يضيق ويتسع، فيقتصر على الأبوين، ثم يتعداهما إلى الأولاد، ثم إلى الإخوة والأعمام إلى آخره، ثم يتسع فيقال أسرة المدرسة، وأسرة النادي، ثم يتسع حتى يشمل الإنسانية كلها، فيقال الأسرة الإنسانية.

وهذا المعنى الواسع هو التآخي في أسمى مظاهره، وأرقى معانيه، قد عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "كلكم لآدم وآدم من تراب، ولا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى"، وهو تفسير لقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } (سورة الحجرات: 13).

* * *

والرحم وثيقة الصلة بالله – عز وجل – فهي "شُجْنَةٌ مِنْ الرَّحْمَنِ" كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم.

وَالشُجْنَةٌ معناها القرابة المشتبكة كاشتباك العروق – كما قال ابن الأثير في الجامع – والمعنى أنها أثر من آثار الرحمة، فالقاطع لها منقطع من رحمة الله تعالى.

والشجنة – بكسر الشين وضمها وفتحها – أصلها عروق الشجر المشتبكة، شبهت بها القرابة لتشابكم في النسب أو المصاهرة، وجعلها الرسول صلى الله عليه وسلم موصولة بالرحمن لأنها مشتقة من اسمه – كما سيأتي بيانه – فمن وصلها بالبر والإحسان وصله الله ببره وإحسانه، ومن قطعها قطعه الله عن رحمته وبره وإحسانه.

وهذا تهديد شديد، ووعيد قاس بخشاه كل من كان في قلبه ذرة من إيمان فكيف بالمؤمنين الأقوياء.

ومن للعبد إذا تخلى الله عنه ولم يفتح له باباً من أبواب رحمته.

يقول الله - عز وجل - : { إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } (سورة الأعراف: 56). ومفهوم هذا النص أن رحمته بمعزل عن المسيئين، وهو مفهوم صحيح يؤيده قوله تعالى: { وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } (سورة الأعراف: 156- 157).

رحمة الله إذاً لا ينالها إلا الرحماء، كما دلت عليه هذه الآية وما بعدها، فلا بد من أن يسلك الناس طريق الهدى ويتبعون الرسول في كل ما أمرهم به، ويجتنبون كل ما نهاهم عنه وحذرهم من عاقبته.

* * *

وقد ورد في الحث على الرحمة بالوالدين وبذي القربى واليتامى والمساكين ومن في حكمهم آيات كثيرة.

فمنها قوله تعالى: { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا } (سورة النساء: 36).

ومن أحق الناس بالإحسان من قدمه الله في الآية – الوالدة والوالد – ولو كانا مشركين بدليل قوله تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (سورة لقمان: 15).

وقد حذر الله من تقطيع أواصر الأرحام بقوله: { وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } (سورة النساء:1) أي واتقوا قطيعة الأرحام فإن الله مطلع عليكم لا تخفى عليه خافية من أمركم.

وأمر بإتيان ذوي القربى حقوقهم والتلطف بهم عند عدم القدرة على قضاء حوائجهم، فقال – جل وعلا - : { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا } (سورة الإسراء: 26- 28).

والناس فيه على مراتب، فمنهم من لا يعطي الحق إلا بشق الأنفس، ومنهم من لا يؤدي إلا ما وجب عليه أداؤه، ولا يكاد يزيد على الواجب شيئاً، ومنهم من يؤدي ما وجب عليه بنفس راضية ويزيد على ذلك ما شاء الله أن يزيد، ومنهم من يؤثر ذوي قرباء على نفسه، فيعطيهم ما هم في حاجة إليه ولو كان إليه أحوج.

والخطاب في الآية للجميع، والمؤمن إنما يؤدي ما وجب عليه بطيب نفس ولا يدخر وسعاً في إصلاح ذات البين بكل ما ملكت يداه من خير، ومحتسباً أجره على الله تعالى، فالمؤمنون هم الرحماء قد هذب الإيمان طباعهم، وزكى نفوسهم، وقوى أخلاقهم، وهون عليهم الدنيا، ورغبهم في الآخرة.

ولا شك الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ.

والمسكين قد عُطف في الآية على ذوي القربي لأنه أولى من غيره بالعطف والرحمة والمعونة.

وكذلك ابن السبيل، وهو الذي انقطعت به السبل عن أهله وماله، فإن له على المسلمين حق المعونة بالمال وغيره حتى يحقق مآربه من سفره ويعود إلى بلده.

ولعلك تسأل أيها القارئ الكريم عن السر في النهي عن التبذير مع بإيتاء ذي القربى حقه، والمسكين، وابن السبيل، - فأقول: نهى الله في هذه الآية عن التبذير لأنه يؤدي إلى الإفلاس وتضييع حقوق الناس، فلا يستطيع أن يؤتى حينئذ ذوي القربى حقهم، ولا يعطي للمسكين شيئاً يقتات به ولا لابن السبيل ما هو في حاجة إليه.

وقد لا يصاب المبذر بالإفلاس، ولكن تبذيره يقسى قلبه وينسيه المبادئ الخلقية التي دعا إليها الدين، ويحمله التبذير أيضاً على اعتزال أقرب الناس إليه خوفاً من أن ينالوا شيئاً من رفده، ويحرص كل الحرص على تحقيق رغباته الذاتية فتملكه الأثره، وهي من أقبح الخصال لأنها ضد الإيثار، فالإيثار في الثريا والأثرة في الثرى.

وقد أعنانا القرآن عن تتبع أوصافه الذميمة بوصف جامع لها فقال: { إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا } (سورة الإسراء: 27).

وقد يأتي القريب إلى قريبه فيسأله شيئاً من المال فلا يكون عنده فحينئذٍ يقوم الكلام الطيب مكان العطاء، وهو أقل ما يجب عليه فعله في مثل هذه الظروف، فيعده وعداً حسناً لحين ميسرة ويعتذر له اعتذاراً جميلاً بلغة مهذبة حتى يخرج من عنده وهو راضي النفس.

وهذا هو معنى قوله جل وعلا: { وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا } (سورة الإسراء: 28).

* * *

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم