أَطِيلُوا الصَّلَاةَ وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل

 

 
عَن أَبي وَائِلٍ شقيق ابن سلمة – قَالَ: خَطَبَنَا عَمَّارٌ فَأَوْجَزَ وَأَبْلَغَ فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ لَقَدْ أَبْلَغْتَ وَأَوْجَزْتَ - فَلَوْ كُنْتَ تَنَفَّسْتَ!! 
 فَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ، وَإِنَّ مِنْ الْبَيَانِ سِحْرًا".
الإسلام يسر لا عسر فيه ولا حرج؛ فمن تشدد فيه، أو شق على نفسه في أمر من الأمور التي أمره الله بها، أو شق على الناس – فإن الإسلام يغلبه بسماحته ووسطيته التي لا إفراط فيها ولا تفريط.
 
يقول النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا".
 
فالدين هو اليسر نفسه – كما يفيده هذا الحديث – وهو بهذا اليسر يغلب كل من يغلو فيه أو يكلف من الأعمال ما لا يطيق، أو يحمل غيره على ذلك.
 
وقد مضى شرح هذا الحديث في هذا الكتاب.

 
ونحن الآن أمام وصية غالية ينبغي أن يضعها الخطباء نصب أعينهم ليريحوا، ويستريحوا من عناء الشطط في التطويل الممل، الذي يسبب حرجاً للمرضى، وكبار السن, ومن له حاجة يريد أن يقضيها، أو يعزم على سفر يريد أن يدرك الوسيلة التي تبلغه المكان الذي ينوي الرحيل إليه.
 
وهذا الحديث يشبه الحديث الذي سبق شرحه، وهو قوله – – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "مَنْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ".
 
وخطبة الجمعة تسبق الصلاة، والناس ينتظرونها وهم على وضوء، وفيهم من به عاهة تمنعه من طول الانتظار، والزحام شديد، فلا هو يستطيع أن يصبر على حبسة الفضلات في جوفه، ولا هو قادر على تجديد وضوئه فماذا يفعل؟! والخطيب ماض في خطبته ينتقل من موضوع إلى موضوع، وينسى هؤلاء المرضى، وأمثالهم من ذوي الحاجات، والذين يجلسون في الشمس، فأي ذنبٍ هذا الذي يقترفه هذا الخطيب في حق هؤلاء المظاليم!
 
إنه قد أساء وظلم وخالف سنة النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –، وبغض الناس في الصلاة، والنصائح التي يسديها لهم، وربما يترك بعض الناس صلاة الجمعة من أجل تطويل هذا الخطيب.
 
وفي هذا من الضرر ما فيه.
 
وقد قال النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ".
 
إن يوم الجمعة عيد للمسلمين يترك الناس فيه أعمالهم قبل الأذان على سبيل الاستحباب، وعند الأذان على سبيل الوجوب، ليسمعوا كلمات تنفعهم في دينهم ودنياهم، ثم يصلون الجمعة، ثم بعد ذلك يعودون إلى أعمالهم كما أمرهم الله – جل وعلا – في قوله:
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ  فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } (سورة الجمعة: 9-10).
 
ولو نظر هذا الخطيب الممل في هاتين الآيتين لتعلم منهما كيف يكون التيسير على الناس في أمور دينهم ودنياهم.
 
إن الله – عز وجل – لم يأمر الناس بالإتيان إلى صلاة الجمعة من أول النهار، ولا قبل الأذان بكثير، ولكن أمرهم بالإتيان إليها عند النداء تخفيفاً من طول الانتظار، ووكل ذلك إلى رغبتهم في التبكير إليها، فكان التبكير سنةٌ لا واجباً وبعد الصلاة مباشرة أباح لهم الانصراف إلى أعمالهم راشدين ذاكرين الله – عز وجل -، ووعدهم بالفلاح إن فعلوا ذلك الواجب، وأخذوا بالرخصة بعد الانتهاء من هذه العبادة العظيمة التي يجتمع لها الناس في بيت من بيوت الله على الإخاء والحب والصفاء.
وراوي هذا الحديث وهو شقيق ابن سلمة يذكر أن عمار بن ياسر – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – خطب الناس – يعني يوم الجمعة – فأوجز وأبلغ.
 
أي: أجاد وأفاد. فالإيجاز ضرب من الإعجاز البياني، الذي لا يقدر على صياغته إلا الفصحاء من الناس، وأصحاب الملكات العالية، والأذواق الراقية. وهو تأدية المعاني الكثيرة بألفاظ قليلة وافية بالمراد، يبلغ بها المتكلم قصده من كلامه، ويصل به إلى أعماق القلوب في لطف وخفة وقبول.
 
فقول الراوي: "فَأَوْجَزَ وَأَبْلَغَ" معناه أنه أصاب الغرض الذي يهدف إليه في كلمات قليلة أغنت عن كلام كثير.
 
وعمار بن ياسر هو الشهيد الذي اشتاقت إليه الجنة، وتربى في محمد – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – تربية إيمانية وعلمية، فاجتمعت فيه مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، فكان ملء السمع والبصر بين أصحاب النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وهو من السابقين إلى الإسلام هو وأخوه عبد الله وأبو ياسر، وأمه سمية، تلك الأسرة التي أبلت في الإسلام بلاءً حسناً.
 
وكان إسلام عمار وصهيب الرومي – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – في يوم واحد، وفي مكان واحد هو دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، وكان عدد المسلمين لا يزيد على ثلاثين رجلاً إلا قليلاً.
 
وقد عاش عمار أكثر من تسعين سنة نفي السريرة، حميد السيرة، يجاهد في سبيل الله حتى استشهد. وهو من المبشرين بالجنة – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأرضاه –.
 
وهذا طرف من سيرته لا يغني عن دراستها، والنظر إلى جوانبها المشرقة.
إنه لما خطب في الناس يوم الجمعة أسر الناس بكلامه فاستاقوا إلى المزيد، ولكن قصر في الخطبة رعاية لمصالح الناس، وتحقيقاً للسنة النبوية التي سار على نهجهاً الخلفاء الراشدين.
 
فقالوا له: "يا أبا اليقظان، لقد أبلغت وأوجزت فلو كنت تنفست" أي: أطلت النفس في الخطبة؛ فالتنفيس معناه التطويل والتأخير.
 
فقال – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – معلما ومعتذراً- : إني سمعت رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يقول: "إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ، وَإِنَّ مِنْ الْبَيَانِ سِحْرًا".
 
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "مَئِنَّةٌ" – بفتح الميم وكسر الهمزة وتشديد النون – أي علامة من علامات فقهه، وأمارة من أمارات فطنته ورحمته بمن يستمع إلى خطبته.
 
وقوله: "وَإِنَّ مِنْ الْبَيَانِ سِحْرًا" معناه أن البيان قدرة لغوية جذابة تقتحم القلوب بلطف وخفة فتجلو عنها الصدأ، وتطرد منها شبح النزوات والشبهات، وتؤلف القلوب على المودة والمحبة.
 
والخطيب من الناس من سلمت فطرته وسمت نفسه، وكان على بصيرة من ربه.
 
والبصيرة هي الحجة البالغة التي تأخذ بتلابيب العقول فلا يسعها إلا الاقتناع والتسليم بما يقول.
 
وهي تشخيص الداء ومعرفة الدوا بالحكمة والموعظة الحسنة.
 
قال تعالى: { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } (سورة يوسف: 108).
 
وإني أهيب بكل خطيب أن يتبع هذه السنة النبوية، وأن يتخير من الكلام ما يناسب عقول الناس على اختلاف درجاتهم في الثقافة والفهم، وأن يتخير الموضوع الذي يريد أن يتكلم فيه فيحصر ذهنه في عناصره، ولا يخرج عنها فتختلف به السبل في التعبير هنا وهناك، فيقطع صلة الناس بالموضوع الذي تعلقت أذهانهم به عند البدء فيه.
 
على الخطيب أن يدعم قوله بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي صح نقلها عنه – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بالسند المتصل.
 
وعليه أن يتبع في أسلوبه سنن الدعاة المرشدين من الأنبياء والمرسلين وأتباعهم كمؤمن آل فرعون، وكالذي جاء من أقصى المدينة يسعى، وهو المذكور في سورة "يس" فإن في أساليبهم حكمة بالغة، وملاطفة نفسية تجذب القلوب الشاردة، وترد العقول الحائرة إلى صوابها.
 
إن الخطابة فن مبني على رقة الأحاسيس والمشاعر، ومعرفة أحوال الناس وأدوائهم، وأختيار ما يناسبهم في الأقوال والأفعال، وتحري الأوقات التي يكونون فيها أكثر إصغاء وقبولاً لما يلقى إليهم.
 
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

 

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم