اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل
المقال مترجم الى : English

 
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ : دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو أُمَامَةَ، فَقَالَ: "يَا أَبَا أُمَامَةَ، مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟".
قَالَ: هُمُومٌ لَزِمَتْنِي وَدُيُونٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلَامًا إِذَا أَنْتَ قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمَّكَ وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ؟". 
قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ"، قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمِّي وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي".
كان أصحاب النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يحبون الخلوة في بيوتهم وفي المساجد؛ للذكر والدعاء، والتفكر في مخلوقات الله عز وجل، وذلك إذا فرغوا من أعمالهم المعيشية. وكان الرجل منهم إذا حزنه أمر هرع إلى الصلاة أسوة برسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –؛ لأن العبد أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد، كما جاء في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه.
 
وقد دخل النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – المسجد، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له: أبو أمامة، لم يتحقق الرواة من اسمه ونسبه، فأدرك النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بنور بصيرته أن الرجل مهموم فلم يسأله عما أهمه وأحزنه، ولكن سأله عن جلوسه في المسجد في غير وقت الصلاة، ليفصح له عن مكنون صدره، وسبب جلوسه بالقول الصريح فيقضي له حاجته أو يعلمه دعاء يقوله في صباحه ومسائه، وهو في المسجد أو في أي مكان طاهر، يفرج الله به همه، ويذهب حزنه، ويطرد عنه شبح اليأس والملل والضيق والأسى.
 
فهو – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لم ينكر عليه مكثه في المسجد في غير وقت الصلاة؛ لأن هذا ليس بمستغرب، فالمسلم قلبه معلق بالمساجد، يلجأ إليها في أي وقت؛ ابتغاء رحمة من ربه يرجوها.
فما كان سؤاله إذا عن مكثه في المسجد إلا عن حاجة في نفسه، ولعلها هي التي ذكرتها: من تفقد أحواله، والوقوف على حوائجه التي يرجوها من ربه، ليقضيها له إن استطاع إلى ذلك سبيلا.
 
وقد قضاها له حقاً حين علمه هذا الدعاء، وهو وحي من الله تعالى، يستجلب به العبد سحائب رحمته، وينال به رضاه.
 
وقد تلطف النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – به في تعليمه هذا الدعاء، كما تلطف به في السؤال، وهو أرحم بالمؤمنين من أنفسهم على أنفسهم، فقال: "أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلَامًا إِذَا أَنْتَ قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمَّكَ وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ؟". 
 
فهذا أسلوب عرض – وهو الطلب برفق ولين – فيه جلب للانتباه، وتشويق لما سيخبره به ويطلعه عليه، وفيه بشرى طيبة يحملها إليه من لدن ربه – عز وجل – فكان أبو أمامة أسرع ما يكون إليه بالجواب: "بلى يا رسول الله"، أي: أخبرني بهذا الكلام الذي يذهب الله به همي ويقضي ديني.
 
وقد عبر النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عن الدعاء بالكلام؛ لأنه دعاء ينبغي أن يصدر من الأعماق عن يقين بالإجابة، حتى يبدو للداعي كأنه يكلم ربه بقلبه ولسانه وكيانه كله.
قال: "قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ" أي في الصباح من أول اليوم إلى آخره، وفي المساء من أوله إلى آخره، أي قل في أي وقت شئت في صباحك ومسائك كلما أحسست بشيء من الغم أو عاودك شيء من الحزن، أو خطر في قلبك شيء من الهم.
 
ويحتمل أن يكون المعنى: قل في وقت الصباح – وهو من طلوع الفجر إلى الضحى – وفي وقت الإمساء – وهو من المغرب إلى ثلث الليل الأول – والراجح عندي القول الأول، والله أعلم.
 
ونشرع الآن في شرح هذه الدعوات المباركات.
"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ".
أي اعتصم بك وألوذ بجلالك واحتمي بحماك من شر الهم والحزن، وأسألك بقدرتك أن تدفعهما عن قلبي دفعاً، وأن ترفع عني كل سبب يؤدي إليهما، وأن تشرح صدري بنور الإيمان حتى لا يحزنني الشيطان بما يورده علي من الوساوس والهواجس والشبهات، وبما يلقيه في قلبي على حين غفلة مني ليعكر به صفو إيماني، وغير ذلك مما يعد في طريق الرضا بالقضاء والقدر.
 
وهناك فرق بين الهم والحزن والغم.
 
والهم: هو الشدة البالغة بسبب توقع المكروه – يقال: أهمه الأمر أي أتعبه التفكير فيه والخوف من وقوعه على غير ما يرجو ويؤمل.
 
والحزن: هو الشدة البالغة بسبب تذكر ما فات، يقال: فلان حزين يعني على موت عزيز لديه، أو فقد شيء من ماله، فهو يقع بسبب التفكير فيما مضى.
 
والغم: هو الكرب الشديد الذي يقع للإنسان لأسباب كثيرة، فيجمع بسببه الهم والحزن معه، فيغم عليه الأمر ويلتبس عليه حتى لا يعرف كيف يتخلص منه – من قولهم غم الهلال أي: استترعن أعين الناس، وصعب عليهم رؤيته.
 
فالمغموم تتوارد عليه الخواطر، وتتداعى المعاني؛ فيحزن فيصاب بالغم فيخشى مما قد يحدث له بسبب استمرار هذا الغم فيصاب بنكبة عظيمة تعطل فكره وحواسه، فلا يكاد يعقل ولا يكاد يسمع أو يبصر.
 
وفي ذلك يقول الله – عز وجل – في تذكير المؤمنين بما وقع لهم في غزوة أحد:    { إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } (سورة آل عمران: 153).
 
قال القرطبي: (قال مجاهد وقتادة وغيرهما: الغم الأول: القتل والجراح، والغم الثاني: الإرجاف بقتل النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –.
وقيل: الغم الأول: ما فاتهم من الظفر والغنيمة، والثاني: ما أصابهم من القتل والهزيمة).
 
فأنت ترى من هذين القولين: أن الغم يجمع في طياته الحزن على ما فات والهم بما سيقع.
 
نسأل الله السلامة والعافية
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ" معناها: أعوذ بك من أن أتأخر عن تأدية واجباتي، وأتخلف عن تحقيق ذاتي وصالح عملي، وأن أفتقد القدرة المادية والمعنوية في بلوع آمالي من دنياي وآخرتي.
 
وقد سمي العجز عجزاً: لأنه يجعل صاحبه دائماً في العَجز – أي في المؤخرة – يقال: فلان في عَجُز المجلس: أي في مؤخرته.
 
والكسل: هو التقاعد عن نيل المطالب، والتباطؤ في تأدية الحقوق والواجبات، والشعور بالإحباط عند الدعوة إلى العمل، والإحساس بخيبة الأمل في كل ما يعرض عليه من المشروعات المعيشية والأفكار الإيجابية.
 
فالعاجز: من يرى القريب بعيداً؛ فيصعب عليه إدراكه أو تناوله مع وفور صحته وقوة عضلاته وثاقب فكره، فياله من مرض عضال يعجز الأطباء عن علاجه؛ إذ لا دواء له إلا الاستغاثة بالله – عز وجل – من شره وشر ما يؤدي إليه.
 
والكسول: إنسان خامل يتثاقل عن تأدية أخف الأعمال وأهمها، فيفوت على نفسه خيراً كثيراً.
 
فالكسول والعاجز صنوان كل منهما يؤدي إلى الآخر، بل لك أن تقول: كل عاجز كسول، وكل كسول عاجز، إذا كان العجز معنوياً.
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : "وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ" معناه: أسألك أن تعصمني من شرهما، وأعتصم بك من أن أتصف بهما فأخسر دنياي وآخرتي.
 
والجبن: هو التقاعس عن حماية الأعراض والحرمات، والتقاعد عن الجهاد في سبيل الله، والتخلي عن تأدية الواجبات، والإقدام على الأعمال التي تخل بالمروءة وتتنافى مع الشهامة والشجاعة.
 
فالجبان يأبى أن يجود بنفسه أو بماله في مواطن العز والشرف، ويعطي الدنية في دينه إذا تعارضت الواجبات مع شهواته ونزواته ومآربه الشخصية.
 
والبخل: هو التمسك بالمال وحبسه عمن يحتاج إليه، والحرص الشديد على نموه بشتى الطرق.
 
وربما يؤدي البخل إلى الطمع بما في أيدي الغير، ولا يلبث أن ينقلب إلى شح مطاع، وعندئذ يصعب على صاحبه التخلص منه.
 
والبخيل: إنسان حقير لا يبالي الناس به، غاب أم حضر؛ لأنهم لا ينتفعون بشيء مما في يديه، ويخشون من سطوته على ما في أيديهم، فهم يبغضونه بغضاً شديداً، أو يكرهون لقاءه؛ فهو عبد للمال يتفانى في طلبه، ويشغل نفسه بإحصائه وجمعه وتنميته بشراهه ونهم.
 
نسأل الله أن يقينا من شر ذلك بفضله وكرمه
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : "وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ" أي أعوذ بك ثقل الدين وعدم القدرة على سداده، وما يحمله المدين من هم وغم، وما يجده من المطالبين به من إخراج ومذلة، وأعوذ بك من أن يقهرني الرجال، فيغلوينني على نفسي ومالى، ويهزمونني في ميادين العز والشرف.
 
قال أبو أمامة – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ –: "ففعلت ذلك، فأذهب الله – عز وجل – همي، وقضى عني ديني"
 
وهذا يرجع إلى ثلاثة أمور:
 
الأول: الدعاء بهذه الكلمات؛ لأنها صادرة عمن لا ينطق عن الهوى.
الثاني: إخلاص الداعي وتقواه، ويقينه بأن الله يستجيب له إذا دعاه.
الثالث: مراعاة آداب الدعاء التي تكلمنا عنها في حديث سابق، ومن أهمها:
 
أن يبدأ الدعاء بالحمد والثناء، والصلاة على النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –  ويختمه بذلك، وأن يستحضر عظمة خالقه – عز وجل -، وأن يكون موقناً بالإجابة، وأن يكون قد أطاب مطعمه ومشربه وملبسه، وأن يكرر الدعاء ثلاث مرات كما كان النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يفعل.
وهذه الآفات الثمانية بعضها من بعض، إذا خطرت آفة منها على القلب جلبت الأخرى، حتى يصير المرء قتيلها أو أسيرها، فلا يستطيع الخلاص منها جميعاً إلا بهذه الدعوات المباركات، فمن الدواء الناجع لهذه العلل الفتاكة.
 
وقد جربتها في كثير من أوقات الشدة، فأنقذوني من نفسي وشيطاني، وهواي ودنياي، وأهلتنى إلى أن أكون منطلقاً دائماً لا أعرف اليأس ولا اليأس يعرفني.
 
فخذ أيها الأخ المسلم هذه الوصية النبوية الغالية هدية منه إليك، وإلزمها، واعمل بها، فإنها ترياق لكل داء يعجز عن علاجه الأطباء.
 
نسأل الله لنا ولك الهداية والتوفيق.

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم