من أحيا سنتي فقد أحبني

الكاتب : الدكتور/ محمد بكر إسماعيل

عن أنس – رضي الله عنه- قال: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "يَا بُنَيَّ إِنْ قَدَرْتَ أَنْ تُصْبِحَ وَتُمْسِيَ لَيْسَ فِي قَلْبِكَ غِشٌّ لِأَحَدٍ فَافْعَلْ ثُمَّ قَالَ لِي يَا بُنَيَّ: وَذَلِكَ مِنْ سُنَّتِي، وَمَنْ أَحْيَا سُنَّتِي فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَحَبَّنِي كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ."


* * *


لقد سعد أنس بن مالك- رضي الله عنه – بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم، ونال شرف خدمته وهو ابن عشر سنين, وفاز فوزاً عظيماً الحكيمة, وحرص كل الحرص أن يعيي ويحفظ كل ما سمع منه، ويعمل به.


والعلم في الصفر كالنقش في الحجر كما يقولون، ولا سيما أنه كان يتمتع بروح طيبة، ونفس مطمئنة، وذكاء حاد، فكان في طفولته رجلاً ملء السمع والبصر- يمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان، ويجلس عنده رهن إشارته، ولا يدخر وسعاً في تحقيق مآربه الشخصية، وغير الشخصية في ليل أو نهار.


وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسمح له بدخول حجراته على نسائه بالقدر الذي يسمح به الشرع، وتدعو إليه الضرورة، ولم يكن هذا متاحاً لغيره من خيرة أصحابه صلى الله عليه وسلم.


وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يوليه عناية خاصة، ويُعنى بتربيته عناية فائقة، ويعده للإسلام ذخراً، ويُملي إليه من وصاياه ما تزكو به نفسه، وتقوي به همته، فيروي عنه ما سمعه منه بأمانة وإخلاص، ولا يكتم شيئاً مما سمعه أو رآه إذا كان يتعلق بذكره فائدة عامة للمسلمين.


وهذه وصية من وصاياه صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل الكريم، والصحابي الجليل، والخادم المطواع، يرويها لنا؛ لنشاركه العمل بها، فنحظى بما حظى به من صلاح الأمر في الدين والدنيا.




يقول له فيها: "يَا بُنَيَّ إِنْ قَدَرْتَ أَنْ تُصْبِحَ وَتُمْسِيَ لَيْسَ فِي قَلْبِكَ غِشٌّ لِأَحَدٍ فَافْعَلْ".


والمعنى واضح مشرق لا يحتاج منا إلى بيان، وإن كان – ولابد – من بيان فإننا ينبغي أن نقف معجبين من هذا الخطاب الحاني الصادر من قلب رءوف رحيم لننظر ما يحتويه هذا الخطاب من بلاغة وأدب.


1- حين ينادي العظيم خادمه يقوله: "يَا بُنَيَّ" يدل ذلك على تواضعه الجم.


والتواضع أول صفة من أوصاف عباد الرحمن.


قال تعالى: { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا } (سورة الفرقان: 63)، أي متواضعين، لا يستخفون بإنسان، ولا يتعالون على مخلوق مهما كان شأنه، ولا يغترون بما لديهم من مال ونسب، ولا يعتزون بما فضلهم الله به من حسب ونسب، ولا يحملون في قلوبهم غلاً ولا حقداً ولو لعدو، ولا يغضبون إلا لله.


فهم كالنجم في السماء يُرى لمعانه في الماء.


وخير المتواضعين على الإطلاق: محمد – عليه أفضل الصلاة والسلام – فهو أتقى البشر، وأتقاهم سريرة وأحمدهم سيرة، وأعظمهم خُلُقاً وخلقا، جَمله الله وكمله، فكان سماء ما طاولتها سماءٌ.


فانظر بقدر عقلك وعلمك كيف يقول لخادمه: يا بني! أيناساً له، وتطييباً لنفسه، واستحضاراً لقلبه، واستجلابا لانتباهه.


2- إنه نداء عظيم من رجل عظيم يفيض حناناً وحيوية، ويسكب في القلوب الرحيمة لبان الرحمة، فيرنشف منها أنس بن مالك، فيصفو قلبه ويشتد عزمه، ويزداد إيمانه بالله ورسوله.


3- إن في هذا النداء تعميق لأواصر الحب والقرب حتى يشعر أنس أنه ابنه، نعم إن لم يكن هو ابنه من صلبه، فهو ابنه في العلم والإيمان.


وقد قال الله – عز وجل - : { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ } (سورة الأحزاب: 40 )، بينما قال: { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ } (سورة الأحزاب: 6) هو ليس أباً لأحد يتبناه، كما كان يقال: زيد بن محمد، ولكنه أعظم من الآباء عطفاً وحناناً، ورأفة ورحمة.


يقول الله – عز وجل: في سورة التوبة: { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } (سورة التوبة: 128).


4- وهذا الخطاب ينزل برداً وسلاماً على أنس بن مالك، وينال إعجاب المؤمنين بهذا التواضع الفريد، والسلوك النبيل، فيحاكونه فيه، كل بقدر طاقته وطبعه، ويقتدون به في حسن المقال وبراعة والاستهلال.


والكلام كما هو معلوم لدى علماء البلاغة: يعرف حسنه بحسن مطلعه، فيكون المطلع كالهلال الذي يبشر الناظرين وبراعة الاستهلال.


والكلام كما هو معلوم لدى علماء البلاغة: يعرف حسنه بحسن مطلعه، فيكون المطلع كالهلال الذي يبشر الناظرين بقدوم الشهر، وبزوع القمر.


وإني – والله – لكأني أسمع هذا النداء بقلبي كما يسمعه أنس رضي الله عنه، فأوجدني مصغياً من تلقاء نفسي إلى ما بعده من نصح، وإرشاد، وتوجيه، وتوجيه، وتقويم.


* * *


وقوله صلى الله عليه وسلم: "إِنْ قَدَرْتَ" بقتح الدال – أي: إن استطعت بلا تكلف ولا تصنه ألا تحمل في قلبك في جميع أحوالك – مصبحاً أو ممسيا – غشاً لأحد فافعل، ولا تدخر وسعاً في تطهير قلبك من كل ما يُعكر صفو إيمانك، وأحرص كل الحرص على أن تلقى أخاك بوجه بشوش وقلب سليم، فلا تعاقب، ولا تعابت، ولا تجادل، ولا ترائي، ولا تنافق، ولا تداهن، ولا تقولن ما لا تفعل، وليكن ظاهرك كباطنك، لك قلب واحد ووجه واحد، لا تأتين الناس بوجه وتعرض عنهم بوجه آخر، ولا تجامل أحداً بغير حق، ولا تشمت بأحد على ما ابتلاه الله وأنت تدعى أنك معه بقلبك، فتواسيه وتسليه وأنت تفرح لما وقع له أو أصيب به.


هذا هو معنى الغش الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه، وحذر منه.


وتخليص القلب من هذا أمر صعب المنال إلا على قوم اعتصموا بالله، وأخلصوا دينهم له، وزهدوا في الدنيا, ورغبوا في الآخرة، وأعدوا لها العدة، وتزودوا بالتقوى فكانت لهم شفاء من كل داء.


وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجد في أنس هذه الصفات الخيرة، فطمع في حصوله على هذه الدرجة العلية، فأوصاه بهذه الوصية مستخدماً أسلوب الشرط؛ لما فيه في شحذ العزائم واستنهاض الهمم وتهييج العواطف لمثل هذا التمحيص الذي لا بقدر عليه العبد إلا بتوفيق الله تعالى وحده، فهو القادر على تزكية النفوس، وتطهير القلوب، وتقويم الأخلاق.


* * *


وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنساً بأن هذا العمل – الذي أوصاه به – هو من سنته أي: من شأنه دائماً في جميع أحواله، وأنس يعلم ذلك، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يُذكره بهذا، وأن يزيده فيه بياناً؛ لكي يرتب على هذا قوله: "وَمَنْ أَحْيَا سُنَّتِي فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَحَبَّنِي كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ".


ومعنى: "أحيا سنتي": عمل بها، وحافظ عليها، وكان للناس قدوة فيها، حباً فيه، وطاعة له صلى الله عليه وسلم.


وإذا كان المرء على دين خليله، كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم – فالمسلم الحق من كان على دين نبيه، أي على ديدنه في البأساء والضراء، والشدة والرخاء، وعلى طريقته في معاملة الناس، ومعاشرتهم، لا يظلمهم ولا يخذلهم، ولا يسخر منهم ولا يستهزئ بهم.
فإحياء السنة برهان على صحة الإيمان، ودليل على الحب القوي الخالص لصاحب السنة صلى الله عليه وسلم.


ومن إحياء السنة أن يصونها عن البدع؛ فإن كثيراً من الناس يخلطون بين السنن المتبعة والبدع المخترعة حتى تحل البدعة محل السنة، ويعمل الناس بها وهم يحيسبون أنهم يحسنون صنعاً، ويتمسكون بها كما يتمسكون بالفرائض في بعض الأحيان، ولا ينتهون عن فعلها ولو جئتهم بكل دليل على أنها بدعة، ويجادولونك فيها مجادلة المستميت في الدفاع عن هذا المعتقد الباطل، ويقولون لك: كان يفعله فلان، وفلان، وفلان، وهو ما أفتى به الشيخ فلان إلى آخره، فلا تستطيع أن تقيمهم على المحجة البيضاء بعد ذلك أبداً، ولا حول ولا قوة إلا بالله!!


وقد رتب النبي صلى الله وعليه وسلم على حبه دخول الجنة؛ فقد قال في الحديث الصحيح: "المرء مع من أحب".


وهو تفسير لقوله تعالى في سورة النساء: { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا } (سورة النساء: 69).


ولا شك أن من أحيا سنته أحيا الله قلبه يوم تموت القلوب، وكان على الجادة من أمره في كل ما يقول وما يفعل، وظل على الهدى ما ظل محافظاً على هذه السنة حتى يأتي أمر الله.


وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم هي سنة المرسلين من قبله، فهو على طريقتهم يدعو إلى الله بدعوتهم، ويرسى من المبادئ والأصول ما غرسوه في أممهم تحقيقاً لقوله تعالى في سورة الأنعام: { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ } (سورة الأنعام: 90).


إلا أنه قد امتاز عنهم بالإمامة في مكارم الأخلاق، وخصه الله بالشريعة التي جمعت كل الشرائع وفاقتها في كثير مما يتعلق بأمور الدين وشئون الحياة، بحسب متطلبات الأمة من لدن بعثته حتى تقوم الساعة.
{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ } (سورة المائدة: 3).


أي الآن أكملت لكم الدين الذي رضيه الله لعباده جميعاً، وفطرهم عليه وتعبدهم به، وألزمهم أحكامه وفرائضه وسنته، وجعله لكم دينا قويماً وصراطاً مستقيماً، وأتم الله لكم به النعمة، وزادكم من فضله من الخصائص والمميزات ما جعلكم أمة من خير الأمم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.


والنبي صلى الله عليه وسلم هو النعمة الكبرى كشف الله به الغمة، وأنار بنوره الوجود، به وحد الله الصف وجمع الكلمة، وألف القلوب فكان المؤمنون أخوة بعد فرقة وتنافر وتناحر، لا تضع الحرب بينهم أوزارها، ولا يتمتع واحد منهم بالأمان ساعة.


وليس هناك أخوة أعظم من أخوة الإيمان؛ لأنها تخلو من الأثرة وحب الذات، وتصفو من أكدار الغل والحسد، وإن أرقى أخوة إيمانية عرفتها الدنيا هي الأخوة بين المهاجرين والأنصار، فقد صهرهم الإيمان في بوتقة واحدة، فكانوا ذهباً خالصاً لا غش فيه ولا دخل، لقد كان الأوس والخزرج عدوين في بلد واحد، تدور رحى الحرب بينهما على أتفه الأسباب، وكان اليهود يعيشون معهم فيوقدون نارها كلما خبت كما هو شأنهم دائماً، فيقتتلون حتى يكاد يُفنى بعضهم بعضاً، فلما هاجر إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعهم على كلمة التوحيد، وسماهم الأنصار حتى لا يعتز أحدهم بنسبه، ولا بحسبه؛ ثم وحد المهاجرين تحت هذا المسمى، ثم آخى بين المهاجرين والأنصار، فتحابوا في الله حباً أضحى مضرب الأمثال.


وقد سجل الله هذا الحب الذي فاق كل حب في سورة آل عمران، وفي سورة الحشر.


فقال في سورة آل عمران: { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } (آية: 103)




وقال في سورة الحشر: { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } (آية 8-9).


وقد علمنا الله – عز وجل – في كتابه العزيز كيف تسير سيرهم، ونتهج نهجهم في الصدق والإخلاص، والحب والوفاء، والكرم والإيثار، فقال جل وعلا بعد هاتين الآيتين { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } (سورة الحشر: 10).


فإذا ما سرنا على الدرب دعونا لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان بما ندعوا به لأنفسنا فنقول: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالسير على الصراط السوي، وانزع من قلوبنا الغل حتى لا يكره مؤمن مؤمناً، وهو معهم على الطريق إليه، فإن الغل قتال يقطع أنباط القلوب، وينزع منها العطف والحنان، ويفرق بين المحبين أو بين من شأنهم أن يتحابوا في الله، ويتآلفوا فيما بينهم على كلمة الله، ويصلحوا ذات بينهم على هدى من الله.


ويخيل إليه أن الناس لو دخلوا الجنة وفي قلوبهم ذرة من غل ما تمتعوا بنعيمها.


ولهذا أخبرنا الله عز وجل أن أهل الجنة لا يحملون في قلوبهم شيئاً من الغل فقال: { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ } (سورة الحجر: 47).


فهم يتعايشون فيها في سلام ووئام، ويجدون في هذا الأنس كله، والنعيم كله.


{ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا } (سورة الواقعة: 25-26).


{ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً } (الغاشية: 8-11).


أي لا تسمع فيها كلاماً لا خير فيه ولا طائل تحته، بل تسمع منهم – لو كنت معهم – قولاً ليناً سديداً حكيماً، فيه السلام والأمان من كل ما يعكر الصفو، ويجلب الملل.


ولكي نكون من أهل الجنة لابد أن نموت على هذا الحب والصفاء، فمن مات على شيء بعث عليه.


والإسلام كله حب وصفاء، والمؤمن الحق من يحرص على هذا الحب وهذا الصفاء حتى يصدق عليه أنه مسلم حقاً.


يقول الله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } (آل عمران: 102).


الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاس مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم.


ولكي يسلم الناس من اللسان لابد أن يكون قلب صاحبه نقياً طاهراً خالياً من الغش والخداع، والغل والحسد، والكبر والغرور وغير ذلك مما يدفع اللسان إلى ترجمته، والتعبير عنه بألفاظ ممجوجة تؤذي المشاعر، أو تثير الغرائز أو تبعث الكوامن الشريرة، أو تدعوا إلى فتنة أو إلى بدعة وما إلى ذلك مما يضر بالناس.


وقد قالوا: لسان المؤمن وراء قلبه، ولسان الفاسق أمام قلبه.


واللسان يترجم عما في القلب من خير وشر.
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما
جعل اللسان على الفؤاد دليلاً


اللسان بصمة يعرف بها صاحبها معرفة تكشف ما لديه من حقائق وخلائق كأنه أمام مجهر لا يخفي وراءه شيئاً.


والوجه يشارك اللسان في الترجمة والتعبير، فلا يخفي على الأريب ما ينطوي عليه قلب المتكلم من حب أو بعض، ومن صدق أو كذب، ومن إيمان أو نفاق...إلخ.


وصدق الله عز وجل إذ يقول: { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ } (سورة محمد: 29-30).


والمؤمن يرى بنور الله ما وراء الظواهر من بواطن فقد يضمر المرء خلاف ما يظهر، فيجد المؤمن في قلبه حرجاً من قبوله.


وقد يتظاهر إنسان بالصلاح والتقى أمام الناس فيظنون به خيراً لكن لا يلتبس أمره على المؤمن، فهو يعرف ما يضمره في قلبه بإشراق روحه وبصيرته، وقد لا يصرح له بما علمه منه حياء من الله وستراً عليه.


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يرىَ بِنُورِ اللَّهِ".


وأعظم المؤمنين إيماناً من لا يحمل في قلبه حقداً على أحد، وذلك لزهده في الدنيا، ورغبته في الآخرة.


فعن عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما – قال:"قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟، قَالَ: "كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَانِ".


قيل: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ .. فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟
قَالَ: "هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ .. لَا إِثْمَ فِيهِ وَلَا بَغْيَ وَلَا غِلَّ وَلَا حَسَدَ".


لأن الإيمان هذب طباعه، وزكى نفسه، وقوم خلقه ونقى سريرته فشفى تماماً من جميع أمراض القلوب على كثرتها.


وصدقت عائشة في قولها: "لله در التقوى، وما تركت لذي غيظ شفاء".


وقد ذكر الله أوصاف المتقين فقال جل شأنه في أوصافهم: { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } (سورة آل عمران: 134).


وكظم الغيظ قدرة خاصة لا تكون إلا لمن قوي إيمانه، وصدق في الله يقينه.


والعفو عن الناس درجة من أعلى درجات الكمال البشري، ولا تكون إلا للمؤمن.


{ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } (سورة الشورى: 43).


وأقوى الأقوياء في كظم الغيظ، وأعظم العظماء في العفو عن الناس أكمل الخلق محمد صلى الله عليه وسلم.


وقد عبر عن صفاء روحه وسلامة صدره ونقاء سريرته وعظيم حبه لأصحابه بقوله: "لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ مِنْكم عَنْ أَحَدٍ مِن أَصْحَابِي شَيْئًا؛ فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ".


وأعلم أن للغش صوراً كثيرة بعضها ظاهر جلي، وبعضها مستتر خفي.


1- فقد يكون في البيع والشراء، فيدل على الطمع والجشع وخبث الطبع وسوء الخلق وعلى غير ذلك من الأوصاف المذمومة التي لا يتحلى بواحدة منها مؤمن.


روى مسلم في صحيحه وابن ماجه في سننه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا فَقَالَ مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟"
قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ حتى يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشنا فَلَيْسَ مِنِّا".
أي ليس على نهجنا، ولا هو ممن يحبنا ونحبه.
ومن العلماء من يخرجه من الملة أخذاً بظاهر الحديث، والقول الأول هو الذي عليه المعول.


والغش في البيع والشراء في هذه الأيام قد بلغ مداه، وتعددت ألاعيبه، وتفنن التجار في إخفاء هذه الألاعيب، واحتالوا في بيع ما يريدون بيعه بشتى الطرق، وهم يحسبون أن هذه الحيل تحفى على الله، كلا.. كلا؛ فإن الله لا تخفى عليه خافية.


{ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } (سورة غافر: 19-20).


نعم يقضي بالحق، فينصف المظلوم من الظالم عاجلاً أو آجلاً، وينتقم من كل من يغش في السلع أو يطفف في الكيل أو يخسر الميزان.


2- وقد يكن الغش في إظهار الصداقة وحس الصحبة بصورة خادعة من أجل الحصول على غرض من أغراض الدنيا، فإذا انقضى الغرض أو فات أوانه ظهر الخداع على طبيعته، وكشف عن خبيئته، وتخلى عن مدعاه، وربما قلب لصاحبه الأمور، وانقلب عدواً يصارعه في أمر معاشه، ويسد عليه أبواب الرزق من هنا وهناك، ويفعل به من الشر ما لا يعلم مداه إلا الله.




ويصدق فيه قول الشاعر:
وإخوان اتخذتهموا دروعاً فكانــوها ولكــن للأعــــادي
واخلتهموا سهاماً صائبات فكانــوها ولكـن في فــؤادي
وقالوا قد صفت منا قلوب نعم صدقوا ولكن في ودادي
وقالوا قد سعيتا كل سعي لقد صدقوا ولكن في فسادي


وسيأتي الكلام عن الصداقة في أسمى مظاهرها وأرقى معانيها في حديث آخر إن شاء الله.


3- وقد يتظاه المرء بالصلاح والتقى فيحسبه الناس من الأخيار وهو من كبار الأشرار؟
يعطيك من طرف اللسان حلاوة
ويروغ منك كما يروغ الثعلب


وهذا هو ذو الوجهين يأتي الناس بوجه ويعرض عنهم بوجه آخر، وهو شر الناس يوم القيامة، كما سيأتي بيانه في حديث آخر.


وهذا ما يسمى بنفاق العمل.


وهذا اللون من النفاق ينشأ من ضعف الإيمان إلى حد لا يصح أن يطلق عليه لفظ إيمان، حتى يكاد يلحق بالنفاق الأكبر وهو النفاق في العقيدة، وهو إظهار الإيمان وإخفاء الكفر – والعياذ بالله تعالى.


ونفاق العقيدة من أكبر أنواع الغش على الإطلاق، لهذا ضاعف الله العذاب للمنافقين وأعلن عليهم الحرب، وحذر المؤمنين من شرهم في كثير من الآيات.


وحذرهم أيضاً من الذين يدعون الإسلام وينسبون إليه وهم إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا خاصموا فجروا، وإذا عادوا غدروا، وإذا ائتمنوا خانوا.


وأي غش أشد من النفاق في العقيدة والعمل.


إن المنافق يقرب منك البعيد، ويبعد منك القريب، ويظهر لك الود، ويخفى عنك العداوة، ويدعي أنه يحبك وهو من أشد الناس بغضاً لك، ويزعم أنه معك وهو ضدك، وهو بهذا يظن أنه يبلغ مراده منك ومن غيرك بهذا الخداع البراق.


وأعظم تصوير فني للمنافق ما جاء في قصيدة للأستاذ محمد مصطفى حمام.


قال رحمه الله:
إذا كنـــت فــي جــنة النــفاق فأعــدل بساق ومــل بســاق
وضاحك الشمس في الدياجي وداعب البـــدر في المحـاق
ولا تقـــــــارب ولا تبــاعـــد وانــسب شـآما إلى عـــراق
وقــل كلامــاً بــغيــر مــعنى واحلف على الإفك بالطلاق
ولا تصـــــادق ولا تخاصــم واستقبــــــل الكل بالعنـــاق
فأي شــخص كأي شـــخص بـــــلا اختــــلاف ولا اتفاق
وأي شــــيء كــأي شــــيء مــــــا دمــت في جنة النفاق


والمنافق يخدع نفسه قبل أن يخدع الناس، ويغش نفسه قبل أن يغش الناس، فهو يحسب أنه يحسن صنعاً، وأنه يعرف من أين تؤكل الكتف، ويرى نفسه على قسط وافر من الذكاء والفطنة، وأنه أبو الفتاكة كما يقولون، وأنه وأنه حتى يخيل إليه أن النفاق جنة هو ساكنها، بل صاحبها ومالكها، لهذا قد اختلت عنده الموازين وضاعت القيم، وذهبت مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، وجوز لنفسه أن يقول ما يشاء، ويفعل ما يريد، وأن يكتفي من العمل بالشعارات فيعدل بساق ويميل بأخرى، ويبالغ في المدح والثناء والإطراء، ويحلف على ذلك بأغلظ الإيمان، ولا يعرف للصداقة ولا للخصومة حدوداً، ولا يوازن بين ما هو نافع أو ضار، ولا بين ما هو موافق للشرع أو مخالف له.


هذا هو حال المنافق كما يصوره هذا الشاعر الحكيم في أسلوب واضح مشرق، وفي صور كلية غاية في دقة التعبير.


4- وقد يكون الغش في المشورة وكتمان النصيحة، وتلك خيانة يحذر الله منها عباده تحذيراً شديداً في آيات كثيرة منها:


قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } (سورة الأنفال: 27).


والمستشار مؤتمن يجب عليه أن يشير بما فيه خير للمستشير، فإن لم يكن أهلا للمشورة فليحله إلى غيره من أهل العلم والرأي.


والنصحية واجبة لكل من طلبها أو احتاج إليها وإن لم يطلبها، لما رواه مسلم في صحيحه عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَال "الدِّينُ النَّصِيحَةُ "
قُلنَا لمن يَا رسول الله؟.
قَالَ: "لِلَّهِ، وَلِكتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ".


وهو استدلال صحيح لكن بشرط أن نفهم معنى النصحية، فقد يقال: كيف ينصح العبد ربه، وينصح رسوله، وينصح كتابه؟.


فأقول: ليست النصيحة هنا من إسداء النصح، ولكن هي بمعنى الإخلاص.
يقال: نصحت لك، أي: أخلصت لك الود والنصح.
ويقال: لبن نصوح، أي: خالص لا غش فيه.
والنصح يلازم الإخلاص ولا يفارقه.


ولهذا فسر بعض العلماء النصح لله بأنه: الإخلاص لله في القول والعملن والدعوة إلى عبادته، وطاعته، والنصح لرسوله: العمل بسنته، والنصح لكتابه: تدبره والعمل به.


ولو فسروا النصح بالإخلاص لكان أقرب، فيكون المعنى: الدين الإخلاص، قلنا: لمن يا رسول الله يكون الإخلاص.


فقال: الإخلاص لله.. إلخ.
ويدخل النصح بمعنى الإرشاد والتوجيه والإصلاح في الإخلاص تبعاً.


وهناك فرق بين نصحت لك ونصحتك، فالأول بمعنى: الإخلاص، والثاني بمعنى الإرشاد، كما في قول جرير بن عبد الله – رضي الله عنه – "بَايَعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ"


فعليك أيها المسلم أن تكون لأخيك المسلم مثل ظله إن استطعت إلى ذلك سبيلا، تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وتذكره بالله، وتعينه على نفسه وشيطانه وهواه ودنياه.


فعليك أن تشاركه آلامخ وآماله، وتشاطره الحياة بخيرها وشرها، وحلوها ومرها، وأن تهنئه إذا جاءه ما يسره، وأن تواسيه إذا نزل به ما يضره، فهذه هي الأخوة في أسمى صورها وأرقى معانيها.


إن أخاك الحق من كان معك
ومن يضر نفسه لينفعك
ومن إذا ريب الزمان صدعك
شئت فيه شمله ليجمعك


وفقنا الله وإياك إلى ما يحبه ويرضاه.


* * *

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم