مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ رِزْقُهُ

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل
المقال مترجم الى : English

 
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ رِزْقُهُ أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ".
الرحم قرابة الرجل جهة أمه ومن جهة أبيه أيضاً.
 
وتوسع بعض العلماء في مفهوم الرحم فقالوا: إن أفراد القبيلة إن عاشوا وسط قبيلة أخرى فهم رحم حتى يعودوا إلى ديارهم.
 
وأهل البلد إن عاشوا في بلد أخرى فهم رحم حتى يعودوا إلى بلدهم.
 
والعرب إن عاشوا في بلد غير عربي فهم رحم، والمسلمون في غير بلاد المسلمين رحم حتى يعودوا لبلادهم، يجب عليهم أن يتراحموا ويتواصلوا ويتعاونوا على البر والتقوى، ويحنو بعضهم على بعض، ويحسن بعضهم إلى بعض في أوقات الرخاء والشدة.
 
وقد أوصى الله في كتابه العزيز بصلة الرحم وحذر من قطيعتها، فقال جل شأنه:    { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا } (سورة الإسراء: 26-28).
 
والأمر في قوله تعالى: { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ } للوجوب؛ لأن البخس في الحقوق ظلم، والظلم قد حرمه الله على نفسه، وجعله بين عباده محرماً.
 
وحق ذوي القربى يتمثل في برهم والإحسان إليهم والعطف عليهم، ووصلهم بالزيارة والسؤال عنهم، والدعاء لهم والبشاشة في وجوههم، والدفاع عنهم في حضورهم وغيبتهم، وتنفيس كرباتهم بقدر الوسع والطاقة.
 
وعند العجز عن قضاء حاجة من حوائجهم يعتذر إليهم اعتذاراً مهذباً، وبعدهم وعداً حسناً، ويقول لهم قولاً ميسوراً، أي مقبولاً مرضياً لا يجرح المشاعر ولا يحرج السائل.
 
وقال عز شأنه: { وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } (سورة النساء: 1).
 
أي: أجعلوا لأنفسكم وقاية من عذاب الله الذي يستحلف به بعضكم بعضاً، واتقوا قطيعة الأرحام فإنها مهلكة، واعلموا أن الله كان ولا يزال عليكم رقيباً، ويعلم سركم وجهركم، فيجزيكم على الإحسان إحساناً وعلى السوء سوءاً.
 
وقال الله تبارك وتعالى: { وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا } (سورة الأحزاب: 6).
 
أي: وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في المواريث بوجه خاص، وفي القربات والهبات بوجه عام.
 
وفي السنة المطهرة أحاديث كثيرة ترغب في صلة الأرحام، منها هذا الحديث.
 
وهو من الوصايا الجامعة لخيري الدنيا والآخرة.
فقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ رِزْقُهُ"، وفي رواية لمسلم: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ" معناه واضح، ولكن من تعمق فيه وجد لطائف تستحق أن تذكر لتعرف، منها:
 
أن البسطة في الرزق: الاتساع الذي لا يحد بحد.
 
وإذا علمنا أن الرزق مقسوم ومحدود أدركنا – بالبديهة – أن البسط يكون بالبركة فيه، بحيث يتذوق المرزوق حلاوته، ويجد نفعه ظاهراً لديه غير خافٍ وعليه، ويوفق لشكر الله تبارك وتعالى على ذلك، فينال بهذا البسط ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة.
 
هذا هو معنى البسط في الرزق فيما أرى. والله أعلم.
 
ومنها أن السرور أشد من الفرح، وأبعد عن العجب والغرور، فمهما اشتد السرور لا يضر صاحبه، ولا يخرجه عن حد الأدب مع الله تبارك وتعالى، ولا يؤدي به إلى ما يؤدي إليه الفرح إذا اشتد.
 
وذلك لأن السرور معناه بسط أسارير الوجه، وظهور البشاشة والسماحة عليه.
 
قال الله عز وجل في وصف أهل الجنة: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا  وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا } (سورة الإنشقاق: 7-9).
 
وقال جل وعلا: { فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا } (سورة الإنسان: 11).
 
ومثل السرور الشديد بالنسبة لأهل الجنة الفرح الشديد؛ لأنه مهما اشتد محمود.
 
قال تعالى: { وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ  فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } (سورة آل عمران: 169-170).
 
والفرح – بكسر الراء – من اشتد فرحه، وهما أحد رجلين.
 
رجل اشتد فرحه بحطام الدنيا فخسر الدنيا والآخرة، مثل قارون.
 
ورجل اشتد فرحه بما آتاه الله من فضله فربح الدنيا والآخرة، كالشهداء ومن في حكمهم.
 
فالسرور والفرح – إذا – مترادفان ولكن بينهما عموم وخصوص، وكل لفظ منهما يعيش في بيئته ويتفاعل مع الجو الذي وضع فيه.
 
فقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "مَنْ سَرَّهُ" ترغيب في صلة الأرحام، وتبشير بثواب الله على ذلك في الدنيا بالبركة في الرزق والعمر، وثواب الله في الآخرة، وهو خير وأبقى.
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ" معناه، يؤخر له في عمره.
 
فالنسأ هو التأخير، يقال: نسأ فلان فلاناً أي أخره.
والعمر سمي أثراً لأنه تابع للحياة في أثرها.
 
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – "فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" أمر جامع لكل أنواع البر والإحسان فمن وصل رحمه كما أمر الله عز وجل فهو من خيار المؤمنين، وهو من أولي الألباب الذين فتح الله لهم أبواب المعرفة، وأمدهم بالحكمة؛ وذلك لأن صلة الأرحام تحتاج إلى خبرة وفطنة، وحكمة وصبر ومجاهدة، فإن الأقارب كثيراً ما يقابلون الحسنة بالسيئة ولا يرضون بما أوتوا مهما كان كثيراً، ولا يشكرون من أسدى إليهم معروفاً كما ينبغي أن يكون الشكر، إلا من عصمه الله من ذلك.
 
وعلى المسلم أن يصنع في أقاربه معروفاً ولا ينتظر منهم أن يقابلوا معروفه بمعروف مثله، ولا ينتظر منهم أيضاً أن يشكروه على ذلك وأن يعود نفسه على أن يحسن لمن أساء إليه، فمن أحسن لمن أساء إليه كان أعبد الناس.
 
روى مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونَني، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ: "لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلت، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمْ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنْ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ، مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ".
 
إنه يشكو قرابته الذين يقاطعونه وهو يردي وصلهم ، ويعمل جاهداً في الإحسان إليهم، وهم يعملون جهدهم في الإساءة إليه.
 
وهو يعاملهم بالحلم وحسن الخلق وهم يجهلون عليه بالسب والشتم وسائر أنواع الأذى، فماذا يعمل من أجل إصلاحهم، وكيف يواجههم، وهل يستمر في الإحسان إليهم أم يقطع صلته بهم.
 
فيرشده النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إلى ما فيه سموه عند الله وعند الناس، فليس هناك أعظم من حسن الخلق، فيقول له: "لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلت، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمْ الْمَلَّ" وهو الرماد المحمي.
 
وهذا كناية عن مضاعفة أجره عند الله ومضاعفة العذاب لهم، ثم يبشره بالنصر عليهم في آخر الأمر مادام على بره بهم وإحسانه إليهم وصبره عليهم، فيقول النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنْ اللَّهِ ظَهِيرٌ – أي ناصر ومعين -  مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ".
 
إن المسلم في جهاد مستمر مع نفسه ومع الناس، وهذا الجهاد متنوع الجهات متعدد الأسباب، فليسأل الله عز وجل أن يهديه سواء السبيل، وأن يعينه على مواجهة الصعاب في معاشرة الناس بالمعروف، وتحمل ما يأتيه من قبلهم مع الرضا بقضائه وقدره، فإن من استعان بخالقه ومولاه أعانه وهداه، وثبته على الحق حتى يلقاه.
 
{ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } (سورة العنكبوت: 69).

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم