لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل

 
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ– رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ؛ فَإِنَّ كَثْرَةَالْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى قَسْوَةٌ لِلْقَلْبِ، وَإِنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْ اللَّهِ الْقَلْبُ الْقَاسِي". 
كلام المرء محسوب عليه ومجازي به إن خيراً فخير وإن شر فشر.
 
وقد جاء في الحديث الصحيح: "رحم الله امرأ تكلم فغنم، أو سكت فسلم".
 
وقد جاء في الحكم: من كثر لغطه كثر غلطه.
 
ولكيلا يكون الرجل عرضة للغلط ينبغي إلا يكثر الكلام إلا فيما ينفغ، وليكن كلامه مصحوباً بذكر الله، حتى يظل القلب محتفظاً بنوره وانشراحه.
 
فالرسول – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يوصينا في هذا الحديث ألا نتكلم بكلام يخلو من ذكر الله، وإذا تكلمنا في شيء فلا نكثر من الكلام، ولكن نكتفي بما يبين المراد، فخير الكلام ما قل ودل، والإيجاز ضرب من الإعجاز، وميزان العقل قلة الكلام.
 
وقد علل النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – النهي عن الكلام بغير ذكر الله بأنه قسوة للقلب بمعنى: أن اللغو منه يؤدي إلى غلظ في الطبع، وسوء في الخلق، وظلمة في القلب، وإذا أظلم القلب قسا، وإذا قسا فقد صوابه واتزانه، وفسد حاله، وعندئذ يكون صاحبه أبعد الناس عن الله، وليس هناك شر أكثر من هذا.
 
قال تعالى: { أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } (سورة الزمر: 22).
 
واعلم أن الكلام ترجمان يعبر عن مستودعات الضمائر، ويخبر بمكنونات السرائر، لا يمكن استرجاع بوادره، ولا يقدر على دفع شوارده، فحق على العاقل أن يحترز من زلله بالإمساك عنه أو الإقلال منه.
 
ومن قل كلامه حُمدت عاقبته، وإن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب.
 
قال ابن عربي – رحمه الله -: أمراض النفس قولية وفعليه، وتفاريع القولية كثيرة لكن عللها وأدويتها محصورة في أمرين:
الأول: أن لا تتكلم إذا اشتهيت أن تتكلم.
الثاني: أن لا تتكلم إلا فيما إن سكت عنه عصيت وإلا فلا.
 
وإياك والكلام عند استحسان كلامك، فإنه حالتئذ من أكبر الأمراض وماله دواء إلا الصمت، إلا أن تجبر على رفع الستر، وهذا هو الضابط.
 
واعلم أنه من تكلم فيما لا يعينه وقع فيما لا يرضيه، فخير الناس أقلهم كلاماً، وأكثرهم ذكراً لله عز وجل.
 
وكلام الصالحين ذكر؛ لأنه يخلو عن اللغو الذي يضر ولا ينفع، بل هم أبعد الناس عن اللغو؛ لأنهم شغلوا أنفسهم بالحق.
 
والنفس إن لن تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.
 
ولقد أثنى الله على المؤمنين بقوله: { وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } (سورة القصص: 55),
 
وقوله: { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ } (سورة المؤمنون: 1-3).
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : "لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ" يحتمل معنيين:
الأول: النهي عن كثرة الكلام مطلقاً إلا أن يكون ذكراً لله.
والنهي عن الإكثار منه يقتضي جواز الإقلال منه وعدم جواز الصمت على الدوام.
 
والثاني: النهي عن كثرة الكلام من غير ذكر لله، وهو يقتضي الأمر بالإكثار من ذكر الله بحيث يكون الكلام أقل والذكر فيه أكثر.
 
وقد جلست عند الكعبة مع رجل أعجبني منطقه وسلامة حديثه من الغلط وسوء الأدب، فقد كان يقرن كل كلمة بقوله: سبحان الله، أو الحمد لله، أو ما شاء الله، ونحو ذلك من الذكر والشكر، فحاولت أن أحاكيه في ذلك ولكني لم أستطع أن أكون مثله.
 
فأعظم الناس حديثاً من جعل مع كل كلمة من كلام الدنيا كلمة تُذكرُ بالآخرة، وتحمل السامع على أن يقول مثل ما يقول من التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والصلاة على النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ونحو ذلك مما يزكي النفس ويشرح الصدر ويُلين القلب ويُذهب قسوته.
 
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "فَإِنَّ كَثْرَةَ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى قَسْوَةٌ لِلْقَلْبِ" فيه مبالغة في حدة القسوة وشدتها؛ إذ جعل كثرة الكلام هي القسوة نفسها للدلالة على أن من قسا قلبه كثر كلامه، ومن كثر كلامه قسا قلبه، وكأنه قال: "كَثْرَةَالْكَلَامِ قَسْوَةٌ قَلْبِ".
 
فرقة القلب تمنع صاحبه من كثرة الكلام بغير ذكر الله، وقسوته تصرف صاحبه عن ذكر الله، فتأمل ذلك ولا تكن من الغافلين.
 
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "وَإِنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْ اللَّهِ الْقَلْبُ الْقَاسِي" فيه مبالغة في التحذير من كثرة الكلام بغير ذكر الله، وفيه بيان بأن كثرة الكلا بغير ذكر الله كبيرة من الكبائر؛ إذ الصغائر لا تبعد عن ربه عز وجل؛ لأنها تقع في حيز العفو والمغفرة بنص قوله تعالى: { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا } (سورة النساء: 31).
 
وقوله جل شأنه: { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ } (سورة النجم: 32).
 
فهذه العبارة تقشعر منها قلوب الذين يخشون ربهم ويخافون سوء العذاب.
 
فبعد العبد عن ربه طرفة عين سيندم عليها يوم القيامة، فما باله لو بعدت به المعاصي عمراً طويلاً، وعمر الإنسان هو رأس ماله مع الفارق بين العمر والمال، فالمال يذهب ويجيء، والعمر يذهب ولا يعود، فكل يوم يمضي يقول لك: يا ابن آدم أنا يوم جديد وعلى عملك شهيد فاغتنمني فإني لا أعود عليك ليوم الوعيد.
 
فاللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل منها يا رب العالمين.
 
اللهم لا تنسنا ذكرك ولا تومنا مكرك ولا تجعلنا من الغافلين.

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم