لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ

الكاتب : الدكتور محمد بكر إسماعيل

 
عَنْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: كَتَبَ أَبُو بَكْرَةَ إِلَى ابْنِهِ وَكَانَ بِسِجِسْتَانَ بِأَنْ لَا تَقْضِيَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ".
الحكم الذي ينصه الناس في القضاء فيما بينهم هو رجل اجتمعت له عشر خصال.
 
الأولى: أن يكون ذا عقل ذي لماح، يفطن إلى مواطن الخير والإصلاح فيدعو إليها من يرغب فيها بأسلوب بليغ يأخذ بمجامع القلوب.
 
الثانية: أن يكون ذا رأي رشيد نابع من قلبه اليقظ وضميره الحي، يدعمه بقول سديد يسد مسده ويصيب موضعه.
 
الثالثة: أن يكون ذا خبرة واسعة بأحوال الناس وأخلاقهم وعاداتهم وحيلهم في التلبيس والتدليس.
 
الخامسة: أن يكون على علم غزير بأحكام الشريعة حتى تقع أحكامه موافقة لها. فالحكم لا يصح حكمة بمقتضى العقل ولكن يصح حكمه بمقتضى الشرع، والشرع لا يتناقض مع العقل.
 
السادسة: أن يكون حكيماً في تصرفاته مع الخصوم، فيهدئ من روع المظلوم، ويقسو بعض القسوة على الظالم، فيقول بلسان حاله ومقاله لخصوم ما قاله أبو بكر وعمر رضي الله عنهما: الضعيف عندي قوي حتى آخذ الحق له، والقوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه.
 
السابعة: أن يكون الحاكم قوي الشخصية يهابه الصغير والكبير، ويجله الأخيار من الرجال؛ فإن الناس لا يستمعون لمن لا يعجبهم سمته وتخجلهم نظراته ويأسرهم برجاحة عقله وثاقب فكره وعظيم همته وكمال وعيه وانتباهه.
الثامنة: أن يكون الحكم ذا نسب شريف وأدب رفيع، فإن ذلك يحمل الناس على تحكيمه والرضا بحكمه.
 
التاسعة: أن يكون رجلا صالحاً يتقي الله حيث كان، ويخشاه في أقواله وأفعاله فإن من أطاع الله أطاعه النا ووثقوا في حكمه واطمأنوا إلى عدله.
 
العاشرة: أن يكون بطيء الغضب سريع الفيء كما هو شأن المؤمن دائماً. وإذا غضب لا يغضب إلا لحق.
ولا يحكم الحكم الذي اجتمعت فيه هذه الخصال العشرة وهو غضبان.

 
وذلك لأن الغضب حالة من الحالات التي يفقد فيها المرء جزءاً كبيراً من عقله ووعيه، ويعوقه عن التفكير فيما هو بصدده، فلا يصدر عنه ما ينتظر منه من رأي سديد وحكم رشيد، وفي هذه الحالة لا يصلح حاكماً، وبالتالي لا يحكم في شيء حتى يذهب غضبه تماماً ويعود إليه حلمه وأناته وسعه صدره.
 
إن الغضب إذا اشتد ملك على الإنسان عقله، فصدر منه ما يصدر عن المجنون فلا يعتد بما صدر عنه من أقوال وأفعال إلا في غرم ما أتلفع من أملاك الناس وعندئذ ينسب قوله وفعله إلى الغضب ولا ينسب إليه، فقد قص القرآن عليها ما فعله موسى بأخيه هارون عليهما السلام، وهو رسول مثله وأكبر منه بعام، وذلك حين رأي قومه قد عبدوا العجل من بعده، فنسب الله فعله كله إلى الغضب.
 
فقال جلا وعلا: {وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ } (سورة الأعراف: 154).
فإذا قضى القاضي وهو غضبان لم يقع حكمه صحيحاً، وعليه أن يعود إلى النظر في القضية مرة ثانية إن كان قد ولاه إمام المسلمين.
 
أما إن كان قد حكمه الخصوم فيما بينهم فحكم وهو غضبان فلا يقبلونه حكماً بعد ذلك، وحكموا غيره ممن اجتمعت فيه الخصال العشرة.
 
واعلم أن أنواع الغضب ثلاثة:
 
الأول: غضب شديد، وهو الذي يفقد الإنسان معه وعيه فلا يدري ما يفعل، ولا ما يقول. ويسمى هذا النوع من الغضب بالإغلاق، وقد جاء في الحديث الصحيح: "لا طلاق في إغلاق".
 
والثاني: غضب خفيف، وهو غير مؤثر بالنسبة لحكم الحاكم، والطلاق يقع به وهو في حكم العدم؛ لأن توقيه يصعب على من خالط الناس – ولاسيما الخصوم منهم – وكثرت عنده القضايا التي كلف البت فيها.
 
والثالث من أنواع الغضب: الغضب المتوسط، وهو نوعان:
 
نوع إلى الشديد أقرب، فيلحق به.
ونوع إلى الخفيف أقرب، فيلحق به.
ويقاس على الغضبان: الجائع والعطشان، والحاقن: وهو من حبس البول، والحاقب: وهو من حبس البراز، والحاذق: وهو من حبس الريح.
 
ويقاس على الغضبان أيضاً: من عضه الفقر وكثرت عياله وانتابه الهم والحزن؟
 
ومن باب أولى من اشتد مرضه الجسمي أو النفسي، وكذلك من اشتد خوفه على نفسه أو على عياله إذا حكم على فلان بالعدل، فإن هذه الأمور ونحوها يعكر صفو الحكم ويؤثر في عدالة الحكم قطعاً.
ومن الخير لك أيها المسلم ألا تحكم بين اثنين إلا إذا لم تجد من ذلك بدا.
 
وإذا حكمت بين الناس فتحري الدقة – ما أمكن – في معرفة الحُجج والبينات وتعرف على الظالم والمظلوم من لحن قوله، ومكن صاحب الحق من الدفاع عن حقه، وانتظر حتى ينتهي من كلامه وعرض قضيته ولو أطال في ذلك. والتمس له العذر إن دفعه الغضب إلى التجاوز في القول؛ فإن لصاحب الحق مقالاً. كما قال الرسول– صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –.
 
ومكن المدعي عليه أيضاً من الدفاع عن نفسه، ثم وازن بين الأقوال والحُجج، واستعن بالله في إحقاق الحق وإبطال الباطل.
 
وليكن معك ساعة الحكم عقلك وعلمك وحلمك، واجتنب الغضب وما يؤدي إليه. واعتبر بما جاء في هذه الوصية، وضعها نصب عينيك في شأنك كله.
 
وكن عن حسن ظن الناس بك، واعمل بوصية عمر بن الخطاب إلى أبي موسى – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا –؛ فهي وصية جمعت أصول الحكم كلها.
 
فقد كتب إليه: "أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أدلى إليك؛ فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، آس الناس في مجلسك وفي وجهك وقضائك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك.
 
البينة على المدعي، واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً.
 
ومن أدعى حقاً غائباً أو بينة فاضرب له أمداً ينتهي إليه، فإن بينه أعطيته بحقه، وإن أعجزه ذلك استحللت عليه القضية؛ فإن ذلك هو أبلغ في العذر وأجلي للعماء.
 
ولا يمنعنك قضاء قضيت فيه اليوم فراجعت فيه رأيك فهُديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق؛ فإن الحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل.
 
والمسلمون عُدُول بعضهم على بعض، إلا مجرباً عليه شهادة زور، أو مجلوداً في حد، أو طنيناً في ولاء أو قرابة؛ فإن الله تعالى تولي من العباد السرائر، وستر عليهم الحدود إلا بالبينات والإيمان.
 
ثم الفهم الفهم فيما أدلى إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قابس الأمور عند ذلك واعرف الامثال، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق.
 
وإياك والغضب والقلق والضجر، والتأذي بالناس، والتنكر عند الخصومة؛ فإن القضاء في مواطن الحق مما يوجب الله به الأجر، ويحسن به الذكر، فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس.
 
ومن تزين بما ليس في نفسه شانه الله، فإن الله تعالى لا يقبل من العباد إلا ما كان خالصاً.
 
فما ظنك بثواب عند الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته، والسلام عليك ورحمة الله".
 
قال ابن القيم في اعلام الموقعين: "وهذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول، وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة، والحاكم والمفتي أحوج شيء إليه وإلى تأمله والتفقه فيه".
 
وقد بنى ابن القيم – رحمه الله – كتابه أعلام الموقعين على هذه الوصية العمرية التي استمدها من رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وترجمها بأسلوبه الخاص، وأحالها إلى واقع ملموس في خلافته. فكان مثلاً في العدل بين الرعية.
وبعد، فهذا ما وسعنا ذكره في هذه الوصية.
 
وقد تكلمنا عن الغضب وآثاره في الجزء الأول من هذا الكتاب وقلنا: (إن العاقل من يتريث في الأمور، ويحسب للعواقب حسابها، ولا يقدم على شيء ولا يحجم عنه إلا بحكمة. فلا يجبن حين يستلزم الأمر إقداماً، ولا يتهور حين يستلزم الأمر إحجاماً؛ فالفضيلة وسط بين رذيلتين.
وإذا أوتى المرء الحكمة لا تدفعه المثيرات إلى فعل ما لا تحمد عواقبه؛ فإن المثيراث تسلب الإنسان لبه – أحياناً – فيفقد توازنه فيتصرف تصرف الحمقى أو المجانين؛ لهذا كان قول النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لرجل يريد أن يوصيه بوصية نافعة: "لا تغضب" فكان درساً جامعاً للحكمة من أطرافها.
 
فمن ترك الغضب وتحلى بالعلم فقد استمسك بالعروة الوثقى وتسلح بسلاح لا يقهر، وأمن على نفسه من الوقوع في مواطن الزلل والهلكة...).
 
والله هو الهادي إلى سواء السبيل.

المقال السابق المقال التالى

مقالات في نفس القسم